«ملاوة: سيرة عبد القادر فيدوح»: مرآة الروح ومشقة الذاكرة

إذا كانت السيرةُ حسب فيليب لوجون: حكيٌ استعادي نثري يقوم به شخصٌ واقعي عن وجوده الخاص، عندما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة، فإنها في «ملاوة: سيرة عبد القادر فيدوح» الصادرة عن دار النهضة العربي، بيروت 2025 نمطٌ من السرد المقصود، الذي لاحق سيرة الإنسان (عبد القادر) من داخل الإنسان نفسه، وقد اعتمد على الاسترجاع الذي تداخلت فيه المواقف، والأحداث مشكّلة خطاب الذات، وهو يتتبع وجودا يُعاد إنتاجه على الورق.
يحارُ قارئ «ملاوة» وهو ينتهي من قراءة متنها من معرفة علامتين: الأولى ما دلالة (ملاوة)؟ والأخرى سؤال يتقدم واجهة تلقي السيرة مؤداه: لمَ استعار مؤلف السيرة اسم (عاصم) بدلا من اسمه الحقيقي المنقوش على أعلى غلاف السيرة من جهة اليسار؟ يحيل لسان العرب (ملاوة) بالحركات الثلاثة للميم على مدة العيش، والإِمْلاء: الإِمْهالُ والتأْخير وإِطالةُ العُمُر، وأَمْلى عليه الزمنُ أَي طال عليه، وأَمْلى له أَي طَولَ له وأَمْهَلَه، فلسان ابن منظور يحيل الملاوة بمفهومنا المعاصر على سيرة الإنسان؛ أي حياته الفردية، وتاريخ شخصيته بصفة خاصة، وقد تأكد لي بالأدلة أن ما كتبه عبد القادر فيدوح، سيرته الذاتية بدليل العنوان الموازي للعنوان الرئيس الذي تولى إحالة لفظ (ملالة)على أنها سيرة بوح الروح.

ترى لماذا استعار مؤلف السيرة اسم (عاصم) بديلا عن اسمه الحقيقي الذي هو من الأسماء الجزائرية التي تتقدم على أسماء الناس؟ فعبد القادر من الأسماء التي وصفت بخير الأسماء، فضلا عن أن اسمه يحيل على علمين لهما هيمنة على الثقافة الجزائرية قديما وحديثا: عبد القادر الكيلاني (561 هـ)، المتصوف العراقي المعروف في بلاد المغرب بالشيخ بوعلام الجِيلاني، وله طريقة تعبدية معروفة في تلك البلاد، وزوايا، وعبد القادر الجزائري (1883) الأمير الذي قاد المقاومة ضد الوجود الفرنسي البغيض.
لقد ارقتني تلك الاستعارة، ثم أمسكت بتأويلها بعد تلقي السيرة، فقد تأكد لي من خلالها أن الشخصية، التي كانت تسرد الأحداث مرة بالضمير (أنا) ومرة بالضمير الغائب (هو) متلاعبة بالزمن كانت قد (عَصَمَتْ) نفسها من ملذات مختلفة، عرضت لها أثناء حياتها: تلك التي أعاد المؤلف تشكيها بوحا على متن السيرة، والعاصم في المعجم: الحامي، والمانع، والواقي، والحافظ من السوء، والملجأ الذي يُحتمى به، وهو مشتقٌ من الفعل (عَصَمَ) الذي يعني الحفظ، والمنع، واللجوء، ويُطلق على الحبل الذي تُشد به القربة، وقد ورد في القرآن الكريم دالا على الشخص القوي، والعاقل، وحامي من يحب.
تقرأ السيرة فتجد الإهداء إلى (مُلحة)، وهو إهداء خاص إلى والدته، أحال على طبيعة التلازم الحياتي بين المُهدي والمُهدى إليه قاسمها المشترك، جهاد الأم الذي ربط بين الاثنين ليكون الإهداء دلالة التواصل بين مرسل ومتلق، فمُلحة في النهاية رجع صدى في درب صاحب السيرة، ومُلحة كما يحيل لسان الجزائريين المعاصرين: المليحة وهي الجميلة في ثقافة الشعر العربي.

سرد المؤلف (ملاوته) كي يُدرك معنى ماضيه، وهو ممن يعتقد أن ما عاشه يمكن أن يسرد، وقد نُسج سرد الماضي بأنفاسه، وهو يحس مقدار براعته، وتطاول أيامه مقدرا طبيعتها، وسوء حوادثها، فهو لا يريد تلميع صورة الماضي بل استعادته، من أجل أن يدرك المتلقي صدق ما فيها، من دون أن ينسى أنه يعيد تشكيل الزمن، وفق إيقاعه الخاص، وكأنه ينسج لوحة زمنية جديدة تلتقي فيها الذكريات بالأحلام ليتحول الماضي إلى حلم حاضر، والحاضر إلى ذكرى مستقبل آت، وفي النهاية فإن الهدف من كتابة سيرة (فيدوح) تمثل في ضرورة الاعتراف في مرآة أجبر على النظر فيها، على الرغم مما فيها من وجع، فكتبها دون تمجيد، أو تزويق بل بمشقة الذاكرة؛ تلك التي عاشت جمر الضمير الإنساني، فهو والحال تلك امتحن الذاكرة، وراقب نداءها الآتي من الداخل، فسيرته مرآة روحه التي ترى ما لا يرى اعتراف بأنه عاش، وترك وراءه شهادة يمكن الرجوع إليها. يتساءل عبد القادر فيدوح وهو في مقام سرد سيرته، كيف له أن يكون السارد وفي الوقت نفسه الشخص الذي يسرد السيرة؟ وكيف يحقق الإنصاف بين تلك الذاتين؛ ذات السارد، وذات الشخص الذي تُسرد سيرته في الآن نفسه؟ يجيب وهو يتوسط بين السارد، وشخصية السيرة وكأنه يطابق بين المؤلف، والسارد، والشخصية ليكون مضمون السيرة بعيدا عن الشك، والتأويل المغرض، وبالإحالة على متن(ملاوة) كانت ولادة الطفل عبد القادر في قرية (أولاد عبد الواحد) التي تتبع إداريا إلى ولاية معسكر، وهي القرية التي احتضنت بيعة الأمير عبد القادر لمحاربة الاستعمار الفرنسي، فكانت الشرارة الأولى للثورة منطلقة منها.
أدرك صاحب السيرة الحياة وهو في سن السادسة من دون تعليم نظامي، لكن والده شيخ القبيلة (السيد حبيب) رمز من رموز جهاد ثورة الجزائر، ألحقه في أحد الكتاتيب التي كانت تدرس القرآن الكريم، وحين قدر لثوار تلك القرية أن يقتلوا أحد الفرنسيين، ممن يعمل في مزرعته المقتطعة من أرض القرية قبيل غروب الشمس، أصبحت القرية في مرمى سلاح الفرنسيين لتكون في ما بعد أثرا بعد عين، فكان نصيب العائلة العيش في الشتات؛ الوالد التحق بمكان مجهول ضم قسما من مقاتلي جبهة التحرير الجزائرية، وكان على (مُلحة) أن تأخذ الأطفال الخمسة إلى (وهران)، وهناك ذهب (عاصم) ليعيش متنقلا حسب تعليمات الثورة التي تريد الحفاظ على أولاد الثوار، لكن من دون تعليم نظامي؛ لا ثياب له سوى ثوب واحد، يذكر مؤلف السيرة، أن العوائل التي آوته أسهمت في تحفيظه القرآن الكريم على مدتين في كتاتيب معروفة، ويبدو لي أن تعليم الكتاتيب أسهم في تنشئة الطفل عاصم تنشئة صحيحة، أتقن من خلالها مبادئ القراءة والكتابة فكانت الكلمات الإلهية نبراسا أنار طريقه في ما بعد.

على الرغم من أن الطفل عاصم لم يعش حياة الطفولة، كما ينبغي لكن فقدانها أسهم في أن يكبر قبل الأوان، فالمعاناة صقلت وجوده بقوة عذاباتها، حتى كان إعلان عيد النصر على المحتل، حدثا مفصليا في حياة البلاد، ففي 19 مارس/آذار 1962 أُعلن انتصار جبهة التحرير على المحتل، فنزل الرجال من الجبال إلى منازلهم ليعود الوالد، والأخ الأكبر (حميد) إلى حضن العائلة الكبيرة، فيلتم الشمل، وتكبر العائلة بعد زواج حميد من السيدة (كوثر)، واستقرار عاصم مع أخيه وزوجته في وهران، ليسجل في مدرسة ابتدائية نظامية، وهو يقرب من عمر الرابعة عشرة، طموحه لم يقف، فقدر له أن يمتحن في معهد إسلامي لينجح في الامتحان الذي نقله من المدرسة إلى المعهد، الذي منحه شهادة أقل بالقليل من الشهادة الثانوية، طموح عاصم لم ولن يتوقف، فبعد أن نال شهادة المعهد دخل مهنة التعليم معلما في مدرسة ابتدائية خارج وهران براتب شهري، وأن يتزوج من السيدة (مليكة)، ثم كان الانتقال إلى مدرسة ابن رشد في وهران، فكان قراره أن يدرس عن بعد كي يحصل على الثانوية العامة، أملا في الالتحاق بجامعة وهران، فكان له ذلك، وقد سجل في قسم اللغة العربية، ثم كان الامتحان العسير؛ إما أن يكمل دراسته الجامعية، أو يبقى معلما فكان القرار الاستقالة من الوظيفة والالتحاق بالجامعة طالبا في قسم اللغة العربية، مع رفيقين لا فراق بينهما وبينه إلى يومنا هذا؛ عبد الله العشي، وعبد الملك إبراهيمي، فصداقتهما، حسب السيرة كالجوهرة المخبأة في الصدفة نادرة وثمينة.

