أدخلُ تونس العاصمة مثل الفاتحين، أسيرُ على خطاهم بكلّ الشعور بالجلال والعظمة، ولكن دون قتال. الناس الذين ألتقيهم في الشارع والمقهى والنُّزُل، همْ رعيّتي وأحبّائي؛ أيّ غزوة جرتْ في ظروف الحبّ لا الحرب؟! ثمة براحٌ عاديّ، لكنه للفاتح يسلب العقل والقلب، والشمس تتماوج على السحنات الغريبة ـ كان السيّاب يدعوها حدائق الوجوه: الوجوه الفاتنة للنساء، حتى العجائز منهن، بل الوجوه الفاتنة للرجال والكلاب والقطط ـ آه ما أجمل القطط في المدينة التي يدخلها الغازي، وهو ينظر إلى كلّ شيء بدهشة، وهو يفتح ذراعيه، ويتقبّل ما لا يُقاوم.
بن حمودة. عبد الفتاح بن حمودة، الشاعر الذي لقّبَ نفسه (ايكاروس)، ووجد سعادته في إيواء القطط المشرّدة، لأنه رأى في الأمر انضباطا فعّالا في تطويع الروح والجسد، ليكونا نقيّين دون حدود، من أجل أن يقول الشعر. ايكاروس هذا جرت لي معه حكاية هنا، لكم أن تعدّوها من حديث الخرافة. لكنها جرت بالفعل، وأقسم على ذلك بكلّ الحزن الذي يتردد صداه بين أضلاع الشاعر، ولا شيء سواه غير الملح والصدأ؛ ملح الروح وصدأ الجسد.
هو النهارُ الأول لي في تونس، وكانت السماء تمطر بشدة، والوقت آخر الليل ـ قبل الفجر بحوالي ساعة. صحوتُ، وأخذتُ طريقي إلى نهج (أي زقاق) بن خلدون. رغم تحذير الأصدقاء لي بعدم الابتعاد عن الشارع العام، لكثرة لصوص الطرقات، رغم ذلك أخذتُ أجوس في الزقاق بعيدا. فجأة، توقّفتُ أمام مقهى، دون بقية المحلّات والمطاعم. دخلته، فصار بيتيَ الثاني إلى حين، بعد مأواي في الفندق. يقول البلجيكي موريس ماترلنك في كتابه «كنز البسطاء»: «يجب أن نتعلّم كيف نرى لنتعلّم كيف نُحبّ». حكى لي الشاعر بن حمّودة أن (المونديال) هو مقهاه أيضا، لا يبدّله بصالة الشرف في القصر الجمهوري؛ الفقراء والبسطاء ورقيقو الحال من النساء والرجال من مختلف الأعمار يأتونه، يدخّنون ويشربون الشاي والقهوة، ويثرثرون ويغنّون ويضحكون ويضجّون في كل ذلك، من الفجر إلى آخر الليل. هل بإمكان قصر الرئيس ضيافة هذه الحفلات، كلّ يوم؟
هو أحد المقاهي التي يحبّها (الشعب) كثيرا، والشعبُ في كلّ يوم يريد الحياة، ولا بدّ أن يستجيب القدر… هل هذه قراءة جديدة لبيت شعر أبو القاسم الشابي الشهير، من أجل تنظيفه وتنقيته من وحل السياسة؟ في تلك الساعة كان في المقهى بعض الرجال والنساء، يتناولون فطورهم مع القهوة أو الشاي، ويتمهّلون قليلا ثم يتوجّهون إلى العمل. في جلستهم الهادئة والمطمئنة كانوا أقرب إلى ذواتهم وإلى أخوّتهم، يُصغون إلى نفوس بعضهم البعض، سواء كانوا يتكلمون أو صامتين، مع أغنية فيروز ومع صوت تساقط المطر، تشكلّت من كلّ هذا ضوضاء فيها لطف وخفة تنقلب، كما لو أن في المقهى حجارة كريمة تقوم بهذا العمل، إلى ضرب من الإشفاف الصاخب، الذي هو عبارة عن حفيف خفيف يشبه ما للطيور والفراشات، يُضفي السكينة والثبات على المكان. ولكن كيف تلاقت بوصلتي، والدنيا ظلام ومطر، مع تلك التي يسير وفقها الشاعر بن حمودة، في بلده، فاخترتُ مقهاه دون غيره؟ قالوا عن الإنسان إنه امتداد لروح المكان، ويمكنني إضافة روح الآخر القريب أيضا، الصديق مثلا. بما أني اهتديتُ إلى المكان الأثير لصديقي ايكاروس عن طريق لا وعيي، الذي مركز نشاطه القلب؛ قلبي عليك يا صديقي الشاعر…
في تونس الخضراء تقرأ شعرا حتما، وإن كان قائله عبد الفتاح بن حمودة (ايكاروس) الحزين، بل الأكثر حزنا من بين الكائنات، فيه شجرة سرو ورائحة قهوة وعسل ليليّ وامرأة: «خذ كرسيّا تحت شجرة سروٍ واملأ لوحاتك أمطارا/ خذ قهوة أحلى من حديث عموميّ في المقهى/ واملأ فمك بالعطر/ خذ أوراقا ولطّخها بألوان شتى/ والعق هذا العسل الليليّ/ واهمس لامرأة …».
