تعيش القارة الافريقية حاليا على صفيح ساخن، فمن جهة أولى، تتعرّض لسباق وتنافس دولي بين القوى العالمية، التي تسعى إلى تحقيق مصالحها والحصول على أكبر قدر من المكاسب، ومن جهة ثانية تعرف القارة السمراء انقلابات عسكرية متكررة في كثير من دولها. إن التنافس على القارة الافريقية ليس وليد الساعة، ففي الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، اجتاحت القوى الاستعمارية الأوروبية القارة السمراء التي اعتبروها «أرضا بلا صاحب»، وعقدوا مؤتمرا في برلين في يونيو 1884 لأجل وضع خريطة تقسيم القارة الافريقية واستباحوها بكل شراسة ووزعوا الغنيمة التي اشتركوا في سرقتها معاً.
كان لفرنسا النصيب الأكبر في تقاسم هذه الغنيمة، فاستولت على أجزاء واسعة من افريقيا، وأسست إمبراطورية استعمارية في غربها، ونفّذت سياسات تعتمد على ركائز سياسية واقتصادية وثقافية تؤمن بقاءها الدائم فيها. منذ ذلك التاريخ أبانت فرنسا عن جشعها الاستعماري، ووطّدت أركان احتلالها لمناطق واسعة من القارة بكثير من المجازر التي راح ضحيتها الآلاف من النخب الوطنية والدينية. وتعاملت مع شعوب هذه البلدان بكل استعلاء وعجرفة، فجنودها هم رسل الحضارة والتقدم، يحملون «رسالة الرجل الأبيض» إلى «الافريقي البدائي والمتوحش». ومن جانب آخر، استنزفت ونهبت خيرات القارة التي وفَّرت لها المواد الأولية المتعددة لتحريك اقتصادها وازدهاره ورخائه.
وهكذا تمتد العلاقة بين فرنسا وافريقيا في أعماق الزمان، على مدى ثلاثة قرون من الاستعمار المباشر، وما كادت الحرب العالمية الثانية تنتهي حتى ظهرت حركات التحرر المطالبة بالاستقلال في المستعمرات بشكل عام. فوجدت فرنسا نفسها مضطرة للخضوع لهذه «العاصفة الثورية»، ومنح مستعمراتها الحرية والاستقلال، لكن وفق مخطط سياسي يضمن لها الاحتفاظ بنفوذها وهيمنتها.
ما زالت فرنسا، في وقتنا الراهن، تتدخل في أدق التفاصيل الداخلية لدول وسط افريقيا دون مراعاة لمعنى الاستقلالية والسيادة في هذه الدو،. كما تنظر إليها من برجها العاجي بكل استعلاء وعجرفة
وبعد استقلال البلدان الافريقية استمرت فرنسا في ممارسة الخطة السياسية التي أطلقت عليها «افريقيا الفرنسية» تقوم على الهيمنة والاستغلال، فأضحت هذه البلدان جزءا من سياسة فرنسا، ومرتبطة بالمصالح الفرنسية على جميع الأصعدة. هذه العلاقة الاستعمارية الفرنسية ظلّت أولوية أساسية لكل الحكومات المتعاقبة في فرنسا دون استثناء، التي حافظت على الدفاع عن «الحديقة الخلفية» الافريقية. وهنا نستحضر التصريح الذي أدلى به رئيسا فرنسا السابقان جاك شيراك وفرانسوا ميتران ـ رأى شيراك أنه «من غير خيرات افريقيا ستتراجع فرنسا إلى مصاف دول العالم الثالث»، كما صرح سلفه ميتران بقوله «دون افريقيا لن يكون لفرنسا تاريخ وحضور في القرن الواحد والعشرين»، ولهذا لا يمكن فصل حاضر النفوذ الفرنسي في افريقيا عن حقبة الاستعمار التي تأسس في ظلالها. فما زالت تستنزف وتنهب الثروات الافريقية وفق المخطط الذي رسمته في هذه الحقبة، عبر الشركات الفرنسية الكبرى التي واصلت المشروع نفسه. كما تمارس فرنسا ما يصطلح عليه بـ«العبودية النقدية»، فهي تتحكم في اقتصاديات عدد من الدول الافريقية من خلال «الفرنك الافريقي». ومن الناحية العسكرية أنشأت فرنسا قواعد عسكرية في الدول الافريقية تشرف على حماية المصالح الفرنسية، كما تجعلها وسيلة لاستدامة نفوذها واستمرار قوتها. ومن جانب الاستلاب الحضاري وبغرض منع مستعمراتها من الانفصال عنها، أنشأت «مجتمع البلدان الناطقة بالفرنسية» (الفرنكوفونية).. فرضت عليها اللغة الفرنسية وقامت بمحو ذاكرة وتاريخ ولغات وثقافات هذه الدول وشعوبها. وتبعا لهذه الطريقة، صنعت فرنسا، نخب الاستقلال الذين تدرجت أغلبيتهم في النظام التعليمي الفرنسي، فأنشأت، وما زالت تعمل على ذلك، جيلا يمجد الحضارة الفرنسية وفصلت بالتالي فكرهم عن شعورهم.
