لا يحتاج المتابع إلى كثير كلامٍ؛ ليقف على حقيقة المدى الذي بلغه بنيامين نتنياهو واليمينُ العنصري الذي على يمينه في دولة الاحتلال، على الحقوق الفلسطينية، بالإعلان عن قرب ضمِّه مناطق في الضفة الغربية، وإخضاعها للسيادة الإسرائيلية، فضلا عن خطوطه الحُمْر القاضية برفض الانسحاب من الأغوار، والاحتفاظ بكلِّ المستوطنات الكبيرة والصغيرة، مع تعهُّده بالامتناع عن إخراج أيِّ مستوطن منها، وكذلك موقفه من القدس، إلى حقِّ العودة، وتجاوزها ذلك (التجرُّؤ) إلى حقوق عربية، كما يظهر في اعتداءاته المتكرِّرة، التي أضحى يعلنها على سوريا، والتلويح باستهداف لبنان، بذريعة مصانع الصواريخ الدقيقة التابعة لحزب الله.
لا يخفى أن الأرضية الأولية تكمن في تنامي اليمين المتطرِّف في إسرائيل، وهو الأمر الذي أكّدته نتائجُ الانتخابات الأخيرة، إذ حققت قوى اليمين تفوقا واضحا. قابل ذلك، تراجع ما يسمَّى باليسار الإسرائيلي، وهو تراجُع في قواه التمثيلية، وتراجُع في مواقفه، التي صارت أقرب إلى اليمين، كما ظهر ذلك في مواقف قائمة «كاحول لافان».
ثم يأتي دوليا، العاملُ الأمريكي، مع الدعم الكبير والمقترب من حدود التهوُّر، الذي يوفِّره الرئيسُ الأمريكي رونالد ترامب الذي لم يختلف مع نتنياهو لحدِّ الآن، في أيِّ موقف مهمٍّ يُذكَر، وإن كان ثمة ظنٌّ أن ذلك الدعم سيساعد ترامب في حرمان نتنياهو، من أسباب الرفض، أو الاستعصاء، في ما يتعلَّق بصفقة القرن، في حال تضمَّنت- كما يُشاع – تنازلات يتوجَّب على دولة الاحتلال دفعها، لكن ترامب قدَّم لإسرائيل قبل ذلك، خدمات استراتيجية حسمت قضايا ما يُسمَّى بالحلِّ النهائي، فقد حسم القدس، باعترافه بها عاصمةً لإسرائيل، وحسم قضية اللاجئين، بموقفه من وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، وحسم الاستيطان بموافقته على ضمِّ مناطق في الضفة الغربية، وباعترافه بحقِّ إسرائيل في الاستيطان، على خلاف الإدارات الأمريكية السابقة، التي كانت ترى المستوطنات غيرَ شرعية، أو عقبة في طريق السلام، ثم تجاوز ذلك إلى خارج فلسطين، باعترافه بضمِّ الجولان إلى دولة الاحتلال.
وتلك العلاقة البالغة التوافق مع إدارة ترامب، وفَّرت لنتنياهو نجاحاتٍ إقليمية لافتة، لجهة مزيدٍ من التحجيم لإيران، حقَّقته العقوباتُ الأمريكية على طهران، وآخرُها القرارُ بتصفير عائدات النفط، وقبلها تصنيف «الحرس الثوري» منظمةً إرهابية، حتى طال التحجيم تركيا، بشكل أو بآخر، بأوضاع اقتصادية أقل ارتياحا من قبل. أما سائر الدول العالمية، كالدول الأوروبية وروسيا، فلا يُعيرها نتنياهو كبيرَ اهتمام، ما دام مستندا إلى علاقات متينة ومتميزة مع أمريكا/ ترامب، وفي أجْدَد المؤشِّرات على ذلك الردّ الذي تلقَّته الحكومةُ الفرنسية، بعد تقديمها طلبا رسميا بتحويل دفعات (ضرائب المقاصّة) للسلطة الفلسطينية، فلم تكتفِ – إسرائيلُ بالرفض، بل قالت – بحسب وسائل إعلام عبرية – لباريس: إنها سوف تُبْقِي على سياستها، وأنّ «طلبَك غير صحيح أخلاقيا ودبلوماسيا، وحتى يخالف مبادئ السياسة الأوروبية حول مكافحة الإرهاب»، هذا الموقف ينسجم مع تصوُّرات عن أوروبا، والدول الفاعلة فيها، حيث تزيد أزماتُها، وتواجه أسئلة مصيرية، بخصوص مستقبل الاتحاد الأوروبي.
ولكن الحالة العربية كانت المُطَمِئنَ إلى فرصة سانحة، يجب أن تُستَثمر، بفرض حقائق على أرض الواقع، يصبح من الصعب الرجوع عنها، فطالما تحدَّث نتنياهو عن المدى الذي بلغته علاقاتُ نظُمِ عربية بدولة الاحتلال لا تقيم دولُها علاقات دبلوماسية مع الاحتلال، لا ينفكّ نتنياهو يبتهج لها، ويستثمرها، كما في إعلانه عن التهنئات التي تلقَّاها من زعماء عرب لفوزه بالانتخابات. وهنا واضح أن إسرائيل تُعامَل كدولة طبيعية في المنطقة؛ تشارك، وتُشاوَر في قضايا المنطقة، بل تدخل في تحالف غير معلن بذريعة إيران، (وأحيانا معلن)، ولعل من آخر المؤشرات مشاركة سلاح الجو الإماراتي في مناورات عسكرية مشتركة مع سلاح الجو الإسرائيلي في اليونان، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية.
الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة يوفِّر لنتنياهو ذريعة وفرصة مناسبة، لتكريس الوجود الاحتلالي في الضفة الغربية
وفي موقف جديد ولافت للسلطة الفلسطينية، انتقد مستشار الرئيس الفلسطيني للعلاقات الخارجية والدولية نبيل شعث مشاركة إسرائيل في معرض إكسبو الدولي 2020 المقرَّر إقامته في دبي، وقال إن ذلك يشكل خطأ فادحا في حقِّ القضية الفلسطينية، وأنه مخالف لقرار وزراء الخارجية العرب في القاهرة، ومخالف للموقف الفلسطيني. ولا يجرِّئ نتنياهو مثلُ العلاقة التي بلغتها تلك النُّظُم مع شعوبها، حيث تظهر بمظهر القابض عليها، وعلى مقدّراتها، بالقوَّة والإكراه، بعد أن تحرَّكت قوى الثورات المضادة، بقضِّها وقضيضها، بالمال والسلاح، ليتسيَّد على المشهد العربي زعماءُ انقلابيون لا يهمهم كثيرا ما تقوله شعوبهم، وقوى بلادهم السياسية والثقافية، إذا ما ارتكنوا إلى دعمٍ أمريكي، كما هو حال عبد الفتاح السيسي، في مصر، وخليفة حفتر في ليبيا. هذه النظم المُعَسْكَرة (من سوريا إلى مصر وغيرهما)، تأمل إسرائيل أن تُلَطِّف من صورتها، إذا ما قورنت جرائمُها بحقِّ شعوبها، بجرائم إسرائيل بحقِّ الفلسطينيين. فإذا كانت المعركة مع الاحتلال هي في الأساس معركة قيمية، حقوقية، فإن منطق العلاقات العربية، وتحديدا أداء حكام الإكراه والتزوير والترهيب، لا تجعل من العدوان الإسرائيلي في فلسطين علامة فارقة، بل قد تزايد على تلك النُّظُم، بادعاءات الديمقراطية، ولا سيما في الداخل الفلسطيني، مع أن عنصريَّتها أصبحت أكثر طغيانا وسفورا.
وفلسطينيا لا يزال الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة يوفِّر لنتنياهو ذريعة، وفرصة مناسبة، لتكريس الوجود الاحتلالي في الضفة الغربية، وإضعاف فرص حلِّ الدولتين. ولا تزال السلطة مرتهَنة لاتفاقات أوسلو، وأهمُّها التنسيقُ الأمني، الذي يساعد على تحقيق بيئة أمنية أفضل للاحتلال؛ ما يمنح خيار نتنياهو القائم على الاستمرار بالاحتلال والاستيطان، من دون الحاجة إلى دفع أيّ أثمان سياسية، أو تقديم (تنازلات)، يجعل من هذا الخيار أكثر شعبية في صفوف شعبه المحتل، ولا سيما بعد تنامي الاتجاهات الدينية العنصرية، وبعد زيادة نفوذ المستوطنين في حكومة الاحتلال. وفي التطوُّرات الأخيرة دعوة السلطة الفلسطينية إلى اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير، لتنفيذ مقررات المجلس السابقة، وأهمُّها وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، وكذلك سحب الاعتراف بإسرائيل، وهذه محطة فارقة لا نوقن، هل تمضي فيها السلطة فعلا، أم لا؟
على مديات أبعد ستبقى إسرائيل في ظل تصاعد اليمين المتطرِّف الديني والقومي تستهلك من شرعيتها، على المستوى العالمي، ولكن ذلك لا يُترجَم إلى آثار ملموسة إلا في حدود قليلة نسبيا، كما في محافل دولية، كمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والمستهدف إسرائيليا وأمريكيا، وكما في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات BDS، المستهدفة كذلك، إسرائيليا وأمريكيا. أما الواقع الفلسطيني، سواء في الداخل، حيث المتوقَّع زيادةُ الاستهداف الاحتلالي، بحكم قانون القومية وغيره، أو في الضفة الغربية والقطاع، فثمة شعور متفاقم بالقلق المصيري على حقوقه، يتوازى مع حياته اليومية التي لا يكسر من عنفوانها الطبيعي، تضييقاتٌ اقتصادية، أو تجرُّؤات نتنياهو، بالدعم المطلق الذي يتلقَّاه من ترامب.
كاتب فلسطيني
أريد التطرق إلى شيء ما جاء في هذا المقال بالنسبة لما وصف بتراجع أحزاب اليسار السياسي في دولة إسرائيل. إن مواقف اليسار الإسرائيلي لم تصبح أقرب إلى اليمين وإنما بقيت على ما كانت عليه سابقًا. أما حزب “كاحول ﻻفان” فﻻ ينتمي إلى اليمين أو إلى اليسار بل ينتمي من الوهلة الألى إلى المركز بحيث يشدد على أهمية الحفاظ على الأمن العام من جهة وأهمية التفاوض مع الفلسطينيين من جهة أخرى. والواضح من نتائج الانتخابات الأخيرة هو أن قرابة نصف المنتخبين ﻻ يؤيدون اليمين السياسي سواء كان متطرفًا أم ﻻ.