نعم الجزائر أحسن من السويد وبكثير!

حجم الخط
0

 الجزائر أحسن من السويد، ومستشفياتها أحسن من مستشفيات أمريكا، وحتى  بلدية ولاد فايت اكتشف أخيرا أنها أحسن من سويسرا! هذا ما صرح به أكثر من مسؤول سياسي جزائري كبير عدة مرات، من دون أن يصدقهم الجزائريون بالطبع. تصريحات تحولت إلى مجال للتنكيت والشجب عند الكثير من المواطنين الذين رأوا فيه تطاولا على واقعهم اليومي التعيس. هم الذين يعيشون في أغلبيتهم أوضاعا اجتماعية واقتصادية أكثر من سيئة، تجعلهم يغامرون بالهجرة يوميا هروبا من هذه السويد التي يتكلم هؤلاء المسؤولون السياسيون عنها.

 ما لا يعرفه هؤلاء المواطنون أن السويد هي واقع معاش بالنسبة لهؤلاء المسؤولين وأمثالهم من الحكام في هذه الجزائر، التي يعرف مواطنوها في المقابل أنهم لا يعيشون في بلاد الأسوج، كما كانت تسمى السويد في كتب الجغرافيا القديمة، التي كنا ندرسها ونحن صغار. فالشباب في الجزائر مازال لم يكتشف بعد هذه السويد التي يتكلم عنها خطاب المسؤولين، وقد لا يلتقي بها طول حياته.

كيف لا تكون الجزائر أحسن من السويد بالنسبة لهؤلاء المسؤولين الذين يعيشون في نادي الصنوبر منذ الجيل الثاني على الأقل (الثالث بالنسبة للبعض)، داخل محميات إقامة الدولة الجميلة، وكأنهم في عطلة طول أيام السنة بالقرب من شواطئ المتوسط الجميلة. في وضع أمني أكثر من مرتاح، مقارنة بالوضع الأمني الكارثي الذي تعرفه مدن الجزائر القديم منها والجديد، بما فيها الأحياء الجديدة التي تعيش ما يشبه الحروب الأهلية المصغرة، المشتعلة منذ سنوات.

مسؤولون لا يعرفون شيئا عن زحمة المرور التي تحولت إلى كابوس يومي بالنسبة للجزائريين، فالمسؤولون يمكن أن يغادروا سكنهم المريح في محميات الدولة تحت الحراسة المشددة، لكي يصلوا إلى أماكن عملهم بسرعة خارقة، فطريقهم دائما سالك، مهما كان التوقيت واليوم. عكس المواطنين الذين تحترق أعصابهم لساعات يوميا عند أدنى تنقل، فالسويدي من هؤلاء تعرفه من سرعة سيارته وعدم توقفه أمام أي حاجز أمني، في الليل والنهار.

مسؤولون لا يعايشون شيئا اسمه بيروقراطية الإدارة التي يتصارع معها المواطن يوميا، ويقضي جل وقته في التعامل اليومي معها، هم الذين يمكنهم حل أي إشكال مهما كانت صعوبته بمكالمة تلفونية من السكرتيرة، السائق أو “النطاط”، كما يسميه إخواننا في مصر، الذي يرافق كل مسؤول كبير في الحل والترحال يفتح له باب السيارة ويسهل له ما صعب من تفاصيل الحياة في يوميات العمل، أو مع أفراد الأسرة، زيادة على السائق والحارس الأمني.

الشباب في الجزائر مازال لم يكتشف بعد السويد التي يتكلم عنها خطاب المسؤولين، وقد لا يلتقي بها طول حياته

بالطبع سويد هؤلاء لا تتوقف عند هذه التفاصيل اليومية المملة، التي تستهلك يوميات المواطن الجزائري وجل وقته، بل حياته. فالمسؤول الجزائري في بلاد السويد هذه لا يتعامل مع شيء اسمه مستشفى عمومي، أو خاص إن اصابته وعكة مهما كانت بسيطة، يتم التكفل بها مجانا بالطبع من مؤسسات الدولة الريعية، لغاية تدخل العناية الإلهية في مستشفيات باريس، التي أصبحت من العلامات المميزة لحكامنا هذه السنوات الأخيرة، وكأن لسان حالهم يقول، من لم يمت في باريس ليس سويديا قحا.

المواطن من أبناء هذه السويد التي لا يعرف عنها الجزائري شيئا كواقع، لكن يسمع عنها الكثير، هي كذلك تلك الخدمات التي تقدمها دولة الرفاه فيها لمواطنيها من المحظوظين. فالمسؤول منهم يمكن أن يتدخل لكي يحصل أبناؤه على منح للدراسة في الخارج، من صديق الأب السويدي في وزارة التعليم العالي أو الحكومة أو غيرها من مؤسسات اتخاذ القرار. منح بالعملة الصعبة للدراسة في أحسن الجامعات الدولية، ينجزها الولد والبنت السويديان على مهلهم لغاية الحصول على الشهادة والعودة لاحتلال مناصب في مواقع متميزة في بلد الأسوج التي يحكمها الأب وأصدقاؤه من السويديين، كوزارة الخارجية أو شركة الطيران أو غيرها من المواقع التي تسمح للابن او البنت بالاستفادة من الريع بالعملة الصعبة والبقاء في الخارج لأطول وقت ممكن. فالسويدي من هؤلاء يملك حاسة شم قوية تجعله يصل إلى مواقع الريع بالعملة الصعبة لا تضاهيها أي حاسة أخرى.

بلاد السويد التي لا تكتفي بتسيير حياة المسؤول وابنائه وحتى صديقاته في السر والعلانية، بل توسع اهتمامها إلى ما بعد الحياة، فقد أصبح من الشائع في بلاد الرفاه هذه في السنوات الأخيرة التي زاد فيها منسوب الريع أن تتكفل الدولة بكل مصاريف الدفن والنقل من باريس، تنظيم الجنازة والأربعين لأبنائها الذين يتوفاهم الله بعد عمر طويل. قبل الوفاة والجنازة هناك الحياة التي يعيشها السويدي بطولها وعرضها من دون اكراهات من أي نوع، بما فيها تلك القانونية عكس السويدي في بلاد الشمال الباردة، التي يستقيل فيها الوزير والمسؤول الكبير لأتفه الأسباب، كعدم احترام قانون المرور. إكراهات لا يفهمها السويدي المحلي ولا يتصور حدوثها هنا، فهو لا يعرف شيئا اسمه استقالة من المنصب مهما كانت التهم الموجهة له، تعلق الأمر بالبرلماني او الموظف الكبير المعين. الكل محمي مادام في موقعه الذي لا يتركه الا للقبر مباشرة، كما حصل في المدة الأخيرة عندما قام بعض أعضاء مجلس الأمة بالاحتجاج تضامنا مع زميلهم المسجون، بعد إلقاء القبض عليه متلبسا بالرشوة، حسب معلومات الصحافة.

نقطة ضعف بلاد السويد هذه أن مواطنتها الفعلية لا تمنحها الا لعدد قليل من المقيمين على ترابها الواسع، فالندرة هي سيدة الموقف هنا، فليس كل من عاش في بلاد السويد سويدي بالضرورة.

*كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية