لا نعرف ما يخبئ لنا آذار/مارس المقبل مثقلًا بالتردد والنعاس؛ ففيه كما أخبرنا وليده الشاعر المحمود: «مرّت أمام البنفسج والبندقية خمس بنات. وقفن على باب مدرسة ابتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ. افتتحن نشيد التراب».
لم يحسم الإسرائيليون، بعد جولتين انتخابيتين طاحنتين، خياراتهم ولم تقع قرعتُهم على أي «متياس»؛ فهل سيفعلون ذلك في الثاني من آذار المقبل؟
يتوقع المحللون ألا يحدث تغيير لافت على نتائج الانتخابات المقبلة، وأن يحافظ الحزبان الكبيران على التوازن في قوتيهما؛ ولذا نرى كيف تطارد جميع الأحزاب جموع الناخبين كصيادين يلهثون وراء «فرائسهم» الثمينة، ويعرفون أن المعركة قد تحسم بفوارق أصوات بسيطة جدا. لا أعرف ماذا يجب أن يحصل، بيننا ولنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، كي يتخلى البعض، ولو من باب فائدة التجريب المسؤول، أو بدافع «غريزة البقاء»، عن نداءاتهم النمطية الهرمة الداعية إلى مقاطعة الانتخابات.
لقد تطرقنا في الماضي إلى هذه المسألة من جميع جوانبها، وسنعود اليوم إلى إثارتها مجددًا؛ لاسيما ومنطقتنا تقف على أعتاب مرحلة سياسية جديدة، سيتم فيها قريبًا الشروع بصرف «صكوك» الإدارة الأمريكية المعطاة لحكام إسرائيل. لا أختلف على حق الممتنعين عن التصويت؛ لكنني مقتنع أن ما يمارسونه يضر، بسبب واقعنا السياسي، بمصالح أهلنا، ويخدم في المحصلة السياسية العملية، قوة أحزاب اليمين الصهيوني، على جميع أطيافها الأيديولوجية والسياسية. نسمعهم، قبل كل جولة انتخابية، يرددون بيقين ويتلون علينا آيات الأمل المفقود، ويؤكدون، بثقة العاجزين، على أننا لن نصحو، نحن المصوتين العرب، على فجر جديد، بل سيبقى غدنا، بمنأى عن نتائج الانتخابات، كأمسنا، بارداً كالموت ولا يحمل ذرة من بشرى ولا بسمة من ندى للحالمين. إنها لغة الغبار، يحدثنا بها أصحابها من دوافع عقائدية، ويصرّون على أن مشاركة العرب في الانتخابات تعدّ خطيئة، أو، وليس أقل خطورة، اعترافًا بشرعية كيان ما زال في عرفهم، رغم بكاء البيارات في بيسان، باطلًا ومزعومًا.
لا يوجد مسح علمي دقيق لدوافع الجهات الداعية إلى مقاطة الانتخابات، لكننا نستطيع، من باب التكهن الحذر، أن نفترض أن الفئة الأولى تلتزم بموقف «الحركة الإسلامية الشمالية» والثانية تنتمي لمجموعات غير المبالين ومعهم، في الخيمة نفسها، ضحايا الخيبة من العمل السياسي والعازفين عنه، وبعدهم سنجد أتباع «حركة ابناء البلد»، على تفرعاتها القومية الأخرى، وإلى جانبهم مجموعات من»الزعلانين» والمحتجين ومدمني الرفض والمزايدين. تتصرف أعداد كبيرة من الناس، التي تتفاعل مع نداءات المقاطعة، بتبعية ولائية أوتوماتيكية، فتُحجب عنهم فرصة التدقيق بنتائج «اختيارهم». ولو سبرنا جوهر ندائهم «لا للتصويت» لوجدنا انهم ينشدون معاقبة «القائمة المشتركة» ولا يقاطعون، فعليًا، العملية الانتخابية للكنيست الإسرائيلي، كما يصرحون؛ فعدم المشاركة بالتصويت، ولو بورقة بيضاء، يصبّ، وفق قانون احتساب الأصوات على الطريقة الإسرائيلية، في صالح الأحزاب الكبيرة التي تفوز بالمراتب الأولى؛ أي أنها، في المحصلة، مقاطعة ذات وجهين: وجه يرضي «أنا» صاحبها؛ ووجه ثان، سنجد له اسمًا في الثالث من آذار!
لن أفند جميع ادعاءات المقاطعين، لأنني، كما قلت، أرى في المقاطعة مضرة مؤكدة؛ لكنني أود التأكيد على أنني لا أصوّت بسبب إيماني الساذج «بكرم» الديمقراطية، ولا لأنني مفتون بمحاسن أعضاء القائمة المشتركة، ولا كي أسقط اليمين بضربتي القاضية، بل ببساطة، سأصوّت، كي أغرس، كما قلت من قبل: «حبتي في صدر القدر، مؤمنًا أن قليلًا من الإصرار والعمل خير من نهر تنظير، وأجدى من قناطير رومانسية طاهرة؛ سأزرعها وأنا أردد نصيحة السلف الحكيم، بإضافة «ورقة» من القطران فعساها تسعف الجمل! وسأصوّت للقائمة المشتركة لأنني لست كآلاف العرب «المقاطعين»، وهم يعيشون في فيء مواطنة إسرائيلية وينأون بأنفسهم طواعية، عن ممارسة حقهم الإنساني والأساسي في التأثير على شكل النظام الذي سيحكمهم، وعلى صورته وقوته.