تستكمل السيرة توالي الأعوام؛ التخرج في الجامعة، والقبول في الماجستير، وكتابة رسالته الأولى في جامعة وهران عن طرفة بن العبد 1984، ثم السفر إلى القاهرة للحصول على شهادة الدكتوراه بأطروحته «الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي»، والعودة إلى البلاد ليتقلد في ما بعد منصب عمادة كلية الآداب، والسفر إلى طرابلس، والعودة السريعة، ثم الانتقال الكبير إلى البحرين أستاذا في جامعتها، والانتقال في ما بعد الى جامعة قطر ليقضي في الخليج العربي قرابة عشرين عاما لتنتهي السيرة بالخروج من مياه الخليج الدافئة والعودة إلى الجزائر.
ينظرُ إلى السيرة الذاتية بوصفها نصا ثقافيا ينهل من الواقع، حسب فيليب لوجون، ليمثله سرديا عبر تبني المؤلف (التصريح) أن ما يسرده هو جزء مهم، ومختار من حياته بالإحالة على المشاعر، والأفكار، والصراعات، وطرائق الاتصال في المحيط المعيش، وتصريح المؤلف، الذي مؤداه أن ما يحكيه، ويدونه هو جزء من حياته التي كتبها بلغة واضحة يحيل دائما على صدق التمثيل وحضور الحقيقة ونشدان الكمال وسعة التصورات، والسيرة بوصفها نوعا أدبيا سرديا لا بد أن تستجيب لشروط الكتابة الأدبية، التي يكتمل بناؤها في حاضنة (التخيل) الذي يسهم في تنظيم درجات التميز الإبداعي التي عادة ما تشير إلى وجود عملية معقدة تستأثر بها عدة عوامل نفسية، وحياتية تتداخل معها مولدات، ومنبهات تسهم جميعها في صناعة الخطاب، وتبين مضامينه، وهو غير بعيد عن الاستعمالات المجازية وتشغيل الخيال، وطرائق استعمال الخيال إلا في (ملاوة) فقد وجدت اللغة تنحت من الحقيقة سياقها، ومن الواقع تمثيلها، ومن الحوادث تصوراتها، فهي قريبة جدا من الحياة، ومن مصادر التشكيل السردي، ولعل الروح المجازية الوحيدة المبثوثة في سياقاتها العبارات، التي كان ينتقيها من فضاء الشعرية حين تأخذه الحياة إلى ما هو جميل فيها فتراه يستحوذ على العبارات الشعرية من دون أن تشكل غطاءً عاما لمجمل متن السيرة، كما في عبارات كثيرة منها وصف فجر يوم ولادته: (في صقيع فجر شتوي، حيث الأرض ترتجف تحت قبلات الريح الباردة، وتتساقط قطرات المطر كدموع رقيقة على سكون البيوت تعزف الطبيعة ألحانها الحزينة، والثلوج كأحلام بيضاء لم تدنسها قسوة الواقع تغطي كل شيء بوشاح نقي)، وقوله مخاطبا متلقي السيرة: (وها أنا في هذا المقام في لحظة هاربة من براثن النسيان، أحاول أن أمسك بها كشعاع خافت من نور يتسلل عبر ستائر الذاكرة أرسل إليك عبر هذه المسافات أشجاني)، فضلا عن قوله وهو يصف طفولة أفلت قبل أوانها: (لقد كبر قبل أوانه، ليس لأن الزمن سمح له بالنضج، بل لأن المعاناة صقلته كما تصقل السيوف في نار التجربة).
وبعد: فقد كشفت سيرة عبد القادر فيدوح هويته التي عرّفت بشخصيته، وقد تعاونت جملة من الظروف في إنضاجها كي تكون تلك الهوية واضحة نقية، أولها ارتباطه الروحي بالهوية العربية الإسلامية، وتفضيله مصر على فرنسا لإكمال دراسته العليا، وقد كانت (ملاوة) في حقيقة حضورها شوقا دفينا إلى الجذور البعيدة، التي ربطته بتاريخ الجزائر، وإلى العربية التي عاش بظلالها، والفيء الأخضر الذي مثل الوطن الأول، والذاكرة البعيدة تلك التي تم اختصارها بما في سيرته من بوح.

أكاديمي وناقد من العراق

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عباسي اوسامة:

    أين اولئك الذين يزعمون أن الجزائر فرنسية وأن لغة موليار منتشرة في اوساط الشعب الجزائري من العلامة عبد الحميد بن باديس إلى الكاتب والناقد الجزائري عبد القادر فيدوح ستظل الجزائر عربية إلى إن يرث الله الارض و من عليها .

  2. يقول عبد الرزاق بوقطوش:

    كنت للتو أتهيأ لكتابة نص نقدي حول ملاوة عبد القادر فيدوح وسبقنا هذا القلم العراقي الفذ…
    لي فيها رؤيا أخرى تختلف عما كتبه التميمي…
    ولكن ما كتبه ممتع وجدير بالتنويه..وملاوة نص باذخ بحق يحتاج منا أن ننظر كيف يكتب الناقد سيرته…

  3. يقول د.عبدالعزيز العايب/جامعة المسيلة-الجزائر:

    الأستاذ عبدالقادر فيدوح أجاد في نقد الإبداع،وها هو يجيد في الإبداع من خلال سيرته الذاتية…أستاذنا المبجل جمعتني به عديد الملتقيات،ومالمست منه إلاّ تمكّنا من الحقول المعرفية التي يخوض فيها؛وحلية هذا كلّه تواضعه ودماثة أخلاقه.

اشترك في قائمتنا البريدية