كومة لحم، عجينة طينية، كوكتيل غرائز، لا معنى، لا وجود حقيقي، لا قيم، لا أديان، لا غايات. الأخلاق والأديان صناعة بشرية، الوجود مجرد فيزياء، الإنسان كيمياء وتفاعلات وإنزيمات. الحب والكره والأحاسيس والمشاعر والفن والشعر والرواية والفلسفة ومنتجات الإبداع البشري كلها عبارة عن تفاعلات كيميائية داخل أجسادنا، وومضات وإشارات كهربائية داخل الجهاز العصبي، في خميرة طينية تستمر لعدة سنوات أو عقود، ثم يعود التراب إلى التراب، وتهدأ التفاعلات وتجف الإنزيمات، وتنطفئ الإشارات، ولا شيء بعد ذلك سوى العدم.
وبناء على ذلك، لا أسرة، ولا قيم أسرية، والمنظومة الأسرية هي من مخلفات المجتمعات البرجوازية، كما يرى فريدريك إنغلز، والمجتمع حصيلة أفراد، مجرد تروس في آلة ضخمة تساعد على دوران عجلة الإنتاج، والوسيلة مادة، والغاية مادة، وحتى القيم هي قيم نفعية، تتغير بتغير المصالح والظروف. والأخلاق نسبية تتغير من زمن لآخر، ومن مكان لآخر، الأخلاق منتج صناعي، يخضع لقوانين العرض والطلب، وتصاميم خط الإنتاج، في وجود كله مادة، وليس ورائه شيء.
والإنسان؟ هذا الإنسان صانع الحضارات، ومبدع الأفكار والفلسفات والآداب والفنون، هذا الإنسان هو سليل القرود، جده الأعلى «قرد» عاش في أفريقيا الجنوبية، قبل أن تحوله «الطفرة» إلى إنسان. هذا القرد ظل يتطور ويصارع قرود الغابة، وظروف الطبيعة، وصمد إلى أن وصل إلى ناطحات السحاب، وتقنيات التكنولوجيا الحديثة، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، وفاز بعد أن سحق كل ما ومن في طريقه، لأن البقاء للأقوى، في هذا العالم المحكوم بالصراع والقوة والغرائز المنفلتة التي خرجت من الغابة واكتسحت مدن العالم، ضمن سياقات الصراع الغريزي الذي قالت به نظرية النشوء والارتقاء الداروينية التي اتكأت الفلسفات الفردانية.
ثم جاء نيتشه، فيلسوف القوة الذي ربط القيمة بالمنفعة، و«قتل الإله»، ونصب «الإنسان الأعلى» مكان الله. وعلى داروين اتكأ نيتشه، وعليهما اتكأت الآيديولوجيات النازية والفاشية، في رؤيتها عن تمايز الأعراق، والبقاء للأقوى، وتجاوز الأعراق الأدنى في سلم الجينات والألوان.
ووفقاً للنيتشوية أصبح الإنسان الأقوى إلهاً، وبما أنه غدا إلهاً فإن ما يقوله قانون، وما يفعله قدر محتوم، وهو الذي يجب أن تكون فيه السلطة، وينبغي أن يحوز الثروة، وهو الذي يجب أن يسود ويعيش ويستمر. وبما أن القوة هي التي تحدد مواصفات الإنسان/الإله، وبما أن هذه القوة يحوزها هذا الإنسان، بناء على محددات لونه وعرقه وجيناته، فإن هذا الإنسان هو الرجل الآري النيتشوي الذي يعد خلاصة التميز البشري، حيث لا قيمة للضعفاء والمرضى والعجزة والمعوقين والفقراء وغيرهم من الشرائح المجتمعية التي تشكل عبئاً ينبغي التخلص منه، ذلك أنه بدون القوة « لا يوجد مستند لرؤية الإنسان ككائن أرقى من غيره».، حسب كريستوفر مانيز.
ندما مسحنا جنة السماء من ذاكرة الإنسان المعاصر، انطلق كوحش ضارٍ يبحث عن الجنة في تراب الأرض، وفي طريقه نحوها أباد ملايين الناس، وانتهى بائساً على ركام من عظام ورماد وصرخات في الجحيم
وبناء على هذه النظريات التي تمجد القوة، وتقدس الأقوى كشّرت الرأسمالية- كتطبيق اقتصادي للداروينية – عن نفسها، وأصبح الاقتصاد هو الإله الجديد، ولا يهم هنا وجود تفاوت اقتصادي بين الفقراء والأغنياء، لأن ذلك يجري حسب قوانين «الانتخاب الطبيعي»، في زيها الاقتصادي، وهذه هي النظرة الغرائزية التي وفقاً لها يصبح المال هو الغاية، وينفتح التنافس عليه، وفقاً لقوانين في ظاهرها تحفيز النمو الاقتصادي، بينما هي قوانين مسنونة للحفاظ على الهوة الكبيرة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، استناداً إلى الحتمية البيولوجية والانتخاب الطبيعي، وفقاً لجيمس هِل الذي قال إن «الثروات تحدد، تبعاً لقانون البقاء للأقوى».
ثم جاء سارتر ورفيقته سيمون دي بوفوار، والحديث عن العدمية، وخرجت نظريات متشعبة في الأدب والنقد والفلسفة والفنون تدعي عدم وجود معنى للكلمة، ولا للجملة، ولا للنصوص. لا معنى وراء هذا الوجود الكبير، والعدم هو الأزل الذي جئنا منه، وهو الأبد الذي ننتهي إليه، ولا وجود للمثل والقيم، ولا لله نفسه. وإذا وجد من رؤوس هذه التيارات من يقول بوجود إله، فإنه «إله فلسفي»، عبارة عن تجميع وتركيب لصور مختلفة لإله غامض، غير الإله الذي تقدمه الأديان التي تتفق في التصور العام للإله، وإن اختلفت في بعض التفاصيل.
من هنا توسع الاستهتار بالقيم، وازدريت الأديان، و«تحرر» الإنسان من تحكم الإله، ليصبح هو المتحكم في مصائر البشر، بعد أن أسقط على نفسه صفات الإله، ومشى متسلحاً بعضلات نووية، ومخالب كيميائية، وأنياب بيولوجية خطيرة.
هذه فعلاً هي الأفكار الهدامة التي قتلت عشرات الملايين في آخر حربين عالميتين، وهي الأفكار التي شوهت فطرة الإنسان وقتلت فيه إنسانيته، تحت شعارات «إنسانوية» تستند إلى فلسفات رُفعت لمستوى الأديان، ورُفع روادها إلى مقامات نبوية.
والعجيب في الأمر أن هذه الأفكار التي تسببت في كوارث لا حصر لها، هذه الأفكار تزوّر وعي الناس بالقول إن الكوارث التي حصلت كان سببها الأديان، مع أن هتلر وموسوليني وستالين وقبلهم نيرون لم يكونوا يحملون مسابح، حيث تسبب الانفلات من القيم الدينية ـ لا الالتزام بها ـ في كوارث لا حصر لها، مع عدم إنكار كثير من الجرائم التي حدثت باسم الدين، مع براءة الدين منها.
تلك الجرائم تبوء بوزرها المصالح والآيديولوجيات المختلفة التي ترمي جرائرها على الله والأديان، تماماً كما يسمي بعض الفلاسفة والساسة الغربيين «إبادة الهنود الحمر» أحد تجليات «الانتخاب الطبيعي» اللازم لبقاء الأقوياء، ونشر قيم الحضارة، في حيلة سيكولوجية صدرت الجريمة في ثوب أخلاقي.
نختم بالقول إن ما يجري في غزة هي حرب «سوبرمان نيتشه» ضد «جبلاية القرود»، أو «الحيوانات البشرية»، حسب تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت الذي يقوم بجرائمه باسم اليهودية، ولكنه في الواقع ينفذها، وفقاً للآيديولوجيا الصهيونية التي تقتل، وفقاً للمنطلقات ذاتها التي قتلت بموجبها النازية، وهي منطلقات داروينية، تتجاوب فيها أفكار البقاء للأقوى، وإن قدمت باسم «شعب الله المختار» التي هي فكرة عنصرية داروينية، لا يمكن – حسب مفهومها السياسي ـ أن تكون عقيدة دينية سوية.
أخيراً: في محاولات الإنسان التخلص من الدين وقع تحت سطوة الآيديولوجيا، وفي الوقت الذي أعلن فيه «موت الإله» كان يعلن بالفعل «موت الإنسان»، وها نحن اليوم نرى الإنسان يموت بالحرب والجوع وموت الضمير، ويتحول إلى «قرد أعلى»، عند داروين أو «عجلة إنتاج» عند ماركس، أو «غريزة جنسية» عند فرويد.
باختصار: عندما مسحنا جنة السماء من ذاكرة الإنسان المعاصر، انطلق كوحش ضارٍ يبحث عن الجنة في تراب الأرض، وفي طريقه نحوها أباد ملايين الناس، وانتهى بائساً على ركام من عظام ورماد وصرخات في الجحيم.
كاتب يمني
يقول السيد الكاتب:
“عندما مسحنا جنة السماء من ذاكرة الإنسان المعاصر، انطلق كوحش ضارٍ يبحث عن الجنة في تراب الأرض، وفي طريقه نحوها أباد ملايين الناس، وانتهى بائساً على ركام من عظام ورماد وصرخات في الجحيم”
“ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا”
صدق الله العظيم
روعة.
( قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي…….إذا لم يكن ديني إلى دينه داني ).( لقد صار قلبي قابلًا كلّ صورة…..فمرعى لغزلان ودير لرهبانِ ).( وبيت لأوثان وكعبة طائف…..وألواح توراة ومصحف قرآنِ ).( أدين بدين الحبّ أنّى توجهت….. ركائبه؛ فالحبّ ديني وإيماني ).للشاعر الصوفيّ محي الدّين ابن عربيّ.
من أجمل ما قرأت. تبارك الله عليك السيد الكاتب.
الحياة المعاصرة مليئة بالقلق لأن الإنسان تحلل من القيم والأخلاق والأديان، وسوغت اه نفسه فعل ما يشاء باسم الحريات الشخصية.
يقول الاخ محمد جميح:
{الإنسان كيمياء وتفاعلات وإنزيمات … داخل أجسادنا، وومضات وإشارات كهربائية داخل الجهاز العصبي، في خميرة طينية تستمر لعدة سنوات أو عقود، ثم يعود التراب إلى التراب، وتهدأ التفاعلات وتجف الإنزيمات، وتنطفئ الإشارات، ولا شيء بعد ذلك سوى العدم} اهـ
في الحقيقة هذا الكلام غير صحيح علميا بحسب قانون لافوازييه الذي ينص بأن المادة لا تفنى ولا شيء يستحيل إلى العدم، وهو المعروف أيضا بقانون حفظ الكتلة، أي أن كتلة المواد الداخلة في التفاعل الكيميائي تساوي كتلة المواد الناتجة عن هذا التفاعل، فالكتلة تظل ثابتة من خلال أي تفاعل كيميائي على الرغم من تغير شكل المواد –
هناك الكثير من التفاصيل حول هذه المسألة ولكن يُكتفى بهذا القدر في هذا الحيّز / مع التحية والتقدير
لم يكن من الممكن استمرار الإنسان على ما ارادت له الفلسفات الفردانية التي أرادت تنصيب الإنسان مكان الإله إلى أن وصل الإنسان إلى حد لا يطاق من العنصريات والحروب والإباحية وإطلاق الغرائز.
لا بد للإنسان من مراجعة بعد كل هذا الخراب الذي عم بسبب تحرير الإنسان من القيم والأخلاق
اقتباس: “في محاولات الإنسان التخلص من الدين وقع تحت سطوة الآيديولوجيا، وفي الوقت الذي أعلن فيه «موت الإله» كان يعلن بالفعل «موت الإنسان»، وها نحن اليوم نرى الإنسان يموت بالحرب والجوع وموت الضمير، ويتحول إلى «قرد أعلى»، عند داروين أو «عجلة إنتاج» عند ماركس، أو «غريزة جنسية» عند فرويد.”
عندما يتحدث المقال عن الإنسان فإنه كان ينبغي أن يحدد من هذا الإنسان.
إنه الإنسان الغربي الذي يحاول السيطرة على الآخرين بالقوة.
إنسان الشرق لم يغز الغرب، ولا احدث الدمار الهائل الذي أحدثته الحروب التي كان وراءها الإنسان الغربي.
بعد التحية الطيبة للأخ محمد جميح، يصرح في تقريره هذا بأن المنظومة الأسرية هي من مخلفات المجتمعات البرجوازية، كما يرى فريدريك إنغلز –
مرة أخرى، ما نرى هنا إنما هو إساءة فهم سافرة لنظرية المادية التاريخية ودليل ملموس على عدم قراءتها في الأصل، ففي كتابه الشهير «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة»، يبيّن إنغلز (وهو أحد أهم أقطاب النظرية) كيف أن الظهور الأول للمنظومة الأسرية كان حقيقةً مع ظهور الملكية الخاصة إذ ترافقت باكتشاف الزراعة وتملك الأرض الصالحة لها وكذلك المساكن المجاورة لهذه الأرض. ولكنه يؤكد بعدئذ بأن المنظومة الأسرية في الفترة المشاعية (الماترياركية) كانت تعرف أصلا من الأم وليس من الأب، نظرا لكون المجتمع كما هو معلوم آنئذٍ مجتمعًا أموميا (ماترياركيا) متمثلا في آلهات قديمة مؤنثة كعشتار، على النقيض من المجتمع الأبوي (البطرياركي) وسيدودة الإله المذكر، إذ بعد بزمان مديد بدأ ظهور الأسرة الذكورية في المقابل. فالكتاب إذن هو أهم كتاب كتبه إنغلز كبحث في نظرية المادية التاريخية وإثباتها بأن البناء الفوقي للمجتمع (الأسري) ليس إلا نتاجا للبناء التحتي بعلاقاته الاقتصادية أولا وآخرا /
تحيتي أيضا للأخت رابعة على ملاحظاتها النقدية الثاقبة!؟