مفارقات لبنانية في سورية!

حجم الخط
17

اتهم السيد حسن نصرالله في خطاب عيد التحرير الدولة اللبنانية بأنها دولة طائفية، وهذا كلام صحيح، ولكن هل الخلاص من الطائفية يفترض بالسيد ان يقود حزبا سياسيا-عسكريا تقتصر عضويته على ابناء الطائفة الشيعية ؟
قال السيد ان الدولة اللبنانية عاجزة، بسبب طائفيتها. لكن الى اين يقودنا تبنيه مع حليفه العوني مشروع ايلي الفرزلي الانتخابي (الذي عُرف باسم القانون الارثوذوكسي)، والذي يقوم بايصال الطائفية الى ذروتها. هل نحارب الطائفية بالطائفية، على طريقة ابي نواس، ‘وداوني بالتي كانت هي الداء’؟
قال السيد ان سقوط سورية وتدميرها سوف يشكل كارثة على القضية الفلسطينية، وهذا صحيح، هل انقاذ سورية مرادف لانقاذ المستبد؟ ولماذا ارسل السيد جنوده للدفاع عن نظام دمّر نصف سورية، ويعدنا بمزيد من التدمير؟
قال السيد ان سورية هي ظهر المقاومة وسندها. حجة النظام البعثي لاحتلال لبنان تجسدت في مقولة ان لبنان هو الخاصرة الرخوة لسورية ، هل يريد السيد اليوم ان يقلب المعادلة، فيقوم لبنان باحتلال سورية، دفاعا عن ظهره؟
قال السيد انه يقاتل اسرائيل في القصير، ولم يسأل نفسه من أوصل اسرائيل الى قلب سورية، التي تعرضت عاصمتها لقصف الطيران الاسرائيلي من دون اي رد ينقذ ماء الوجه من قبل نظام الممانعة او حزب المقاومة!
وعد جماعته بالنصر في القصير وسورية، متناسيا ان الحرب الأهلية هي المصيدة التي تلافى حتى الآن الوقوع فيها، وان السقوط في الحرب الطائفية لا تعني سوى الوقوع في المصيدة الاسرائيلية، واراحة اسرائيل بل جعلها حكما، وتدمير فكرة المقاومة.
والى آخره…
شعرت وانا استمع الى السيد بالألم، وفهمت العلاقة بين الكلمة والجرح، ففي اللحظات التي القى فيها خطابه كان جحيم الصواريخ يتساقط على القصير ويقوم بتهديمها بيتا بيتا. الرجل لم يكن يتكلم جزافا، بل حوّل الكلمة الى جرح نازف، جاعلا من اجساد فقراء سورية قربانا على مذبح المستبد غير الممانع.
كان السيد يسعى الى الخروج من مأزقه عبر الغرق فيه. وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الكبرى التي عبّر عنها هذا الخطاب.
فلقد قام حزب الله بتحقيق الانجاز الاكبر الذي لم يسبقه اليه احد، اذ الغى عمليا الحدود اللبنانية السورية. اعلن سقوط الحدود، وكلف نفسه وحزبه اللبناني مهمة انقاذ سورية من نفسها! واذا رست الأمور على هذه الحال، فمن سيمنع غدا الجيش السوري الحر من اجتياح مناطق في لينان، بحجة حماية سورية من اخطار تهددها. هل سيرفع السيد عندها شعار الوطنية اللبنانية التي انهاها في ريف دمشق ودفنها في القصير؟
قرأت في الخطاب ملامح المأزق الكبير الذي دخل اليه لبنان من الباب السوري ودخلت فيه سورية من الباب اللبناني. صحيح ان الباب اللبناني ليس لبنانيا، لأنه منذ لحظة اندلاع الحرب اللبنانية عام 75 تخلّعت ابواب لبنان التي كانت هشة منذ تأسيس الكيان على اسس طائفية. الباب اللبناني اتخذ اسماء عديدة، فكان اسرائيليا مرة، وسوريا مرة ثانية، والى آخره. هذه المرة كسر السيد نصرالله الباب تحت المظلة الايرانية، واوصل الخطاب الطائفي للنظام السوري الاستبدادي الى ذروته، وذهب الى القصير لتدميرها بصواريخ المقاومة، محطما آخر ما تبقى من قدسية الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي.
حزب الله في مأزق، او بعبارة ادق في المصيدة. والمصيدة ليست من صنع الآخرين فقط، بل هي من صنع يديه، فلقد تورط في معركة انقاذ نظام لا يمكن انقاذه.
ضعف الدولة اللبنانية بسبب الطائفية كانت سببا في فائض القوة التي يتمتع بها حزب الله في لبنان. هذا الفائض الناجم عن استثمار البنية الطائفية الى حدودها القصوى، خلخل معنى الرأسمال الرمزي الذي صنعته المقاومة ضد الاحتلال، لتصبح هذه المقاومة في نهاية المطاف اداة قهر للشعب السوري في انتفاضته من اجل حريته.
حرية السوريين صارت في العرف الطائفي اللبناني تهديدا للمقاومة؟
ما هذه المفارقة المرعبة التي وضع فيها حزب الله نفسه؟
منذ انطلاق الثورة، اي قبل العسكرة الوحشية التي فرضها القمع الفالت من عقاله، كان نصرالله في خندق النظام. واليوم يجد نفسه مضطرا للدفاع عن نظام يتهاوى، وبدل ان توجه الصواريخ الى اسرائيل توجه الى القصير وريف حمص وريف دمشق!
انه الأفول.
يجب ان يؤخذ كلام نصرالله بجدية، فالرجل قرر ان يقاتل في سورية، وهو قادر ومصمم على ذلك، وسيقذف بالوف المقاتلين الى القصير والجبهات السورية المختلفة، لكن من قال له ان اللعبة ستقف عند هذا الحد.
دعا اللبنانيين المعارضين لموقفه الى قتاله في سورية وليس في لبنان؟
وفي هذا ما يثير العجب، فالرجل يستدرج لبنان الى الفتنة والحرب. من قال له ان الاصوليين اللبنانيين الذين تشبه تنظيماتهم حزبه في بنيتها العقائدية سيكتفون بملاقاته في سورية؟ ومن قال له ان السوريين سيتفرجون على بلادهم وقد غدت ساحة لاقتتال اللبنانيين؟
والألم ان حزب الله الذي يحفظ له اللبنانيون والعرب ذاكرة مقاومته للاحتلال قد سقط في الفخ، وقرر ان يمحو ذاكرة المقاومة بذاكرة الحرب الاهلية الطائفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد الفلسطيني:

    أشكرك أستاذ خوري على هذه المقالة التحليلية الرائعة ، متمنياً أن يقرأها السيد نصر الله و كل أخ شيعي أو فلسطيني أو عربي يؤازره أو يقف إلى جانبه.

  2. يقول فاروق قنديل ـ النمسا:

    لله درك يا أخ الياس وكأنك تتكلم من قلب وفم كل عربي حر يتألم مما وصلت إليه أحوالنا على يد الطغاة والمتاجرين بفلسطين والمقاومة والممانعة . حماك الله ، ولك الله يا سوريا ، وستبقين قلب العروبة والاسلام النابض ، ر وشكراً من القلب ياسيد إلياس ، لقد عبرت عن ألمنا وأحاسيسنا بكل براعة وصدق واقتدار ، فشكراً للمرة الألف .

  3. يقول حسن المغربي:

    السلام عليكم، أتفهم كلامك وتحليلك هذا لكن صدقا وبكل تجرد، حزب الله كان سيقحم في المعركة حتى لو لم يطلق رصاصة واحدة وظل يتفرج من بعيد، والسبب بسيط للغاية، لأن في الجهة المقابلة تقف عقلية تكفيرية تعد العدة لمحاربة الرافضة حيث وجدوا وهم في ذلك متساوقون مع الولايات المتحدة وإسرائيل واللتان لاتخفيان بتاتا الرغبة في تدمير حزب الله.
    أنا من المغرب ولا علاقة لي بالحسابات الطائفية، تتلخص زاوية نظري الى الامور في المصالح العليا للأمة العربية والإسلامية، وبكل تأكيد أجد أن حزب الله معني بالحرب المستعرة في سوريا أكثر من النظام السوري نفسه لأن عنصري السيطرة على المعارضة السورية إما فكر تكفيري يريد الزحف بعد سوريا على لبنان لقتال حزب الله، أو صهيوني يشترك في الغاية نفسها مع العنصر الأول، طبعا مع اختلاف الأهداف.
    انشرو تؤجروا

  4. يقول isaac algèrien:

    وأخيرا سقط القناع ياحسن

  5. يقول محمد زيدان:

    أخ إلياس النظام السوري هو أساس وصلب ومنبع الطائفية بالأدلة والبرهان والواقع والطفل السوري الصغير يخبرك قبل العجوز ، وبنظرة صغيرة إلى سورية حتى قبل الثورة ستجد بأن كل ضباط الأمن و أكثر فرق الجيش السوري واغلب الوزراء هم من الطائفة العلوية وإذا ذهبت إلى قيادة المنطقة الشمالية التي هي بحلب ومكان الضباط السنة شيء مخجل لأنك سترى بكل مكتب أربعة ضباط سنة برتبة عميد يشاركون مكتب واحد ولهم سائق وإذا ذهبت إلى أي فرع امني ستجد ضابط علوي برتبة فقط ملازم وستشاهده من أفخم المكاتب وعنده حاجبين وعدة سائقين ومكتبه عبارة مكتب عقاري وتجاري ولحل أمور التجار والصناعيين بالإرهاب بالإضافة لمكتب دعارة لملذاته وإذا نظرت إلى رؤوسائه ستشاهد مستوى الفساد والسرقات والإرهاب ارتفع حسب الرتبة هذه هي (سوريا) التي لازال بعض الصحفيين في هذه الجريدة يراه القائد الممانع والفاتح العظيم وعندما اقرأ مقالاتهم اشعر بالأسف لمستوى مهنة الصحافة في بلداننا فما بالك بعامة الشعب ؟؟؟؟

  6. يقول AMERA:

    Thank you.

  7. يقول الله اكبر:

    جاييك يوم يا نصر الله
    والله ستندم على الساعة الي دخلت فيها سوريا

  8. يقول نبيل محمد-اليمن:

    مع كل الالم لسقوط الابرياء والمدنيين من السوريين لكن للاسف الشديد فان الواقع شديد الخطورة والمستقبل سيكون اكثر ايلاما ، ونصر الله كان واضحا وصادقا في قوله انه لم ولن يستهدف الشعب السوري ولا حتى المعارضة الوطنية الخالصة بل يستهدف فقط ادوات وقوى المشروع الامريكي -الصهيوني من الذين يستلمون الاموال والاسلحة وكذلك التكفيريين المتطرفين الذين سمعناهم يؤكدون بصراحة انهم أتوا لاسقاط نظام بشار والقضاء على الشيعة ، واليوم سورية وغدا لبنان . فماذا بالله عليك يمكن ان يكون موقف حزب الله الذي يطلب الكثيرون رأسه ؟ نعم ان هناك ضحايا للتدخل في سوريا لكن الواقع المر ان النظام الدكتاتوري هو الداعم الوحيد للمقاومة والضامن لخطوط امدادها والمغطي لظهرها وبدون مساعدته ما كان تحقق انتصار للمقاومة ولا وصلت الاسلحة الايرانية الى غزة وليس الى الضاحية فقط. ومن الجهة الاخرى فان الشعب السوري الحر والمقهور يقف اليوم الى جانبه كل اعداء الخير والانسانية والامة كما يعرفهم الجميع ، ولونجح مشروعهم لاقدر الله لضاعت سورية ولبنان والاردن والعراق وغزة وبقية فلسطين زيادة فوق العطية. ولتضاعف الضحايا بالملايين فاحسبوها صح واخبرونا كيف حل هذه المعضلة ان كان لديكم حل ، والا فلاتزيدوا النار اشتعالا ولنسال الله ان يخمد نيران الفتنة باسرع وقت

  9. يقول أبو ناصر:

    أحييك أستاذ الياس على تنظيرك الدقيق واستقراءك العلمي للأحداث .

  10. يقول منار:

    نطقت بما يشعر به السوريون فشكرا لك على هذه المقالة الرائعة. لقد عودتنا على تحليلاتك الجيدة في وقت اصطف فيه كثير من المثقفين مع الاستبداد ضد الشعوب.
    إن خطاب نصر الله فيه استهتار بعقول السوريين بعد أن استباح دمائهم ولكن على الأقل كشف نفسه بشكل لالبس فيه. فيا فرحة اسرائيل بهكذا مقاومة ويا حزن السوريين واللبنانين لوجودها.
    شكرا لك واكتب كثيرا حتى نشعر بأن هذا العالم لازال بخير وبقي فيه من يميز الصالح من الطالح.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية