على مدى قرنين ونصف من الزمان أخذت الولايات المتحدة الكثير من العرب، ولكنها أعطت أيضا، حتى وإن كان العطاء نذرا يسيرا. أخذت النفط محرك القوة، واستردت الدولارات التي دفعتها فيه، وسيطرت على سوق السلاح في الخليج بجانبيه العربي والفارسي سيطرة كاملة لمدة قرن من الزمن تقريبا، كما سيطرت بعد موت الإمبراطورية البريطانية على الممرات والمضايق البحرية في المنطقة، وأقامت نظما وحكومات عميلة تساعدها على مواصلة هيمنتها. ووقفت الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب، واحتلت العراق وجزءا من سوريا، وشنت حروبا وتدخلات عسكرية لخدمة مصالحها في المنطقة، وحولتها إلى ساحة المعركة الرئيسية ضد الإرهاب العالمي الذي تم إلباسه هوية إسلامية. في المقابل فإن الشركات الأمريكية هي التي حولت الثروة النفطية المخزونة في باطن الأرض إلى قوة للانتقال الحضاري في الخليج من مجتمع البداوة إلى المجتمع الحديث الذي ينعم بكل منتجات الحضارة المستوردة. وبفضل عائد الثروة النفطية أقامت الشركات الأمريكية بنية أساسية اقتصادية واجتماعية متقدمة في الدول الخليجية واستثمرت في مجالات اقتصادية متنوعة من الزراعة إلى الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الصناعية. كما تدفقت الفوائض المالية الخليجية إلى الولايات المتحدة للاستثمار في سندات الخزانة وأسهم الشركات والبنوك الخاصة وفي مجالات العقارات والسياحة والصناعة. وإلى جانب ذلك فإن الولايات المتحدة فتحت لثقافتها بوابة واسعة في المنطقة، واستضافت بعثات علمية وتعليمية، وساعدت على فتح قنوات كثيرة للتعاون، خصوصا خلال المرحلة الأولى من ظهورها على العالم.
إذا نظرنا إلى السجل العام، نجد أن الإنجازات البناءة تشمل: اكتشاف النفط، ما يعني تحويل الثروة في باطن الأرض إلى سلعة اقتصادية لها قيمة، المساهمة في تأمين صادرات الطاقة الخليجية التي دعمت النمو الاقتصادي المحلي والعالمي، المساهمة في تحديث اقتصادات دول الخليج، دعم التعليم العالي والعلوم والرعاية الصحية، الاستثمار في الصناعات الحديثة والصناعات التكنولوجية المتقدمة. أما التداعيات السلبية للسياسة الاقتصادية الأمريكية تجاه الدول العربية فتشمل ترسيخ التبعية والاعتماد على الخارج، وتغليب الإنفاق العسكري على احتياجات التنمية، واحتكار أعمال تنفيذ المشروعات الكبرى، وتدوير عوائد الثروة النفطية لتكون في خدمة المصالح القومية الأمريكية. وحيث أنه لا يمكن فصل تداعيات السياسة الاقتصادية الخارجية عن الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة تجاه العالم العربي، فإن التداعيات الاقتصادية للسياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية تشمل كل الخسائر المترتبة على الحروب التي دبرتها الولايات المتحدة أو تسببت فيها في العالم العربي وأهمها حرب العراق والحرب الأهلية في ليبيا، وتأثير العقوبات الاقتصادية الأمريكية على بعض الدول العربية، إضافة إلى الآثار الجانبية لحرب إيران.
ويمكن تقسيم الدور الاقتصادي للولايات المتحدة في المنطقة إلى ثلاث مراحل: الأولى هي مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، التي يُطلق عليها مصطلح «مرحلة السلام الاقتصادي»، وهي المرحلة التي تميزت باكتشاف الثروة النفطية وبدء استغلالها في الخليج. الثانية هي مرحلة «التوسع الإمبريالي» التي تبدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحرب الباردة وقد تميزت بانتقال مركز القوة الرئيسي إستراتيجيا من بريطانيا وفرنسا إلى أمريكا، وانتشار نفوذ النفط والسلاح والمقاولات الأمريكية. أما المرحلة الثالثة، وهي المرحلة الراهنة فيمكن أن يكون عنوانها هو «أمريكا أولا»، وتتميز بالاتجاه إلى تغليب المصالح القومية الأمريكية على مصالح الدول الأخرى عموما سواء في العالم العربي والشرق الأوسط أو غيرها.
وقد عززت الولايات المتحدة مصالحها الاقتصادية وحماية هذه المصالح في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط من خلال مزيج من الدبلوماسية والتجارة والاستثمار والشراكات الأمنية ودعم التجارة الدولية، مع اختلاف الوزن النسبي لآليات حماية المصالح. وعلى ضوء دراسة العلاقة بين السياسة الاقتصادية الخارجية و المصالح القومية فإن المحركات التي تدفع السياسة الاقتصادية الأمريكية تجاه الدول العربية والشرق الأوسط كانت ولا تزال تتمثل في خمسة محركات رئيسية هي أمن الطاقة، حرية التجارة والاستثمار، الشراكات الأمنية على أساس مبدأ النفط مقابل السلاح، حماية الممرات المائية، وأخيرا ضمان التفوق الإسرائيلي المطلق عسكريا ودبلوماسيا واقتصاديا. في هذا السياق فإن السياسة التي تحقق الغرض المطلوب يجري تبريرها بواسطة أجهزة صنع القرار بدءا من البيت الأبيض إلى الإدارات النوعية المتخصصة مرورا بمجلسي الكونغرس، مرة باعتبارات حرية السوق وأخرى بالحماية والعقوبات والتدخل العسكري إذا لزم الأمر. ويجدر القول بأن المصالح القومية للولايات المتحدة كانت أكثر توافقا مع قيم الحرية الاقتصادية وحرية التبادل الخالصة من القيود والعقوبات بين الأسواق على مستوى العالم في المرحلة الأولى من عمر الدولة – الإمبراطورية الأمريكية (مرحلة السلام الاقتصادي)، إلا إنها، خصوصا منذ بداية القرن الواحد والعشرين، بدأت تشهد افتراق المصالح عن القيم افتراقا واضحا، وتغليب آليات تحقيق المصلحة القومية على احترام قيم حرية السوق، حتى انتقلت السياسة انتقالا صريحا إلى تغليب المصالح القومية مع إدارة دونالد ترامب الأولى (2017 – 2021) برفع شعار «أمريكا أولا» الذي يحول الولايات المتحدة من محرك لعولمة الأسواق إلى حارس للمصالح القومية الأمريكية. ولا تزال الولايات المتحدة تسير على هذا النهج في سياساتها الاقتصادية تجاه العالم، بما في ذلك العالم العربي والشرق الأوسط حتى الآن. ومع بدء فترة الرئاسة الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختلطت العقوبات بإثارة الاضطرابات السياسية وعوامل عدم الاستقرار وامتزجت بالحروب، كما هو الحال مع إيران وروسيا، وعدم الاقتصار على التأييد والمساعدات العسكرية لإسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني، ولكن المشاركة العسكرية الفعلية في الحرب من دون استخدام جنود على الأرض.
الصراع بين القيم والمصالح
تميزت المرحلة الأولى من انفتاح الولايات المتحدة على العالم العربي والشرق الأوسط والعالم، مرحلة السلام الاقتصادي، بالتوافق بين مبادئ الحرية الاقتصادية ومصالح الأمن القومي. تلك كانت مرحلة التوسع العالمي للولايات المتحدة على خطى القوى البحرية الأوروبية، عبر البحرين الأبيض المتوسط والأحمر إلى المحيطين الهندي والأطلسي إلى أسواق آسيا المليئة بالخيرات والأسواق الضخمة بشريا وتجاريا. في تلك المرحلة كانت المصلحة القومية الاقتصادية للولايات المتحدة تقتضي حرية الوصول إلى الأسواق الخارجية والتوسع فيها بالتصدير والاستيراد على حد سواء. ولكن مع مرور الوقت تغيرت المصلحة الاقتصادية مع التحولات التي مرت بها احتياجات الأسواق الخارجية، فتعارض تحقيق المصلحة مع احترام قيم الحرية الاقتصادية. ويوثق التاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة هذا الصراع بين القيم والمصالح. في المرحلة الأولى من انفتاحها على العالم العربي غالبا ما دافعت الولايات المتحدة عن مبادئ السوق الحرة كعنصر أساسي في استراتيجيتها الكبرى، حتى عندما كان تحقيقها ينطوي على تكلفة مباشرة على الصناعات المحلية والعمال. وخلال ما يقرب من قرن من الزمان، تعاملت السياسة الخارجية للولايات المتحدة مع التجارة الحرة ليس فقط كسياسة اقتصادية، ولكن كأداة للأمن القومي والنفوذ العالمي، وكانت أيديولوجية «السلام الرأسمالي» تعني السعي إلى الانفتاح الاقتصادي العالمي لبناء التحالفات، وكسب الحروب، وتشكيل نظام عالمي ليبرالي. وتتألف معادلة السلام الرأسمالي من قيم الحرية الاقتصادية + دبلوماسية الحريات السياسية والمدنية + القوة العسكرية الحامية للسلام. وكان يجري إعداد وتنفيذ السياسات التجارية والاستثمارية طبقا لقواعد السلام الرأسمالي من دون تمييز بشكل عام. لكن المرحلة الحالية تشهد تنفيذ سياسة انتقائية يجري خلالها فحص العقود التجارية والاستثمارية في الحالات التي تتعارض فيها هذه العقود مع المصلحة القومية للولايات المتحدة بموجب قانون لجنة الاستثمار الأجنبي «CFIUS» في سياق تلك القيود تم منع عرض استحواذ بواسطة شركة موانئ دبي العالمية لموانئ أمريكية تشمل نيويورك ونيوجيرسي وبالتيمور وميامي في عام 2006. وعلى العكس من ذلك، دفعت الضغوط الأمريكية صفقات التطبيع مع إسرائيل (اتفاقيات إبراهيم، 2020)، ما أدى إلى فتح شراكات عربية – إسرائيلية في قطاعات التكنولوجيا والاستثمار بقيمة مليارات الدولارات في مجالات التكنولوجيا المالية والمياه وتطوير برامج التجسس والحروب السيبرانية. وتعمل لجنة الاستثمار الأجنبي وفقًا للمادة 721 من قانون الإنتاج الدفاعي لعام 1950، بصيغته المعدلة، بموجب أمر تنفيذي يتجاوز سلطات الكونغرس. وتم ربط جميع المعاهدات التجارية والاستثمارية بسياسة جديدة للاستثمار تخضع لمبدأ «أمريكا أولا» (21 شباط/فبراير 2025)، وبمقتضى تعديلات قوانين التجارة والاستثمار تقوم اللجنة بجمع المعلومات عن المستثمرين الأجانب المؤهلين قبل تقديم طلباتهم. ومع أن هذه السياسة الجديدة تفرض قيودا حمائية ثقيلة لأسباب استراتيجية أو اقتصادية وتكنولوجية، كما هو الحال مع الصين والدول العربية وإيران وروسيا وكوريا الشمالية، بهدف حماية المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل، فلا تزال هناك بعض القيم التي تحاول أن تستظل بها هذه القيود. ومن تلك القيم مبدأ الانفتاح، فلا تزال الولايات المتحدة ملتزمة ببيئة استثمارية مفتوحة للاستفادة من رأس المال الأجنبي والمهارات والابتكار. لكن الصراع يبدأ فورا مع ما يسمى «فحص الأمن القومي» أو بالتعبير المصري «الاستعلام الأمني»، الذي تستخدمه لجنة الاستثمار الأجنبي لعدم قبول طلبات التجارة والاستثمار التي تنطوي على ما تعتبره تهديدا للأمن القومي، مثل التكنولوجيا الحساسة (تصدير تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم إلى السعودية مثلا)، أو تصدير الطائرات طراز إف – 35 إلى السعودية أو الإمارات أو الكويت أو تركيا. ويتمثل الهدف الأساسي لعمل لجنة الاستثمار الأجنبي في استبعاد استثمارات الخصوم أو الدول غير الموثوق فيها من خلال فحص الأمن القومي. المثال الواضح لهذه السياسة في المجال التجاري هو استخدام «استثناءات الأمن القومي» في القانون التجاري. وقد استندت الولايات المتحدة ودول أخرى إلى هذه الاستثناءات لتبرير السياسات التي تنتهك مبادئ التجارة الحرة، ما أدى إلى نزاعات في منظمة التجارة العالمية «WTO» بما في ذلك ثماني قضايا معلقة ضد الولايات المتحدة وحدها. وهذا يوضح كيف حلت المصلحة القومية، حتى في جانبها الأمني الضيق، محل قيم حرية السوق والمبادلات الاقتصادية. إن التحول في السياسة الاقتصادية الخارجية للولايات المتحدة من إعطاء الأولوية «للقيم» المشتركة إلى التركيز على «المصالح الوطنية» معترف به على نطاق واسع باعتباره إعادة تنظيم أساسية، تم تسريعها بشكل واضح في ظل إدارة ترامب. وتعكس هذه الخطوة انتقالا أوسع نطاقا من أممية ليبرالية قائمة على القواعد الدولية المتفق عليها إلى نهج قومي متحيز للمصلحة على حساب القيم.
المصالح الأمريكية في الدول العربية
بدأت العلاقات التجارية بين الولايات والمنطقة العربية في عام 1785 مع إبحار السفينة «غراند تورك» إلى ساحل مسقط لغرض التجارة، ونجحت في بيع الجينسنغ والتبغ مقابل التمور والقهوة والمنسوجات. وحيث أن الطريق من الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى الممرات البحرية العربية في ذلك الوقت لم يكن آمنا بسبب أنشطة القراصنة، فإن الولايات المتحدة عقدت معاهدة رسمية للصداقة والتعاون مع المغرب في العام التالي 1786 كما عقدت اتفاقية مشابهة مع حكومة مسقط وذلك لضمان أمن المرور من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق جبل طارق ثم عبر بحر العرب والمحيط الهندي إلى شرق آسيا. هذه المعاهدات تعتبر أقدم علاقة دبلوماسية مستمرة بلا انقطاع منذ ذلك الوقت، وأول اتفاقيات تجارية رسمية للولايات المتحدة مع الخارج. وقد اتسع نطاق العلاقات الاقتصادية بين أمريكا والعرب اتساعا كبيرا بعد الحرب العالمية الأولى، وأصبحت الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري واستثماري لمنطقة الخليج التي كانت تخضع للنفوذ الإنكليزي. وتميزت المعاملات بين الطرفين بسيطرة تجارة النفط والسلاح. وفي مجالات الاستثمار لعب النفط والبتروكيميائيات ومشروعات البنية الأساسية الحديثة المحركات الرئيسية للاستثمارات الأمريكية، في حين لعبت تدفقات الأموال بالمليارات من صناديق الثروة السيادية العربية للاستثمار في شركات التكنولوجيا والعقارات والشركات الناشئة الأمريكية دورا محوريا في تدوير البترودولارات. في الوقت نفسه تتدفق الأموال الخاصة الأمريكية على التكنولوجيا المالية العربية والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة خاصة في الإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر. وفي مجالات البنية الأساسية الرقمية تستضيف شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة مثل مايكروسوف وغوغل البنية التحتية السحابية والذكاء الاصطناعي في المنطقة. كذلك تلعب التكنولوجيا الأمريكية دورا محوريا في مشاريع المدن الذكية الجديدة مثل نيوم السعودية والمشاريع الزراعية الكثيفة التكنولوجيا. ومع اتجاه الدول الخليجية إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط حدث تحول كبير في حركة التجارة والاستثمار من «شراء النفط» إلى «البناء المشترك لاقتصادات ما بعد النفط» ما ساعد الدول العربية على التنويع من خلال التحول الرقمي والخدمات اللوجستية.
ومنذ بداية القرن الواحد والعشرين تلعب الولايات المتحدة دورا ذا حدين في إعادة تشكيل اقتصاد الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط ككل من خلال سياسة العصا والجزرة، تستخدم الأولى في الترهيب والثانية في الترغيب. الدور الإيجابي يتمثل في جلب رأس المال الهائل والتكنولوجيا الأكثر تقدما. والدور السلبي يتمثل في الصدمات الناجمة عن العقوبات والحرب وأسعار الفائدة الفيدرالية. خلال تلك الفترة حتى الآن وقعت الولايات المتحدة اتفاقيات التجارة الحرة مع الأردن 2001 والبحرين 2006 والمغرب 2006 وسلطنة عمان 2009. كما ترتبط واشنطن ودول الخليج باتفاقية إطارية للتعاون التجاري والاستثماري «TIFA» تم توقيعها عام 2012 لتعزيز الحوار الاقتصادي بين الطرفين، لكن لا توجد بينهما حتى الآن منطقة تجارة حرة. وعلى صعيد العلاقات مع مصر ترتبط الولايات المتحدة ببرنامج للمساعدات العسكرية والاقتصادية منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل بقيمة 1.5 مليار دولار سنويا، وهي تخضع حاليا لتخفيضات في جانبها الاقتصادي وقيود في جانبها العسكري. وفي سياق سياسة العصا تعتبر العقوبات الاقتصادية بما فيها تجميد الأرصدة المالية وحظر التجارة الأسلوب المفضل لدى الولايات المتحدة ضد خصومها في العالم العربي والشرق الأوسط عموما. وبرزت تطبيقات هذه السياسة في فترات مختلفة على سوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن والصومال، وكذلك على إيران. وعزلت العقوبات المفروضة على سوريا والسودان أنظمتهما المصرفية عن العالم. وفي المجال العسكري تستخدم واشنطن قانون «CAATSA» وهو تشريع فيدرالي لمعاقبة الدول الأخرى في حال شراء أسلحة من روسيا والصين وكوريا الشمالية وأي دولة مصنفة في قائمة خصوم الولايات المتحدة. وقد أدت التهديدات باستخدام هذا القانون إلى ردع مصر ودول أخرى عن شراء الأسلحة الروسية. وعلى صعيد السياسة النقدية تلعب تبعية دول مثل مصر ومجموعة مجلس التعاون الخليجي لمنطقة الدولار دورا جوهريا في التأثير السلبي على سياستها النقدية، وضمان توافقها مع السياسة النقدية الأمريكية حتى إذا تعارض ذلك مع مصالح تلك الدول. على سبيل المثال عندما يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة تضطر الدول العربية المرتبطة بالدولار دول الخليج ومصر والعراق وإلى حد ما لبنان وتونس، إلى رفع مماثل تقريبا في أغلب الأحوال حتى لا تهبط قيمة عملاتها الوطنية، ما يجعل الاقتراض من أجل تمويل التنمية وزيادة الاستثمار أكثر تكلفة. الأخطر من ذلك، هو هروب الأموال الساخنة إلى السندات الأمريكية، ما يستنزف احتياطيات العملات الأجنبية كما نرى في حالات مصر وتونس ولبنان. وتكون النتيجة النهائية لهذه التداعيات هي انهيار قيمة العملة الوطنية والاضطرار للجوء إلى طلب مساعدة صندوق النقد الدولي، الذي يفرض في مقابل ذلك شروطا تقشفية قاسية بطلب من الولايات المتحدة، أكبر مساهم في رأسمال الصندوق، التي تبلغ حصتها التصويتية 16.5 في المئة، ما يعطيها عمليا حق الفيتو على قرارات مجلس الإدارة الذي تصدر قراراته بأغلبية لا تقل عن 85 في المئة من الأصوات. كما تتضمن التداعيات السلبية تأثير حروب الطاقة وصدمات الأسعار. وتمارس الولايات المتحدة ضغوطا على مجموعة أوبك وحلفائها لزيادة الإنتاج وتخفيض الأسعار، كما تلجأ هي نفسها إلى إطلاق كميات كبيرة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لخفض أسعار النفط العالمية. ولهذه الأسباب تعرضت دول الخليج لتراجع كبير في إيرادات صادراتها النفطية خلال الفترة 2014-2016 بسبب الضغوط التي كانت روسيا مقصودة بها بعد حرب القرم. وتفرض السياسة الاقتصادية الخارجية للولايات المتحدة قيودا شديدة على الصادرات التكنولوجية، وتفرض على الدول المتعاملة معها الالتزام بالعقوبات الأمريكية ضد الأطراف الأخرى، وإلا تعرضت هي نفسها للعقوبات.