نتنياهو: صفقة أشبه بالمعجزة!

أطلق الرئيس دونالد ترامب في الخامس من هذا الشهر ما عرف بوثيقة الأمن القومي الأمريكي التي جاءت في 29 صفحة حملت ما يشبه خريطة تصنيفية جديدة للعالم، اعتبرت الشرق الأوسط برمته مساحة استثمارية بحتة.
ترامب المصر على أنه قد فرض وقفاً فعلياً لإطلاق النار في غزة، رغم عدم وجود ما يفيد بذلك إطلاقاً، يصر أيضاً على الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطته المزعومة قبل نهاية الشهر الحالي، بحيث يعلن عن مجلسه المستحدث «للسلام» وقوة «الاستقرار» الدولية والمساهمين فيها، واستكمال ما تشمله تلك المرحلة من خطوات أخرى. استعجال ترامب بات ملحوظاً وكأنه بدأ يستشعر ضيق الوقت المتاح أمامه قبيل البدء بالتحضير للانتخابات النصفية الأمريكية المقبلة العام المقبل، واستماتته الملحوظة للبقاء في السلطة عبر دورة رئاسية ثانية ستحتاج لمعجزة ضخمة لتمريرها.

معجزة ترامب تتطلب منه الذهاب نحو انقلاب دستوري، ومنازلة قضائية كبيرة تسمحان له بالترشح، إضافة إلى حاجته الماراثونية لتطبيق وثيقة الأمن القومي الجديدة بما يشمل وضع الشرق الأوسط

معجزة ترامب تتطلب منه الذهاب نحو انقلاب دستوري، ومنازلة قضائية كبيرة تسمحان له بالترشح، إضافة إلى حاجته الماراثونية لتطبيق وثيقة الأمن القومي الجديدة بما يشمل وضع الشرق الأوسط في مسار الاستثمار الذي يريده. هكذا حال يستوجب الاستعجال الصاروخي في ترتيب أوضاع شريكه اللدود بنيامين نتنياهو الذي لا يستسيغه ترامب شخصياً، لكنه يرى فيه العنوان الوحيد القادر في إسرائيل وأمريكا على التأثير على أباطرة المال اليهود، ودفعهم نحو دعم نزوات ترامب الاستثمارية في الشرق الأوسط. لكن هذا الأمر يعني بالنسبة لترامب الحاجة الملحة لسرعة إطفاء نار الحرب، والحفاظ على نتنياهو في السلطة، عبر إقناعه باستكمال خطوات الحصول على العفو الرئاسي المنشود، بما يشمل الإقرار بالذنب والخروج من الحياة السياسية وهو ما يرفضه نتنياهو جملة وتفصيلا. ترامب ورجالاته، رغم هذا الرفض، يقتربون من طرح صيغة، يبدو أن نتنياهو بدأ بالتفكير فيها. وتقوم هذا الصيغة على دعوة نتنياهو لانتخابات عامة في إسرائيل يعقبها قبول الأخير بتنفيذ شروط العفو الباقية، وحصوله عليه، ثم الذهاب فوراً نحو ترشيح نفسه للانتخابات، مع الشروع بتغيير تحالفاته للتخلص من حلفائه اللدودين بن غفير وسموتريتش، اللذين لا يمكنهما ان يتقاطعا مع نزعة ترامب الاستثمارية، ورفض معظم دول الخليج التعامل معهما في حال بقائهما في السلطة وهو ما عبرت عنه قطر مؤخراً، بينما تستمر السعودية في رفضها للتطبيع من دون قيام دولة فلسطينية. هذا الموقف يدعمه إصرار كلتا الدولتين على عدم دفع قرش واحد نحو إعادة الإعمار في غزة، دون التأكد من عدم اندلاع حرب جديدة، وهو ما يعني ضرورة تغيير الخريطة السياسية الإسرائيلية، وضمان سلام شامل في المنطقة قائم على استبعاد دعاة الحرب في إسرائيل وبشكل قاطع، ووقف مشروع التهجير واستئناف السلطة حسب المصادر السعودية لدورها في غزة.
لكن نتنياهو لا يرى الأمور بهذه السهولة ولا تجده يملك استعجال ترامب لكونه يعرف أن مغادرة الحياة السياسية، من ثم العودة عبر انتخابات مباشرة سوف لن تقنع جمهور المتربصين، خاصة أنهم يعتبرون أن نتنياهو سيخرج من الباب ليعاود القفز من النافذة، ولأنهم أيضاً يريدون فعلياً التخلص من نتنياهو بلا رجعة حتى لا يشكل لهم نداً لطالما خشوه، وثعلباً محترفاً قادراً على المناورة والعودة إلى الصدارة. خصوم نتنياهو لن يضيعوا فرصة الإطاحة به اليوم قبل الغد، خاصة وأنهم يعتبرون انضمامه لأي إئتلاف معهم لم يعد يشكل إضافة نوعية. ومع ذلك فإن توليفة متكاملة تضمن خروج المستوطنين من المشهد، والإطاحة بسموتريتش القابض على المال والتحكم به في دولة الاحتلال، ربما تجعل الأمر مقبولاً لدى بعض أركان المعارضة، خاصة إذا ما كانت مشفوعة بضغط وتعهدات كبيرة وملزمة من ترامب.
في المقابل فإن نتنياهو وبعقلية الذئب، يعود من جديد للمناورة، خاصة مع إبدائه بعض المرونة، التي يبدو أن ترامب قد طلبها منه، عبر الإعلان قبل أيام عن نيته تفكيك 14 بؤرة استيطانية واعتقال 70 مستوطناً، وحتى جاهزيته الوصول إلى سلام «ممكن» مع جيرانه الفلسطينيين. هذه اللغة غير المعتادة من نتنياهو، جعلت الجميع يتساءل عن «تغيير» كهذا في الموقف وأسبابه. العجب في مواقف ترامب سيبطله السبب في حال وصلنا إلى السيناريو أعلاه والذي سيكون بمثابة المعجزة الصعبة، فهل يشهد المشهد السياسي الإسرائيلي هكذا تطورات؟ ننتظر ونرى.
كاتب فلسطيني
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. رامي:

    تعزيز حضور الذات على كل المستويات وفي كل المراحل والطروحات، ونشر الأمل… حضور الذات الوطنية بما يعبر عنه هذا الحضور أمام العالم من هوية، وما يعكسه من رؤية وطموحات ضمن خطاب الممكن…
    في هذه المرحلة الحساسة، كل صياغة الى حوار وطني أو بر أمان وطني تصطدم مع ثوابت القانون والنظام الدولي، أو تتنافى مع خطاب الممكن قد تكون مضيعة للوقت، وتعيد إنتاج الطاقة السلبية… الحوار قد يكون جيد إذا سبقه عملية مراجعات حقيقية وكرى وذات مغزى بعد الكارثة التي وقعت…
    المثابرة وبذل الجهد والمهنية العالية في مواصلة عملية الإصلاحات بكل أبعادها، وتمتين حالة التشبيك السياسي والدبلوماسي مع المملكة العربية السعودية، وكذلك مع الأطراف العربية والأوروبية والدولية الفاعلة…
    شعب بلا دولة هو شعب يقع في الفراغ وينثر في الهواء…
    كلما كان محامي الضحية نشيطا وفطنا وحصيفا فليس كل ما يتمناه اليمين المتطرف يدركه…

  2. يقول د. رامي:

    عندما تقع الكوارث فإنها تستدعي الحاجة الملحة للمراجعات وليس للخطابات…
    قطع شوط كبير ومستحق في عملية مراجعات حقيقية وشاملة وجذرية تتناسب مع حجم الكارثة، لابد وأن يظهر بشكل مؤثر في مكونات الخطاب وفي السلوك وفي المواقف وفي الرؤية وفي طبيعة البنية القيادية والجماهيرية…
    للأسف بدون مراجعات كبرى بعد الكارثة، فالحديث عن حوار قد يمثل نزق، ومضيعة للوقت ليس أكثر…

    مواجهة خطاب اليمين المتطرف بخطاب الممكن…
    شعب بلا دولة هو شعب يقع في الفراغ وينثر في الهواء…

    1. يقول د. رامي:

      الحديث عن حوار وطني قبل أن تخوض الأحزاب ذات العلاقة بهذه الكارثة مراجعات ذاتية شاملة، وكبرى، ومؤثرة، ومستحقة، يصبح حديث عن إضاعة للوقت، وتعبير عن نزق، وعن خطوة لا مغزى سامي لها…

  3. يقول د. رامي:

    أكثر ما يحتاجه المساكين هو خطاب الممكن… والممكن متغير وليس ثابتا…
    فيما يتعلق بما صار يعرف ب”المرحلة الثانية”، فإن رسم مقاربات الإنخراط في هذا الشأن هي مسألة في غاية الأهمية، وكذلك فإن بناء نهج إدارة تفاهمات وتصورات هذا الإنخراط مع الأطراف المحلية، والإقليمية، والدولية المؤثرة هو أمر في غاية الأهمية أيضا… الوقت يمضي، والمشاريع في الساحة متعددة!، ولطالما كان مصير أولئك الذين أدركوا جيدا قيمة الوقت هو أن يتفوقوا على الذين لم يدركوا قيمته جيدا… حضور الذات هو إثبات للتفاعل والحيوية، وهو أمر في غاية الضرورة والأهمية…

اشترك في قائمتنا البريدية