لم يكن هابرماس فيلسوفاً بالمعنى الكلاسيكي، ذلك الذي يتأمل الوجود من بُرجه الأكاديمي، بل كان وعيَ العقل الأوروبي المتأخر في اشتباكه مع أشباحه الخاصة. كان ضميراً فلسفياً، يحمل على كتفيه ثقل تاريخ كامل من الخيبات، ويحاول في الوقت نفسه إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حطام التنوير. لقد عاش هابرماس التناقض المرير الذي يطارد كل عقلاني حقيقي: كيف نؤمن بالعقل بعد أوشفيتز؟ كيف نتمسك بالتحرر، بعد أن تحولت وعود التحرر الكبرى إلى كوابيس شمولية؟ كيف نبني جسور التواصل في عالم يتفكك تحت وطأة منطق السوق وعنف الهويات؟ لقد ظل هابرماس يكتب وكأنه يدافع عن قلعة أخيرة تحت الحصار، قلعة العقل النقدي، ليس لأنه يعتقد أن العقل بريء، بل لأنه يرى أن التخلي عن العقل هو الانتحار الجماعي الوحيد الذي ما زال متاحاً للبشرية.
منذ البداية، كان مشروعه الفلسفي محكوماً بهاجس الإنقاذ. في «التحول البنيوي للمجال العام»، لم يكن يكتب تاريخاً للمقاهي والصالونات الأدبية، بل كان يشخص جريمة القتل البطيئة التي يتعرض لها الفضاء الديمقراطي. لقد رأى كيف تحول الجمهور الناقد إلى جمهور مستهلك، كيف تحول المواطن الذي كان يناقش الشأن العام إلى مشاهد سلبي يتابع سياسة الاستعراض. كان هابرماس يدرك أن المجال العام ليس مجرد فضاء مادي، بل هو حالة وجودية، طريقة في الوجود المُشترك مع الآخرين، تقوم على مبدأ أن الحقيقة لا تنتجها السلطة، بل ينتجها النقاش. وعندما ينهار هذا الفضاء، لا تتحول فقط المؤسسات السياسية، بل تتحول الذوات نفسها، يتحول البشر إلى جزر منعزلة، إلى ذرات متجاذبة في فراغ، إلى كائنات تفتقد القدرة على الاستماع الحقيقي للآخر.
إن نظرية الفعل التواصلي التي صاغها في شتارنبرغ، لم تكن مجرد بناء نظري معقد، بل كانت دستوراً وجودياً بديلاً. لقد أدرك هابرماس أن أزمة الحداثة ليست أزمة عقل، بل أزمة نموذج معين من العقلانية، العقل الأداتي الذي يحول كل شيء، بما في ذلك البشر، إلى أدوات قابلة للاستغلال. في مقابل هذا العقل المسخ، حاول أن يؤسس لعقلانية أخرى، عقلانية التواصل، التي لا تنظر إلى الآخر كوسيلة بل كغاية، التي لا تبحث في الحوار عن انتصار بل عن تفاهم. لقد كان يعيد صياغة الإرث الكانطي بأدوات جديدة، كان يكتب نقداً للعقل الأداتي، ليس بإعلان موت العقل، كما فعل أتباع نيتشه، بل بتوسيع مفهوم العقل نفسه، بجعله أكثر رحابة، أكثر إنسانية، أكثر قدرة على احتضان الاختلاف، من دون أن يتحول إلى عنف.
في هذا المسار، كان هابرماس يقف دائماً على خط ناري. من جهة، كان عليه مواجهة تراث مدرسة فرانكفورت، ذلك التراث الذي انتهى عند هوركهايمر وأدورنو إلى تشخيص مأساوي للعقل الغربي، باعتباره عقل هيمنة وسيطرة. لقد كان هابرماس يحب أدورنو ويجلّه، لكنه كان يريد أن يهرب من سجن تشاؤمه، كان يريد أن يجد في نسيج الحياة الاجتماعية نفسها إمكانية للخلاص، أن يكتشف في التفاعلات اللغوية اليومية بذور عقلانية مغايرة. ومن جهة أخرى، كان عليه أن يواجه موجة ما بعد الحداثة التي اجتاحت الفكر الفرنسي والأوروبي، تلك الموجة التي رأت في كل ادعاء بالعقلانية قناعاً للسلطة، في كل خطاب كوني أداة للهيمنة. كان هابرماس ينظر إلى تفكيكية جاك دريدا وجينيالوجيا ميشيل فوكو بعين القلق، لم يكن يرفضها لمجرد أنها تهاجم العقل، بل لأنه كان يرى فيها انتحاراً فلسفياً، تفكيكاً لكل أفق، من دون أن تقدم بديلاً، تحليلاً للسلطة، من دون أن تقدم معياراً للتمييز بين سلطة عادلة وسلطة ظالمة.
إن الصراع الذي خاضه هابرماس مع فلاسفة ما بعد الحداثة، لم يكن مجرد صراع أكاديمي على النفوذ، بل كان صراعاً حول مصير الإنسانية نفسها. هل يمكن للبشر أن يعيشوا دون معايير كونية؟ هل يمكن للسياسة أن تقوم دون أسس عقلانية؟ هل يمكن للعدالة أن تتحقق دون حوار حقيقي؟ لقد كان هابرماس يرى أن التخلي عن العقلانية التواصلية يعني فتح الباب أمام منطق القوة العارية، أمام صراع الهويات، أمام تفكك كل مشترك إنساني. لم يكن يدافع عن عقلانية ساذجة تتصور أن البشر ملائكة، بل كان يدافع عن إمكانية أن يبني البشر عالماً مشتركاً، رغم اختلافاتهم، بل بواسطة اختلافاتهم.
لقد ظل هابرماس، حتى في شيخوخته، ممسكاً بهذا الرهان الصعب. في تدخلاته السياسية، من حرب كوسوفو إلى أزمة اليورو، كان يعيد إنتاج النموذج نفسه: الدفاع عن إمكانية بناء مؤسسات فوق وطنية تقوم على الحوار، عن إمكانية توسيع دائرة الاعتراف المتبادل، عن ضرورة أن تظل السياسة خاضعة لمنطق النقاش العمومي. كان يعرف أن الاتحاد الأوروبي ليس مثالياً، لكنه كان يرى فيه معملاً تاريخياً لإمكانية تجاوز منطق الدولة القومية نحو فضاء تواصلي أوسع. كان يعرف أن العقلانية التواصلية ليست واقعاً قائماً، بل هي مشروع، هي التزام أخلاقي أكثر منها وصفاً للواقع. ربما كان السر الأعظم في فلسفة هابرماس هو إيمانه الراسخ بأن اللغة ليست مجرد أداة، بل هي بيت الوجود الإنساني. في اللغة، لا نتبادل المعلومات فقط، بل نعترف ببعضنا بعضا كذوات، نبني عالماً مشتركاً، ننتج الحقيقة. إن الفعل التواصلي ليس مجرد حديث عابر، بل هو الفعل الذي يجعل الإنسان إنساناً، الذي ينقذه من العزلة والهمجية. ولهذا كان هابرماس يكتب بذلك القلق الوجودي العميق، كان يكتب وكأنه يدافع عن إمكانية الإنسان نفسه في عالم يتحول بسرعة إلى صحراء تقنية، إلى فضاء من المونولوجات المنعزلة.
إن إرث هابرماس لا يُقرأ فقط في كتبه، بل يُقرأ في الطريقة التي يمكن أن نستمر بها في التفكير بعد رحيله. لقد علّمنا أن الفلسفة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وجودية، هي الأداة الوحيدة التي نمتلكها لمواجهة العدم. علّمنا أن العقل ليس عدونا، بل هو السلاح الوحيد الذي يمكن أن نحمي به إنسانيتنا من الانزلاق إلى الهمجية. علّمنا أن الحوار ليس ضعفاً، بل هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تبني جسوراً فوق هوة العنف. لقد ظل هابرماس يكتب حتى النهاية، ليس لأنه كان لديه وقت فراغ، بل لأنه كان يعرف أن الصمت هو الموت، وأن الكلمة هي الحياة، وأن الفعل التواصلي هو آخر ما تبقى لنا من إنسانية في هذا العالم الشرس المتوحش. رحل الجسد، لكن الكلمة باقية، والكلمة عند هابرماس ليست مجرد أصوات تتبدد في الهواء، بل هي أفعال تغير العالم، هي وعود لا تموت، هي ضمانة أن العقل، رغم كل شيء، ما زال ممكنا.
كاتب وباحث مغربي
شكراً أخي مصطفى قشنني. لاشك أن نظرية التواصل التفاعلي ستبقى حاضرة دوماً وليس فقط على المستوى الأكاديمي وهذه واحدة من مصادر قوتها. بالمناسبة لم تكن الازمة في يوم الإيام هي أزمة العقل بل أزمة نماذج العقلانية حتى عند هابرماس ولانملك إلا العمل تطوير هذه النماذج ونظرية هابرماس هي خطوة مهمة في هذا الإتحاه لكن مازال الطريق طويلاً. للأسف في الفترة الأخيرة أي بعد هجوم ٧ أكتوبر وحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، تحولت إلى إلى مايشبه الأنظمة الدكتاتورية وكنا نشعر لابل كان الكثير منّا يشعر وكأنه يعيش في سوريا تحت حكم بشارون الهارب، حيث تم كم الأفواه التي تطالب بوقف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني. فماذا حصل لعقلانية هابرماس التي ما أن ارتطمت بأول صخرة أصبحت كالركام! وهابرماس نفسه تهدمت أسوار قلعته وكأنه لم يستطع بعقلانيته التفاعل مع السلطة وسقط عنها القناع. والحقيقة لفتني في المقال ذكر موقفه من حرب كوسفو ولم يتم ذكر حالة غزة وموقف هابرماس منها. لكم الله ياشعب فلسطين.
غزة الفاضحة والكاشفة وقاهرة هابرماس بل انها جعلت منه ومن فلسفته مجرد هذيان وهلوسات