من الإنسانية إلى انعدامها

ما أن وضعت مجريات كأس العرب لكرة القدم أوزارها، وحلّق الجميع مع نجوم الرياضة إلى عالم آخر مفعم بالإنسانية، حتى أعادهم أحدهم إلى عالم بلا إنسانية، ليذكرهم بقباحة الحياة وخبثها وجشعها وظلمها وعنصريتها، إنه وزير مالية الاحتلال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش.
في مساءٍ واحد، تباين المشهدان حدّ التناقض، ليتكثّف المعنى حدّ الصدمة. على الشاشات، نشوة عربية جارفة تُتوَّج بنهائي كأس العرب؛ ومدرّجات تهدر، وأعلام ترفرف، ولهجة واحدة تتوحّد حول لعبةٍ تعرف كيف تُعيد للأمم بعضا من ثقتها بنفسها. وفي المساء ذاته، وعلى نشرةٍ إخباريةٍ باردة موجعة، يخرج سموتريتش ليعلن ـ بلا تردّد ـ قراراً جديدا يوسّع المشروع الاستيطاني، لينقلنا جميعاً من نشوة الإنسانية إلى انعدامها.
ليست كرة القدم هنا مجرّد مباراة، ولا الاستيطان مجرّد قرار إداري.. الأولى حالة وجدانية تُعيد صياغة الذاكرة الجماعية وترسم معالم للرقي والتطور، وتمنح الشعوب جرعة أمل تحتاجه في زمنٍ شحيح الأمل والسعادة. والثاني فعلٌ سياسيّ مُمَنهج، يهدف إلى إعادة هندسة الإنسان والمكان، عبر فرض وقائع لا تُلغِيها نشوةٌ عابرة ولا تصفيقٌ عالٍ. المفارقة ليست في التزامن الزمني فحسب، بل في السؤال الأعمق: أيّ زمنٍ نختار أن نعيشه، وأيّ أخبار نسمح لها أن تمرّ بلا اكتراث؟
على المدرجات، يتلاقى العرب على اختلاف جغرافياتهم، ينسون خلافاتهم، ويستعيدون لغة الفرح. هناك، يُختبر معنى الجماعة والوحدة الشعبية الآدمية، التي تحتفي بالانتصار تارة والهزيمة الكروية تارة أخرى ـ فرح ولو في المستطيل الأخضر. غير أنّ السياسة لا تنتظر صافرة النهاية، فبين شوطين، تُرسَم حدود جديدة على أرض فلسطين المحتلة، وتُسَنّ قرارات تُراكم ظلما لا تُغَطّيه أهازيج الفوز، هكذا وبصلف المحتل، يتقدّم الاستيطان خطوةً أخرى، بينما تنشغل البشرية ـ بحسن نواياها ـ بالفرح.
ولعلّ المثال الأوضح، والأكثر فجاجة، كان في ما ورد في نص الإعلان في ذلك المساء ذاته: تخصيص 3380 دونما لبناء مدينة «مشمار يهودا» الاستيطانية الجديدة جنوب شرقي القدس. خبرٌ جافّ في لغته، قاسٍ في مضمونه، يُختصر في سطرٍ واحد، لكنه يحمل في طيّاته اقتلاعا صامتا، وتغييرا دائما في الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، ومحوا متدرّجا لمعالم أرضٍ تُستنزَف منذ عقود.

شياطين الاحتلال قتلت مشهد ملائكة الرياضة لتبدد طاقة الفرح الآدمي بالملاعب، التي تجمع الإنسانية وآدميتها المتعطشة لحياة سوية، خالية من الاحتلال والعدوان والجدران

هذا الإعلان الإحلالي العدواني ليس تفصيلًا عابرا في نشرة الأخبار، بل حلقة جديدة في سياسة إسرائيلية باتت تتعامل مع الأرض الفلسطينية، كملف مفتوح على التوسّع الدائم، وحلبة لشهية احتلالية لا تعرف التوقف. فالاستيطان، كما يريده سموتريتش وحلفاؤه، لم يعد ورقة تفاوض ولا عائق سلام، بل أصبح مشروعاً لحكومة صهيونية مستشرسة الفعل والمفعول، تسوِّق فعلها بلا خجل، وتُنفِّذ خططها مستفيدةً من عالمٍ منشغل، وإقليمٍ منهك، وإعلامٍ يفضّل أحيانا الخبر الخفيف على الحقيقة الثقيلة المزعجة.
شياطين الاحتلال قتلت مشهد ملائكة الرياضة لتبدد طاقة الفرح الآدمي بالملاعب، التي تجمع الإنسانية وآدميتها المتعطشة لحياة سوية، خالية من الاحتلال والعدوان والجدران. الرياضة في لحظات كثيرة متنفس ضروري لشعوبٍ مثقلة بالأوجاع. لكنّ الخطورة كلّ الخطورة تكمن في أن يتحوّل الفرح إلى ترح، وأن يصبح التصفيق أعلى من صوت الحقيقة. أن نحتفل، نعم… أن ننسى لا. فالقضية لا تطلب حدادا دائما، لكنها ترفض النسيان المؤقت. المفارقة تُحيلنا إلى مسؤولية الإعلام والنخب: كيف نُدير المشهد؟ كيف نُذكّر بأنّ زمن الاستيطان لا يتوقف عند صافرة نهاية مباراة، وأنّ قرارات تُتَّخذ في «مساءٍ احتفالي» تغيّر حياة آلاف البشر إلى الأبد؟ كيف نحوّل لحظة الوحدة العربية في المدرجات إلى حدٍّ أدنى من وحدة الموقف في السياسة، أو على الأقل إلى موقفٍ أخلاقي واضح لا صفقات لئيمة تبرم من تحت طاولات العروبة المتهاونة؟
في النهاية، لا تعارض بين أن نهتف للمنتخب وأن نرفع الصوت ضد الاستيطان. التعارض الحقيقي بين أن نعيش اللحظة ونغادرها بلا أثر، أو أن نغادرها وقد حملنا معنا وعيا ومسؤولية. مساء نهائي كأس العرب كان اختبارا مزدوجا: لقدرتنا على الفرح، وقدرتنا على التذكّر، ونشوة إنسانية عابرة، وإعلان استيطاني دائم، يبقى السؤال مفتوحا: هل نكتفي بالتصفيق، أم تحسن البشرية تحويل اللحظة إلى موقف؟ ننتظر ونرى.
كاتب فلسطيني

[email protected]

ملاحظة: كتب هذا المقال بمساهمة بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. رامي:

    لقاء ترامب- نتن ياهو المرتقب له أهمية قصوى، والطرف العربي الذي يمكن أن يملك تأثير على مخرجات هذا اللقاء فيما يتعلق بمستقبل المرحلة الثانية من إتفاق وقف النار هو المملكة العربية السعودية. بالإضافة للأطراف الأوروبية ذات الإهتمام المشترك بتحقيق إستقرار طويل الأمد… وهذا ينبه إلى ضرورة المتابعة من خلال التشبيك السياسي والدبلوماسي مع السعودية والأطراف الفاعلة للدفع قدما بإتجاه المرحلة الثانية من وقف النار في غزة، وتحسين الحالة الإقتصادية في الضفة، وفيما يتعلق بحالة تصعيد التطرف الإستيطاني…

  2. يقول د. رامي:

    على هامش ما يدور، هنا مثال لتجربة رسمية تدور، مثال قد لا يهتم له من هو بعيد عن المجال المهني للمثال، ولكنه يعكس إستمرار حالة الإرتجال المبكر، والتي غالبا لا تنجح، وتأتي بنتائج عكسية:
    ما يقوم به وزير في الحكومة الحالية من خطوة مبكرة على أرض رخوة جدا كما يراها العديد من المختصين، وتحت عنوان دمج إعتماد مجالس تخصصية، ولجان تقييم، وما تصدره من شهادات فنية تخصصية هو أمر يحتاج إلى بعض التدقيق والمتابعة… الإعتماد التلقائي للجان تقييم فنية، نشأت وعملت وكبرت على مدار سنوات في منظومة متحيزة بشكل كبير هو أمر بحاجة الى إعادة نظر، وإلى فحص قريب من خلال سؤال الكفاءات الموجودة على الأرض والتي ليس لها conflict of interests… هكذا خطوة لا تتم “بكبسة زر”، خطوة ما زالت غير موضوعية كما يراها الكثيرون، ولا تقوم على أسس سليمة، ولا يبررها مفردات الخطاب العاطفي… هكذا خطوة بحاجة لمتطلبات، والى ضمانات تكفل أعلى درجات المهنية، والحيادية والبعد عن التحيز، وعن تأثيرات الحزبية…
    النضوج مسألة ذاتية

    1. يقول د. رامي:

      التدقيق مطلوب والمراجعة ضرورية، وإدراك جوانب الخطأ مبكرا هو أمر محمود… إستمرار الحال على ما هو عليه يعني: “أعطيته العنوان، دون أن يعطيك المحتوى”…

  3. يقول د. رامي:

    فرق كبير بين دمج ألمانيا الشرقية والغربية وفق خطط موضوعية غير إرتجالية، خطط حضارية، واقتصادية، ومنظوماتية، وثقافية، وديموقراطية مدنية، وبين تجارب توحيد عربية، كقرار الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958، او قرار توحيد اليمن الشمالي والجنوبي سنة 1990…

  4. يقول د. رامي:

    أكثر ما يحتاجه المساكين هو خطاب الممكن…
    مسكينة هذه الديار كم باتت ليلها مخدوعة وإستيقظت باكية…
    النضوج مسألة ذاتية…

  5. يقول د. رامي:

    أرجو أن تكون الرسالة قد وصلت… النضوج مسألة ذاتية…

اشترك في قائمتنا البريدية