عدنا إلى مقالاتنا أحادية العنوان، وقد بدا لنا هنا أن كلمة «نفوذ» ستكون الكلمة الأنسب للحديث عن آخر التطورات الحاصلة في النيجر، لكن من منظور الإشكالية الأوسع، التي تجعل من النفوذ معيارا أساسيا لتناول الواقع الجيوسياسي العالمي الجديد، بل – وقد أصبحت الكلمة في محلها – النظام العالمي الجديد.
نفوذ.. لست بحاجة إلى حديث عن تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة الافريقية، لقد قيل كل ما كان ينبغي أن يقال في الموضوع. وقد تم جرد المسألة من شتى جوانبها، التاريخية ثم الاقتصادية ثم السياسية.
ما يحدث في القارة الافريقية شهادة حية على دخولنا عالما متعدد الأقطاب، تحركه دول صاعدة على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي
نعم، حصلت فرنسا على نصيبها من «الإرحالية»، وفي نظر عدد من المراقبين، كانت ستجانبه لو استبقت الرحيل ذاته، بتخطيط مدروس لرحيلها عن الدول التي غادرتها تباعا، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مالي، بوركينا فاسو، ثم النيجر. أجل.. لو أن فرنسا فكت تبعيتها لـ»الأنموذج» الاستعماري القديم، يرى البعض، لأمكن لها إعادة صياغة مقومات نفوذها بما يخدم مصالح القارة الافريقية، وبالتالي مصالحها. هذا صحيح نسبياً، لأن الوجود العسكري الفرنسي الحالي والزائل في آن، جاء بناءً على طلب حكومات، وكان طلبا يحمل هدفا محددا: مكافحة الإرهاب، وببقاء قواعدها العسكرية في الدول المعنية، أبقت فرنسا وجودا خدم فعلا مصلحة افريقيا ومصلحة فرنسا معا. وهذا ما يستدعي إعادة النظر في بعض الاستنتاجات المتسرعة التي سمعناها أيضاً. لكن صحيح من جهة أخرى أن عهد الوصايات والولاءات انتهى، وصحيح أن الحديث عن مساعي القوى الاستعمارية السابقة للإبقاء على مصالحها قائم أيضاً، وملف اليورانيوم بقي مفتوحا، غير أن ثمة معطيات موضوعية تفرض نفسها، منها حجم استفادة فرنسا من المواد الخام للمنطقة الافريقية الذي لا يتعدى الـ5 في المئة حاليا. ومهما كان الحال، الملف أوسع وأشمل لأنه لم يعد ملفا محصورا في الحالة الفرنسية أبدا. لقد صار الملف ملف الجيوسياسة الدولية وخريطتها المستقبلية بامتياز. من هذا المنطلق، يحتل موضوع النفوذ مكانة مركزية وعابرة للبلدان المعنية، وأعني هنا الغربية والصاعدة معا، ومن هذا المنطلق أيضاً، سيصبح لكلمة «نفوذ» معنى مغاير تماما، لا عسكريا ولا مصلحيا، وإنما استراتيجي.
هذا ما فهمته جيدا روسيا والصين اللتان عرفتا منذ البداية كيف تستثمران – بالمعنى الواسع للكلمة – في المنطقة. بالطبع، يتغلب العامل الاقتصادي على هذه المشاريع، ويعرف عن الصين أنها كانت السباقة في خوض المغامرة، التي لم تعد مغامرة بالنسبة لها منذ زمان. أما روسيا، فقد فرضت نفسها في المنطقة الافريقية هي أيضا، لكن على طريقتها الخاصة، طريقة الوسيط فاغنر، الذي يطرح إشكالية أن تكون شركة وجماعة مسلحة في آن. يعرف النفوذ بقوة تأثير ناعمة وخشنة معا تشمل القطاعات الأساسية لمنطقة جغرافية ما، تمارسها عادة دول ذات قدرات اقتصادية وعسكرية وأيديولوجية معا.. من هنا، نستطيع أن نتحدث عن نظام عالمي جديد سيقوم على أساس النفوذ الجديد. والنفوذ الجديد سيكون اقتصاديا، أو لن يكون، كما قال أندريه مالرو يوما إن القرن الواحد والعشرين سيكون روحيا أو لن يكون. بكل تأكيد، من الآن فصاعدا، سنرى اللغتين الصينية والروسية تحتلان موقعا متميزا من بين اللغات المدروسة عند طلابنا. ونذكر أن تنامي النفوذ الناعم في القارة السمراء ليس وليد الساعة، فقد سبق الوجود الصيني فاغنر، بالتركيز أولا على شمال افريقيا، وهنا حالة الجزائر معروفة.
ما يحدث في القارة الافريقية شهادة حية على دخولنا عالما متعدد الأقطاب، تحركه دول صاعدة على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي. الفارق بين زمن مضى وزماننا الحاضر أننا كنا هنا في الغرب نتحدث عن الدول الصاعدة والنامية كطريق ثالثة، كاحتمال، كفرضية.. الآن تغير الوضع تماما، الاحتمال والفرضية صارا واقعاً… مثل الأيام التي بيننا..
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
مع احترامي لطروحاتك التي لا تخلو من { استبطان } الدفاع عن مصالح بلدك الفرنسيّ…إنّ { الاستعمار التقليديّ } ومنه الاستعماري الفرنسيّ في أفريقيا؛ مشكلته البنيويّة أنه يحمل تناقضاته؛ ما بين النظريّة والتطبيق.ففي الوقت الذي تقدّم فرنسا شخصيتها على أنّها { أمّ الثورات } فتتكأ تاريخانيتها؛ تتعامل في السلوك السياسيّ على أنها { أمّ الرجعيات }.
وكما نقول بالمثل : { الكذب حبله قصير؛ ولو كان بطول خرطوم الفيل }.لقد فقدت فرنسا ستراتيجيًا { صدقيتها } في
التعامل مع الشعوب؛ وزاد الرئيس مكرون هذه الخصيصة السياسيّة بمواقفه الكثيرة الذنوب.أين منه الرؤساء: بومبيدو وديستان وشيراك…كانوا علامة فارقة في تاريخ فرنسا المعاصر؛ كانوا أعلى من برج إيفل المضيء من يورانيوم النيجر.
حرر استعمار أوروبي شعوب من محتلين وطور مناطق بدائية متخلفة بكل القارات لدول بمقومات من لا شيء فأقام مدارس مستشفيات مناجم مصانع مزارع شبكات طرق سكك حديد جسور موانيء مطارات معسكرات وحول ملايين وثنيين لدين سماوي ودرب وطور مواطنين لعساكر وطيارين وعمال فنيين مهندسين ممرضين أطباء محامين وأنشأ أنظمة حكم ودساتير وبرلمانات وعندما انسحب ترك دول ما زالت قائمة تتكلم لغات عالمية تستورد آخر ما أنتج لكن بفترة استعمار استغل المواد الخام واشترى آلاف عبيد من تجار عرب لسد حاجته بزراعة كثيفة بمستعمرات العالم الجديد
بعد إنسحاب أوروبا من مستعمراتها بكل القارات تركت مناطق طورتها لدول بمقومات بكل مجال من لا شيء قدر الإمكان فاستلم الحكم نخب ممن تعلموا بجامعاتها أو أحزاب نشأت خلال الإستعمار أو قبائل سلحتها ودربتها لفرض النظام أو خليط من ذلك وقلة منهم بنى على تركة الإستعمار وحقق مزيد من التطور ومواكبة العصر وتغليب مباديء دولة مدنية ومواطنة بنسب متفاوتة لكن معظمهم أوقف عجلة التطور أو أرجعها للوراء سواء بإقامة نظام حكم الحزب الواحد أو نظام حكم العائلة الواحدة وركز على نهب ثروات وطنه فباتت شعوبهم تفضل عودة الإستعمار
تركت أوروبا الحكم بمستعمراتها لنخب تنمرت معظمها على شعوبها وجمدت التقدم وركزت على نهب ثروات بتوازي مع نشوء أنظمة حكم أوروبية بنهاية حقبة إستعمار تعاملت مع حكام مستعمرات سابقة بمرونة عالية لضمان استمرار توريد مواد خام مقابل منتجات مصانعها وخدماتها وتغاضت عمن ينهب ثروة وطنه وشعبه وسمحت له بفتح حسابات ببنوكها وتداول أسهم بورصاتها وتملك عقارات بعواصمها واقتناء تحف فنية بمزاداتها ولكن فرضت ضرائب إرث عالية على من يتوفى منهم أو يقتله شعبه (بل أشيع أنها سهلت قتل بعضهم) كما صعبت وصول الشعوب لأموال منهوبة
لم اكن اعلم كل هذه المآثر للاستعمار، ولم اكن اعلم ان الاستعمار قد ساهم في نهضة الامم. شكرا لانك اشعرتنا ان الاستعمار شيئ جميل، وان تخلف الشعوب التي رزحت تحت استعمار فرنسا هو من فعل ايديها. لا حول ولا قوة الا بالله. ولله في خلقه شؤون.
أتفق مع الأخ جمال البدري بأن هناك في التقرير استبطان المنافحة عن بلد الكاتب وقد يكون هذا طبيعيا بالنسبة له إن كان ينظر إليه بمثابة “واجب وطني” ولكن كارثة الكوارث هي أن نرى مهنة جهلة من بلادنا يتغنون حتى هذه اللحظة بالجانب الحضاري لفرنسا رغم الآثام والشرور
شكرًا أختي سمر البعلبكيّ…والعجيب منذ أوّل أمس منح الرئيس مكرون جزيرة كورسيكا الحكم الذاتيّ؟ هل يعلم مكرون
أنّ كورسيكا هي مسقط رأس القائد الفرنسيّ نابليون بونابرت.ألا يعلم أنّ معنى ذلك أنه سيقطع مجد النسغ التاريخيّ
النابليونيّ عن فرنسا الأمّ؟ إنه رئيس يتخبّط…وتخبّط الرؤساء ليس كتخبّط الغوغاء…لأنّ تخبّطهم ينال الداخل والخارج.
شكرا أخي جمال البدري.. أنا صديقة الأخت الدكتورة ليلى الصباغ وقد سألت عنك في غيابك الملحوظ قبل أيام.. وكذلك أوصلت سلاما خاصا من شاعرنا الفراتي غياث المرزوق أو شاعر الفراتين بكل جدارة واستحقاق كما قلت !!
كما نقول بالعراقيّ: { سألت عليك العافية } ياطيّبة…لك خالص تحياتي لك وللأخت ليلى وللدكتور الشاعر…كنت في سفرة لأيام.هل من جديد للشاعر الفراتيّ في القصيد؟
الأخت ليلى الصباغ أشطر مني في متابعة الشعر كما علمت كتب الشاعر غياث المرزوق هذا القصيد في بداية الثورة لكنه أخذ أصداء جديدة عندما أعيد نشره في الآونة الأخيرة إليك مثلا رابط مجلة مدارات ثقافية :
https://www.madaratthakafia.com/2023/08/mad-details04082023-02.html