لا ضرورة لإجراء مفاضلة بين حزب كاحول لافان وحزب الليكود، كي نستنتج أن المشتركة بعيدة عن كليهما
أنا لن اقاطع الانتخابات لأنني لا أريد أن أؤذي نفسي؛ وأدعو الجميع إلى التصويت للقائمة المشتركة؛ فكلما زادت قوتها كقائمة، سيكون حجمها أكبر بكثير من حاصل مركباتها وستنقص، بالتالي، قوة أحزاب اليمين الفاشي، وستتراجع إمكانياتهم بتحقيق برامجهم السياسية والاجتماعية التي يعلنونها بشكل سافر حازم. لا ضير إن كررت مرة أخرى بأن من يصر على أن اعتبار جميع اليهود صهاينة مخطئ، ومخطئ كذلك من يؤكد على أن جميع الصهاينة سواسية؛ فهذه التعميمات مرفوضة من الناحية الأخلاقية والسياسية، وهي توازي تمامًا تعميمات العنصريين اليهود ضد العرب، أو المسلمين أو الشيوعين وغيرهم؛ ومرفوضة لأنها تخلق بلبلة كبيرة بين الناخبين العرب وتساعد على إقناع المترددين، والمتأرجحين والتائهين منهم بتبني موقف المقاطعة؛ فما دامت كل الأحزاب اليهودية متشابهة اذن، فما الفائدة من التصويت لإحداها، أو من سقوط نظام نتنياهو وحلفائه من غلاة اليمينيين والمتزمتين الدينيين؟
يقاطع البعض، هذه المرة، بسبب خشيتهم من موقف القائمة المشتركة، ومن إمكانية دعمها، بعد الانتخابات، لحزب «كاحول لافان»، في مساعيه لإقامة حكومة، إذا كلفه رئيس الدولة بهذه المهمة، انه محض وهم وخيال فيّاض. لا ضرورة لإجراء مفاضلة بين حزب كاحول لافان وحزب الليكود، كي نستنتج أن المشتركة بعيدة عن كليهما؛ فيكفي أن نقرأ ما أعلنه قبل يومين في الإعلام العبري، الجنرال بوغي يعلون، وهو الرجل الثالث في الحزب، كي نعرف كم كان ظن المشككين بموقف المشتركة إثمًا؛ وأن نتيقن بأن التزاوج بين الحزبين مستحيل وحتى الخطبة غير واردة بالحسبان إطلاقًا. ففي معرض نفيه للإشاعات التي يطلقها بنيامين نتنياهو ضد حزب «كاحول لافان» حول وجود علاقة مع القائمة المشتركة، قال يعلون بالحرف: «تنتشر بيننا ثقافة الكذب؛ فالناس تؤمن بأن ثلاثة قادة أركان سيأتلفون/يتفقون مع المشتركة، وهي تدعو إلى محاكمتهم كمجرمي حرب». ألم يقطع بوغي كلام كل غيور خائف أو مشكك أو مزايد؟
كثيرون راجعوا مواقفهم إزاء المقاطعة وغيّروها؛ ولقد لفتت انتباهي، بهذا الخصوص، نصوص الصديق الأسير السابق أمير مخول، التي وصف فيها، بشجاعة وبنبل وبمسؤولية، كيف ولماذا قرر التصويت ودعم القائمة المشتركة بعد أن كان لسنين عديدة من دعاة مقاطعة الانتخابات. لقد امضى أمير فترة تسعة أعوام في سجون إسرائيل بسبب إدانته بتهم أمنية؛ وقد أفرج عنه مؤخرًا، فكتب عن تجربته وعن خلاصاتها، التي يمكن أن تحتذى، لأنها أوصلته إلى قناعة «ألا ننتظر من سينقذنا من العنصرية الفاشية الزاحفة، بل يجب أن نسعى إلى أن نكون أقوياء لدرجة لا يمكن المس بحقوقنا وبوجودنا.. فقوة المشتركة هي جزء ومركب مهم في تعزيز حضورنا فوق عنصريتهم». أمير ليس وحيدًا، فانتظار العجائب ترفٌ أجازته الأساطير للحالمين فقط؛ ونحن، كي ننجو، لا نملك «خيط الأميرة أريان» ولا أحد منا يقبض وحيدًا، على ناصية اليقين؛ فعلينا أن نعرف متى وكيف نغفو على خصر زهرة ياسمين، ومتى نصحو قبل قدوم قايين. لا نعرف ماذا يخبئ لنا آذار المقبل على أسنة الرماح؛ فلندعه بسلام، من دون أن تجفله حماقاتنا لأن فيه « تأتي الظلال حريرية، والغزاة بدون ظلال، وتأتي العصافير غامضةً كاعتراف البنات، وواضحة كالحقول»، ولنترك حساباتنا مع قادة غفلوا، إذا غفلوا، إلى ما بعد ركود الغبار وقبل هبوب العاصفة ونزول أول المطر.
كاتب فلسطيني
OUR DIGNITY IS JUST IN OUR RIFLE ….OUR LIBERATION IS IN OUR MILITARY DRASTIC PROGRESS…. YES YES YES FOR OUR MILITARY STRUGGLING TO ACHIEVING HARMONY BIOS FOR PAN HUMANITY…… SARCOPHAGUS BARBARISM SHOCHTEM ZIONIUSM MUST BE END ….INDEED NOT IN SPEECH ……YES FOR OUR ENOSIS TO ACHIEVING OUR GOAL
كلام متوازن و يعكس الواقع