الحجارة الكريمة التي مرّ ذكرها تجعل من أيّ مقهى مكانا روحيّا يشبه المعبد. السماء حزينة وجميلة في هذه البلاد، شمسها مبتلة دائما بالغيم. أجلس الآن في مقهى على الرصيف في ضاحية (حلق الوادي) في تونس العاصمة، حيث يمرّ الأصيل على النخل والبحر والجبال البعيدة.
الضجيج يعلو ويخفت دون أن يشعر به أحد، وصبيّتان تبللان أقدامهما في
الموج. تقافزتا ورقصتا في الهواء، وعلى أديم الماء ارتعش خيالهما. كم كانت أغنية البحر بعيدة، بينما الرقصة متألقة وأبديّة! البحر يقود إلى بحر آخر، وأنت لم تأتِ بعد. سأتطلّع إلى الغرب، وأراك. أو أتطلّع إلى الشرق: أيها الآتي من بعيد، يقول رامبو، سوف تذهب إلى كلّ مكان.
في رواية «سالامبو» يصف فلوبير أهل قرطاج بأن لغتهم تتميّز «بأحرف ساكنة ذات نبرات جشّاء تشبه عواء بنات آوى». حتى بلسان الأطفال وأجمل النساء، اللهجة التونسية قوية وخشنة، بل جامحة. مع هذا، فهي عذبة إلى درجة أنها ترسخ في القلب. الطلاء الأوحد للبيوت والمباني أبيض، والأبواب والشبابيك بلون الزفير الأزرق. السفن تنام على الميناء، وثمة إيماء من الشاطئ للصبايا كي يدخنّ السجائر بقلوب مسرورة، وكان البحر في العمق طفيفا ومكفهرا. حين يعلو الموج، يمحو هديره ضوضاء المدينة. إيماء آخر يأتي الصبايا من أزهار لا أعرف أسماءها، حمراء وصفراء رغم البرد والثلج والمطر، وإيماء ثالث من الضوء الباهر للشمس العظيمة، حينما تتبدد الغيوم، ويُطالعنا عريُ السماء.
ونحن نأخذ كأسا في حانة في نُزل «الهناء»، حيث كنت أُقيم، سألتُ الشاعر عن سرّ اسمه، وروى لي هذه القصة: عندما كان تلميذا في الثانوية، أحبّ فتاةً إلى حدّ العبادة. ثم انقطع بينهما حبل المودّة فجأة، وغادرتْ حبيبته إلى الأبد. أحسّ عبد الفتاح في تلك الساعة أنه ساقطٌ من علوّ شاهق، بعد رحلة من التحليق في سماء الحبّ. هو ايكاروس إذن، وسوف يكون هذا اسمه الفني.
ميزة الشعر الحديث أن فيه ترجمة حرفية للواقع، أي أن الشاعر يقوم بنقل ما يحدث أمامه في الليل والنهار، إلى أنغام وصور كلاميّة. كما أن شعر صديقي يشبه كثيرا معنى اسمه: ايكاروس، ثمة جرأة في الأفكار والتأملات، تقودها رغبة قوية في قول الشعر، وليس هناك مدى أو حدود لتلك الأفكار والتأملات والرغبة: «بلا شفة/ بلا أصابع/ أشرب كلّ مياه الأرض». هل يُطفئ هذا ظمأك يا صديقي؟ وهل يُعيدك الحال إن ارتويتَ إلى سماء الحب الرحبة، أم أنك تشرح بهذه الطريقة مقدار الرواء الذي منحته لك فتاتك؟
يكتب بن حمودة الشعر الحرّ وقصيدة النثر، ولديه أربع مجاميع شعريّة. أكثرية شعره مفهوم وواضح، لكنه يُحاول أحيانا نحتَ القصيدة الصافية في وجه الصخر، فتظهر للقارئ بشكل نظام من الهذيان، يأخذ أشكالا غريبة: «الوردةُ طائر الماء الذي يزعق» و «الأقمارُ صارت ثمرا للنخلة/ هذا ما يفعله الشاعر في الليل/ إثارةُ غيظ النخلة بلسانه/ حمل توابيت الأقمار إلى البيت/ وقرع أجراسها في البحر». العقلُ يُحبّ المجهول، وتخلب لبّه الصورُ التي تكون معانيها مغلقة ومجهولة تماما، لأن العقل نفسه مجهول وغامض.
تعود علاقتي مع ايكاروس إلى حوالي عقد من الزمان. في كل مرّة ألقاه، أراه يتمالك أنّةً، ويريد أن يتوارى في ظلمتها. لهذا السبب لم أفلح في رسم صورة لملامحه ولا لأفكاره، لكن الرحلة إلى الشعر هي التي تعكس صورة الشاعر، وتكشف لنا أعماق ليل كيانه الكبير. يقول الشاعر اليوناني ريتسوس: «أحببتُ الحزانى/ الذين يسيرون صامتين.. كقطعان بيضاء مختومة على الجبين/ مختومة على الجبين بخاتم أحمر». ايكاروس واحدٌ من هؤلاء الحزانى، والوسم على جبينه واضح.