أما سياسيا، فقد ظلت فرنسا متمسكة بنهجها الكولونيالي، فشكلت نخبة افريقية ثرية تدين «بالولاء لفرنسا» وتتحكم في السلطة، على حساب شعوبها. كما تلجأ فرنسا إلى تنفيذ ورعاية الانقلابات لوضع حد لنظام حكم أو لإنهاء أزمة سياسية. وعرفت الدول الافريقية سلسلة من الانقلابات ذات الخلفية الفرنسية، كما حصل مؤخرا بالغابون، للحفاظ على نفوذها ومصالحها، فأرادت تعزيز نفوذها بقائد عسكري من طينة النظام السابق.
ما زالت فرنسا، في وقتنا الراهن، تتدخل في أدق التفاصيل الداخلية لدول وسط افريقيا دون مراعاة لمعنى الاستقلالية والسيادة في هذه الدول. كما تنظر إليها من برجها العاجي بكل استعلاء وعجرفة. وعندما رأت أنها تواجه مشاعر معادية لها واحتجاجات عنيفة ضد وجودها في مناطقة افريقية، ودخول منافسين أقويا في القارة السمراء، سعى رئيسها الحالي ماكرون إلى بناء علاقة جديدة متوازنة ومسؤولة مع افريقيا، وفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات الفرنسية الافريقية. واعترف صراحة بأن الاستعمار «كان خطأ فادحا». وفي الحقيقة، يظهر أنه أراد من خلال هذه التصريحات تكرار اللعبة الاستعمارية القديمة، إخفاء الوجه البشع للاستعمار وتزيين الوجه الاستعماري الجديد بـ»ماكياج» يخدع به الأفارقة. فالواقع السياسي الصحيح يُظهر أن الرئيس الفرنسي يخوض معركة وجود في افريقيا بعد التراجع المريع في نفوذها السياسي والثقافي. ويهدف من جولاته الافريقية، التي بلغت ثماني عشرة جولة، إلى مواجهة ما سماه «المنافسة الإستراتيجية التي تنخرط فيها بعض الأطراف الدولية». وفعلا، تشهد افريقيا، وباعتبارها طبق خيرات قابل للنهب في كل حين، منافسة دولية شرسة من أقطاب دولية تقليدية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين، يسعى كل منهما إلى أخذ نصيب قوة من القارة السمراء. إذا كانت للصين أغراض اقتصادية بحتة في افريقيا، فإن الولايات المتحدة تسعى، إلى جانب اهتمامها أساسا بالشق الاقتصادي، وتأمين نصيبها من الطاقة، إلى حرمان أوروبا وعلى رأسها فرنسا من أحد مصادر قوتها، وذلك عبر تصفية هذا النفوذ القديم في افريقيا والحلول محله.
تاريخيا، لم تبرز أهمية القارة الافريقية في التخطيط الاستراتيجي والسياسي الأمريكي، إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وعندما تربعت على قيادة النظام الدولي، استطاعت أمريكا إحراز تقدم مهم في عملية استبدال نفوذها بالنفوذ الأوروبي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بسبب الضعف الشديد الذي أصاب أوروبا نتيجة الحرب. في وقتنا الراهن، تسعى الولايات المتحدة إلى قيادة العالم بلا منازع وما تسميه «الهيمنة العالمية»، وفي هذا السياق، اتجهت أنظارها إلى الاهتمام بالقارة السمراء التي تمتلك احتياطيا نفطيا هائلا يؤمن الاحتياجات الأمريكية المتصاعدة للطاقة، كما أنها تتوفر على مخزون هائل من المعادن المهمة التي تدخل في الصناعات الاستراتيجية، فضلا عن وقوع القارة الافريقية على المعابر والموانئ الاستراتيجية المهمة في المحيط الهندي والأطلسي والبحر الأحمر، كما تشكل سوقا لا يستهان به للمنتجات الأمريكية. ولتحقيق هذه الأغراض، ارتأت أمريكا نهج سياسة «كسر العظام» لمجمل الاستعمار الأوروبي، خاصة فرنسا بكنسها من مجالها الاستراتيجي. بدأت ملامح السياسة الأمريكية نحو القارة الافريقية تتشكل في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عام 1998، إذ قامت إدارته بمحاولات لتأسيس شراكة أمريكية افريقية جديدة، تخدم المصالح الأمريكية هناك. ودخلت أمريكا عسكرياً إلى القارة السمراء عام 2008 من خلال قوتها العسكرية المخصصة لافريقيا (أفريكوم). ومُنذ ذلك الحين، وقع أحد عشر انقلاباً في دول افريقية عدة على يد قوات عسكرية درّبتها أمريكا بشكلٍ خاص. ولم تتخل أمريكا عن خططها في بسط نفوذها على القارة الافريقية، فكانت زيارات أوباما التاريخية لها في الأعوام 2009، و2013، و2015 مؤشرا على اهتمام أمريكا بالقارة. ولا شك بأن أمريكا استفادت كثيرا من الظرف الدولي الجديد المتمثل في الحرب الروسية الأوكرانية، وانغماس أوروبا فيها بشكل كبير وتحملها الجزء الأكبر من فاتورة أوكرانيا في الحرب، فشهدت الدول الافريقية عدة انقلابات عسكرية متتالية في مالي وبوركينا فاسو وأخيرا النيجر، وهي من أهم معاقل النفوذ الفرنسي. وباكتمال ضلع مثلث الانقلابات في منطقة الساحل الافريقي، ظهر أن فرنسا باتت تخسر مواقعها، وأن الولايات المتحدة تعمل جادة على عدم تمكين فرنسا من الانفراد والهيمنة على القارة الافريقية وذلك بتحقيق وجود سياسي على ساحة القارة بإقامة نظم مستقرة وموالية لها، ما دام إيصال الجنرالات في هذه الدول إلى الحكم صار أمرا سهلا، فهم سيقومون بتأمين مصالح الدولة التي أوصلتهم إلى سدة الحكم ومنحتهم عمولة من شركاتها التي تنهب ثروات بلادهم في الوقت الذي تكابد شعوبهم الفقر والجوع والمرض.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن الفترة المقبلة ستشهد انحسارا أكبر، وليس انهيارا، للنفوذ الفرنسي في القارة الافريقية، لأنه من الصعب أن تترك فرنسا افريقيا، وتتخلى عن المصادر الطبيعية، فذلك سيلحق ضررا كبيرا على اقتصادها ومكانتها. غير أن الولايات المتحدة الأمريكية ستستغل هذا التراجع الفرنسي لزيادة نفوذها الاستعماري الأشد وطأة على الشعوب الافريقية.
فهل نحن أمام عملية «إيكوفيون» أمريكية لكنس الوجود الفرنسي من القارة السمراء؟ ستُبدي لنا الأيام ما نحن بصدد الحديث عنه.
أستاذ التاريخ الراهن ـ كلية الآداب ـ المغرب
بمعنى آخر، يا ممثل علم الإجتماع والسياسة (بنسخة وجهة النظر (الفرنسية)) أحسنت الصياغة أيها (التونسي) في عنوان (نادي التطبيع… ما لا يشكل خطرا على إسرائيل لا يشكل خطرا أبداً) https://www.alquds.co.uk/?p=3245509
وأضيف له، إشكالية تناقض موقف القانون الدولي، عندما يكون الهاكرز (صهيوني/يهودي) فيتم تحديد تقدير عالي بولسطة (رواتب/إيرادات) خرافية إلى صاحب هذه المهنة، ولكن عندما يكون القرصان (صومالي/أفريقي) فيتم تحديد إهانة عالية بواسطة عقوبة/سجن خرافية إلى صاحب هذه المهنة، لماذا؟!
ولذلك ثقافة النحن، في حاجة أتمتة صالح الحلال ( حلال AI) في أجواء بورصة سوق العولمة (الإنترنت/الشّابِكة أو التعامل عن بُعد) بلا حدود أي دولة، على أرض الواقع،
أي بمعنى آخر، الآن هل هذه مسخرة أم تهريج أم نقد يا د زياد؟!
أقصد أسلوب إدارة وحوكمة (دونالد ترامب) المبني على الخديعة/الغش/الفساد،
عمل الدولة يجب أن يكون أساسه رؤية، مثل رؤية المملكة 2030، فيتم تكامل كل الجهود، الإنسانية والمالية والإدارية،
حتى نتمكّن من برمجة حوكمة آلية (أتمتة صالح الحلال) تكون وسيلة بناء، وليس وسيلة هدم، بسبب الخُبث الإنساني، الذي تمثله عقلية الزعطوط (دونالد ترامب) نفسه،
بالمحصلة، لقد ثبت لي من التعامل والخبرة العملية، يا د رحيم العتابي وم حامد الحمداني، مصيبة أهل العراق،
لا يوجد فيه الآن، إمكانية إنجاز/إنتاج أي شيء، مع الأسف،
حتى لو كان له علاقة بحقوق الإرث، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أرجو أن تنجز شيء، قبل بداية معرض بغداد الدولي،
لتكون قادر على دخول أي مفاوضات جادة مع الوفد (السعودي)، أنت وفريق الشركة الجديدة، حتى تحصل على حصة في بورصة سوق أجواء العولمة/الإنترنت/الشابكة/التعامل عن بُعد) من تقنية التحوّل الرقمي (أتمتة سوق صالح الحلال).🤨😉
🤑🙈🙊🙉🧠🤖
تحياتي.كتبت إلى اصدقائي منذ الانقلاب في النيجر نفس الذي هو مطروح في مقالك وانا تزايد افكارك واضيف عليها بندان الاول الوجود الصيني في افريقيا بداء منذ فترة بشكل اقتصادي ومستقبلاً سيكون عسكري والتوافق مع الولايات المتحدة.
البند الثاني فيما يخص فرنسا ،يبدوا واضحا أن النظام العالمي الجديد وضع على الأجندة المستقبلية تحجيم دور فرنسا في العالم وخاصتا في افريقيا وهذا سينعكس على هيبتها الدولية.واضح أنها لم تستطع منع الانقلابات في الدول الأفريقية التي تسيطر فيها على كافة نواحي الحياة لم تستطع التدخل لتغير المواقف لصالحها.
الموضع شائك ويحتاج إلى المزيد من التفاصيل.
امريكا البراغماتية و الماكيافيلية من ستطيح بالغرور و العبودية المالية الفرنسية…
هل ستكون امريكا روسيا او الصين ارحم!؟
هذا ما سيكشف عنه المستقبل…
الاستعمار لا يستقر و ينجح الا بعوامل: الخيانة الداخلية+القابلية و الذين يحملون هذه الصفات جزء من الغزاة في الهوية و المصير المشترك فحين تجدمجتمعا غالبيته يدينون بالاسلام و لكن قلوبهم مع تل ابيب في تبادل المعلومات و الخبرات .فاعلم ان الوطني المخلص سيعاني مع هؤلاء.