مَن وسوَسَ للسيسي بالانتحار؟

حجم الخط
24

تفاصيل زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للحدود المصرية الليبية، يوم السبت، وطريقة تنفيذها وتغطيتها إعلاميا، تشي بقائد عسكري يلتقي جيشه ليرفع معنوياته قبيل الدفع به إلى جولة قتال مع عدو خارجي.
لكن الخطاب الحربي الذي ألقاه السيسي يشي بقائد مرتكب اُسقط في يده. تحديد سبب الإرتباك لا يحتاج إلى جهد: خسائر خليفة حفتر الكبرى عسكريا ومعنويا.
السيسي اعتبر سرت والجفرة خطا أحمر، «سقوطهما» في يد قوات حكومة الوفاق مساس بالأمن القومي المصري ويبرر للجيش المصري التدخل في ليبيا. سرت أقرب إلى الحدود التونسية. المسافة من سرت إلى الحدود المصرية تناهز الألف كيلومتر. الجفرة، بقاعدتها العسكرية الجوية، أقرب إلى الجزائر وتونس منها إلى مصر. فلماذا لم تهدد تونس والجزائر بأن الجفرة وسرت خط أحمر؟ فتّش عن السياسة. لأن الموقف المصري من الصراع في ليبيا منحاز وغير نزيه. والنتيجة أن سرت والجفرة تصبحان خطا أحمر فقط عندما تسقطان في أيدي قوات حكومة الوفاق. أما إذا كانتا تحت سيطرة حفتر، فلا بأس، هما خط أخضر!
السؤال الآخر الملحّ: هل تأكد للسيسي بأن سرت والجفرة توشكان على السقوط؟ وهل يترتب على مخاوف كهذه استنتاج أن حفتر انتهى وأصبح خارج اللعبة؟
إذا ما سقطت سرت والجفرة (هذه يطالب الروس بقاعدتها الجوية مقابل التوقف عن دعم حفتر)، وردَّ السيسي بتنفيذ تهديداته، سيكون أمامه خياران: التوغل الأرضي في العمق الليبي، أو الاكتفاء بغارات جوية تنفذها مقاتلات مصرية ثم تعود إلى قواعدها داخل مصر.
التوغل الميداني سيكون محرقة عسكرية وسياسية واستراتيجية وأخلاقية. ماذا ومَن سيحارب الجيشُ المصري في صحاري ليبيا الشاسعة القاحلة ومدنها المترامية الجغرافيا؟ على القادة العسكريين المصريين أن يذكّروا السيسي بأن زمن الحروب التقليدية ولّى، وأن التاريخ لا يحفظ في الثلاثين سنة الأخيرة، حربا انتهت بحسم عسكري محض، وأن العالم يمضي نحو أنواع جديدة من الحروب. وعليهم تذكيره بأن أمريكا بعتادها العصيِّ على الوصف وعديدها وأموالها، مدعومة بتحالفات دولية، أقرّت بالفشل في حربين متزامنتين، أفغانستان والعراق، وبأن فرنسا غارقة في وحل مالي والساحل الإفريقي.

قبل التفكير في حرب بليبيا، يحتاج السيسي إلى تسوية أزماته العالقة، وأبرزها الانهيار الاقتصادي والثقة المفقودة من شعبه بعد سبع سنوات من الحكم زادت خلالها أحوال مصر سوءا ومكانتها تراجعا، ثم الحرب الصامتة في شبه جزيرة سيناء، وأيضا الأزمة مع أثيوبيا

أما الغارات الجوية، فلا أمل منها. بإمكان سلاح الجو المصري أن يستمر في قصف ليبيا نصف قرن ولن يفيده ذلك في شيء. هنا أيضا، يستحسن بالقادة العسكريين المصريين تذكير رئيسهم بأن الغارات الجوية مساعِدة في الحروب وليست حاسمة. وعليهم أن ينصحوه بالتعلم من آخر درس، التجربة السعودية المستمرة منذ 2015 في اليمن، حيث انهزمت السعودية أخلاقيا وسياسيا ولم ينهزم الحوثيون عسكريا. السيسي سيجعل من ليبيا، إذا قرر قصفها جوا، ما جعلت السعودية من اليمن. وسيقال ساعتئذ إن أكبر بلد عربي يحارب بلا جدوى أضعف بلد عربي، مثلما قيل في 2015: أغنى بلد عربي (السعودية) يحارب بلا جدوى أفقر بلد عربي (اليمن). ليبيا لمصر ستصبح مثل اليمن للسعودية. وسينتحر السيسي أخلاقيا وسياسيا مثلما انتحر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
سؤال لا يقل إلحاحا: ماذا عن تركيا؟ هل ستقف متفرجة. هل يتحمل المصري كلفة خوض حرب ضد القوات التركية في ليبيا؟
لابد أن أحدًا ما يدفع بالسيسي إلى الانتحار في هذا المستنقع. هل هي الإمارات التي دفعت بابن سلمان إلى اليمن ثم تخلت عنه لتنفذ أجندة خاصة بها؟ هل هي روسيا؟ ربما الإثنان معًا، الأولى تموّل والثانية تسلّح. دون إهمال دور فرنسي، عندما يحين وقته، يضمن للسيسي تواطؤ نصف أوروبا وحق النقض في الأمم المتحدة إذا تطلب الأمر.
لحسن حظ مصر والمنطقة ككل، هناك ظروف داخلية وإقليمية متراكمة لا تخدم مصر ولا تسهّل تنفيذ المغامرة التي يهدد بها السيسي. ظروف تبدو للوهلة الأولى في غير صالح مصر، لكنها في العمق يمكن أن تحميها من السيسي، إذ قد تفرض عليه التريث قبل خوض مغامراته.
هذه الظروف أبعدت مركز الثقل عن مصر نحو الخليج، وجعلتها بلا تأثير. مصر مأزومة داخليا وخارجيا، وآخر ما تحتاجه حربا جديدة بدايتها معروفة لكن لا يمكن التكهن بنهايتها. الأزمة مع أثيوبيا بسبب سد النهضة تستهلك جهد الدبلوماسية المصرية ووقتها. الأزمة الاقتصادية القاتلة داخليا. الجيش المصري منهك في حرب استنزاف بشبه جزيرة سيناء طالت أكثر مما يجب، ضد عدو هلامي يتجدد باستمرار.
قبل التفكير في حرب بليبيا، يحتاج السيسي إلى تسوية أزماته العالقة، وأبرزها الانهيار الاقتصادي والثقة المفقودة من شعبه بعد سبع سنوات من الحكم زادت خلالها أحوال مصر سوءا ومكانتها تراجعا، ثم الحرب الصامتة في شبه جزيرة سيناء، وأيضا الأزمة مع أثيوبيا.

كاتب صحافي جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول أسامة:

    مسكينة مصر مِن حيَّ على الجهاد في سوريا (زمن مرسي) إلى حي على الجهاد في ليبيا زمن المخلوع قريبا السبسي..

  2. يقول ماذا عن النهج الجزائري؟أعرف عن مصر وتركيا (إنهم صريحون وبغض النظر عن منهجهم):

    أعرف كل الأخبار عن مصر والسيسي من جميع وسائل الإعلام ، لكني أود معرفة شيء واحد عن جار ليبيا الآخر ، الجزائر! الجزائريون! نهجهم تجاه هذه القضية ، على الأقل أنت كاتب ونقرأ ونود أن نعرف وكانت فرصة لإعلامنا عن الخطة الجزائرية أو أي معلومات صغيرة حول بلدك ،

  3. يقول ابو الولید الاهوازي:

    وما هو الحل یا ایها الکاتب العزیز؟ هل ستقف کل الدول العربیة مکتوفة الایدي امام التدخل الروسي و الترکي؟ و هل حلال علی اردوغان التدخل فی لیبیا و حرام علی الcc!?

  4. يقول الكروي داود النرويج:

    السيسي لن يغامر بالتدخل العسكري بليبيا! الدليل في إعلانه حتى يرضي داعميه!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  5. يقول دحماني محمد - الجزائر:

    و كم تبعد أنقرة واسطنبول عن سرت و الجفرة ؟

  6. يقول talebahmed7 elymohamed:

    سلمت يمينك أصبت كبد الحقيقة

  7. يقول talebahmed7 elymohamed:

    لا قيمة للعرب اليوم وإني أجزم أن الأمم كلها تسخر منا

  8. يقول تيسير خرما:

    استفزاز تركيا للعالم بالماضي تسبب بتحجيمها لحدودها الحالية فطردتها روسيا القيصرية من دول آسيا الوسطى والقوقاز والقرم وطردتها أوروبا من شرقها ومن البلقان وقبرص وطردها العرب من الوطن العربي، والآن يتراكم استفزاز تركيا للعالم وسيقود لتكاتف دولي لتحجيم أكثر لتركيا بإبعادها عن حدود أرمينيا وإيران والعراق وسوريا وعن شواطيء المتوسط وإيجة ومرمرة بعمق 200كم وطول 2800كم وإعادة تلك المناطق لشعوب أصلية أرمن وسريان وأكراد وعرب ومسيحيي بيزنطة وقصر إنفاق ثروة المناطق لتحسين عيش مواطنيها وحصر تركيا بوسط أناضول.

    1. يقول ماهر بن تركي:

      انت تحلم …تركيا دولة قوية واستوعبت جيدا دروس الماضي …العرب هم المتخلفون …تركيا تتمد كاي بلدي قوي وهذا ليس استفزازا……لو كنت تفهم قيلا في الجيوسياسية لاستوعبت.

  9. يقول ناصر الجزائريّ:

    عندنا مثلٌ شعبيٌ مشهور ” العربي غير عربي و لو كان الكولونيل بن داوود ”
    من هو بن داوود هذا؟ (1837 – 1912) – أول جزائريّ دخل مدرسة Saint cyr – تدرّج في المراتب العسكريّة إلى رتبة كولونيل سنة 1888.
    أمضى الكولونيل 40 سنة كاملة في خدمة فرنسا بولاء تام وطاعة إلى أن أحيل على التقاعد, فترك معسكره، وحفظ أوسمته، وعاد إلى خيمته العربية وبساطة العيش فيها، وظل يجترّ مجده البائد وأوهامه الزائلة، وربما وخزات تأنيب الضمير. وأصبح نسيا منسيا، لا يُذكر اسمه، ولا يستشهد أحد “بمآثره” في خدمة أسياده الفرنسيين.
    غير أن الذاكرة الشعبية، التي لا ترحم، احتفظت بواقعة حدثت للكولونيل بن داود، ظلت الأجيال تتناقلها , و لها عدّة روايات منها:
    أنّهُ كان يُحضِّرُ لمهمّة، كلّف ممرضة عسكرية بالبحث له عن ملف، فاستنكرت طلبه، ولم ترد عليه. وحين حاول إقناعها بأنه كولونيل، وأنه الآمر الناهي. سخرت منه أكثر بقولها:” هل نسيت أنك عربي؟!”.
    و بالأمس القريب من أعزّ حُلفاء فرنسا – الرّئيس التّونسيّ بن علي (رحمه الله)- بنفس جوهر القصّة , تُمنع الطّائرة التي تقلُه هاربا من الهبوط على أرض (أحبابه) فرنسا.
    فهل من يعتبر ؟؟ … و إنّ من أخرج فرعون إلى مصرعه لقادرٌ على إخراج أحفاده إلى “سرت “, و يفرحُ يومئذ المؤمنون.

  10. يقول سلام عادل(المانيا):

    تحية لالاستاذ توفيق رياحي وللجميع
    اولا السيسي لا يحتاج لوسوسة من احد ليتدخل في الشان الليبي عسكريا فهو متورط في الاصل وسرت والجفرة خط احمر بالنسبة له ليس لموقعهما ولكن لانهما مرتبطتان بمواقع حقول النفط التي سيخسرها حفتر ان سقطت سرت والجفرة والامر المهم والاهم هي عدم وصول حكم اخواني في ليبيا موحدة وهو سيتدخل عسكريا مدعوما من روسيا ومن المحتمل ان تمادى اردوغان في السيطرة على سرت والجفرة من الممكن ان تعود الامور لسابقتها وتعود طرابلس مهددة

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية