هزيمة إنسانية

من المؤكد أن مشكلة التعليم بدأت تأخذ منعطفاً خطيراً في العالم أجمع، إلا أنها مشكلة ذات طابع غريب متناقض في عالمنا العربي الإسلامي، كما أنها ذات دلالات أيديولوجية وسياسية خطيرة تجاه هذا المجتمع العربي الإسلامي وانطلاقاً من ظواهره في  الوقت ذاته. أتصور أن الأغلبية العظمى من المعلمات والمعلمين حول العالم أجمع، وخاصة أعضاء الهيئات التدريسية في المراحل المتقدمة من التعليم، أي مراحل الثانوية والجامعة والتعليم العالي، يدركون تماماً وبالتالي ينعون حالة «التمثيل التعليمي» التي نمارسها كلنا، كل حسب دوره وموقعه، دون أن تكون هناك فحوى حقيقية للعملية التعليمية أو ناتج راسخ عنها. كلنا نلعب أدوارنا، نحارب طواحين هواء، ندور في الدائرة الكاريكاتورية التي من طرف تُدخل أفراداً صغاراً في الساقية التعليمية والذين، طبيعياً، لا يملكون علوم المرحلة المقبلين عليها، ومن الطرف المقابل تُخرجهم من الساقية تماماً كما دخلوها، ليس لديهم أي من علوم المرحلة التي للتو انتهوا منها.
وفي ذلك، بدأت بعض الدول بعمل حظر على أدوات الذكاء الاصطناعي أو فرضت بعض القيود على استخدامه في قطاع التعليم مثل النرويج وإيطاليا، ، وتلك خطوة محمودة لمثل هذه الدول، من حيث محاولتها حماية العضلة العقلية للنشء، وإبقاؤها فاعلة ومستمرة في أداء عملها مبتعدة تماماً عن «مخدرات» الذكاء الاصطناعي التي تشل كل قدراتها. بعض الدول الأخرى، مثل الولايات المتحدة، حاولت ضم الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية واحتواء أدواته على أمل الخروج بنتيجة إيجابية، لكن هذه المحاولات بقيت متناقضة مشتتة وذات نتائج غير فاعلة وكأنها تفسر الماء بالماء. بعد بضع سنوات تعايشاً مع الذكاء الاصطناعي، وبعد محاولة عقد هدنة تعليمية معه، أرى شخصياً استحالة عقد معاهدة سلام مع هذه التكنولوجيا، فإما الذكاء الاصطناعي بكامل قدراته مصحوباً بشلل ذهني إنساني، وإما العقل البشري المعتمد على نفسه والعائد إلى استخدام قدراته القرائية، الكتابية، التحليلية، النقدية فقط لا غير. لا يبدو، رغم المحاولات اليائسة للمؤسسات التعليمية الكبرى أن تجد طريقاً وسط، أن هناك مسافات متساوية يمكن قطعها بين التعليم والذكاء الاصطناعي الذي يستهدف إنهاء التعليم والحلول محله بشكل تام ونهائي.
الخطير في الموضوع أن الذكاء الاصطناعي بكل الخدمات الميسرة وسهلة المنال ومتسعة الإتاحة، خدمات تملكها كل البشرية، وفي الوقت ذاته لا يملكها أحد، خلخل القيم الأخلاقية بشكل عام عند البشر وخصوصاً الأجيال الحديثة منهم، ذلك أنه مسح تماماً مفهوم الحق الأدبي للكلمة والفكرة، وعرض مشاعاً مجانياً لكل كلمة وفكرة وأداء وإنتاج مكتوباً كان أم لفظياً أم مصوراً، مغنى أم مؤدى، بل كل وجه بشري وكل حركة جسدية، بل وكل عاطفة إنسانية وكل تفاعل إنساني طبيعي، ليتحول كل هذا الإنتاج الفكري والعقلي والمادي والمعنوي الإنساني إلى سلع استهلاكية يعاد تدويرها واستخدامها. لم تعد هناك حقوق فكرية أو أدبية أو علمية، بل بات الذكاء الاصطناعي يسرق من ملايين البشر، ومنذ بدأ التاريخ المسجل لهم، أي منذ قرون عدة سابقة لظهور الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، الكلمات التي كتبوها والأفكار التي استنتجوها والعلوم التي اكتشفوها والرسوم التي رسموها والمنحوتات التي نحتوها والأغاني التي غنوها والحركات التي أدوها وكل فعل بشري تسجل ذات يوم في صفحة التاريخ الأدبية والعلمية، ليخلطها ويعجنها ويخبزها هذا الذكاء، وينتج بقدراته فائقة التطور نسخاً منقولة مزورة، لكنها أكثر تطوراً وإتقاناً ودقة، أحياناً أكثر جمالاً رقة وشاعرية، وأحايين أكثر كذباً وتأليفاً وأسطورية وخرافية.
ليست القيم الأخلاقية وحدها في خطر من حيث قبول البشر بسلوك السرقة الواضحة المباشرة دون أن يهتز لهم جفن أو يتأذى منهم ضمير، وليست القيمة التقديرية للعمل وحدها في خطر أيضاً من حيث ضياع شأن ومنزلة العمل المبتكر الإبداعي الإنساني، ولكنها قبل هذه وتلك، قيمة التفكير المنطقي العقلاني التي تعاني الخطر الأكبر، تلك الآخذة في الاختفاء يوماً بعد يوم مع تزايد الابتكارات الخرافية للذكاء الاصطناعي ومع ارتفاع نسبة إنتاجه المرئي والمسموع لكل نظرية مؤامرة غبية خطرت على بال بشر، ليمثلها هذا الذكاء صوتاً وصورة، وليثبتها في عقول البشر بشكل راسخ يسخر ويهدم قروناً طويلة من العمل الجاد والمعاناة والتضحية، وصولاً للتطور العلمي والأدبي المعاصرين. وبسهولة، يصنع «الغباء الاصطناعي» فيديو يسطح الأرض على سبيل المثال، ليتلقفه خاوو العقول مستمتعين بلذة الخرافة التي باتت مرئية ومسموعة، وليتحول هذا الجهل إلى «حقيقة علمية» تهدم قروناً من العمل المضني والتضحية بالأمان، بل والحياة بحد ذاتها؛ لإثبات حقيقة كروية الأرض. هذا الذكاء، إذا لم يقيده البشر وينظموه، سيعود بالبشرية، المؤهلة دوماً للعودة للخلف أكثر من التقدم للأمام، قروناً ضوئية للوراء. إنه خطر حقيقي وجودي سيقضي علينا بأسهل وأوضع الطرق، سينهينا بسلب عقولنا وتركنا لقمة سائغة للغباء.
كل غرائب وتناقضات هذا الذكاء الاصطناعي، الذي استوردناه كما نستورد كل منتج إنساني ونستهلكه إلى أقصاه، تتبدى جلياً في مجتمعاتنا المحافظة المتدينة، تلك التي يصلي أصحابها خمس مرات في اليوم، يصومون ويحجون بيت الله أفواجاً، يثورون إذا ظهرت ركبة امرأة، ويقلقون إذا كانت خطوات وضوئهم غير متقنة، والذين بكل ورعهم هذا، لا يرون مشكلة كبيرة في تزوير ورقة طبية تمنحهم إجارة يوم عمل، إطلاق لفظة قاذعة على سيدة «سافرة»، شراء منتجات صهيونية، التباهي بالأصل والعرق، دع عنك استخدام هذا الغش «الذكي» الممنهج الغبي دون أدنى شعور بالمسؤولية أو الاستشكالية الأخلاقية. أحياناً، يبدو لي أن بشرنا العرب والمسلمين يعتقدون أن للخالق اختصاصات تقييمية، مثل تقييم الصلاة والصيام والوضوء وعدد مرات التسبيح وختم القرآن وإتقان اختيار الجمرات وتكنيك رميها، أما الأمور الدنيوية فكأن الخالق لا يختص، في عقول هؤلاء، بتقييمها؛ فرب العرش لن يعاقب تزويرك ورقة رسمية أو سخريتك من أجنبي على أرضك، أو تباهيك بأصولك، أو تصويتك في أي مجال لفاسد يقربك أو يعدك باستفادة، هذه أمور دنيوية، في عقولنا العربية الإسلامية، لا تدون في كتاب الحسنات والسيئات. ولا أدل على ذلك من أن أكبر مشكلة تعليمية في دولنا العربية الإسلامية هي الغش، هكذا ببساطة، وذلك من قبل زمن الذكاء الاصطناعي والآن إبانه. واليوم، في ظاهرة عالمية أكثر إلحاحاً في منطقتنا العربية، يكبر الصغار شاقين طريقهم في الحياة تحايلاً وخداعاً، لا يتعلمون شيئاً حقيقياً، لا يهتمون بتحصيلهم من تخصصاتهم العلمية، ليتخرجوا دون معرفة حقيقية بفحوى هذه التخصصات، والأنكى  والأمر أنهم يفعلون ذلك كله دون قلق على المستقبل أو وجع ضمير. غريب وخطير ومميت ما يحدث اليوم لأجيال الغد.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ابو عمر اسبانيا:

    لبناني على وشك دخول الجامعة و حقيقة لا اعرف ما هي التخصصات العلمية أو الأدبية الجامعية التي يجب أن انصحهم بالتفكير فيها بسبب معضلة الذكاء الاصطناعي اذا كان عندكم افكار الرجاء مشاركتها

  2. يقول ابو عمر اسبانيا:

    أبنائي و ليس لبناني

  3. يقول عزالدين مصطفى جلولي:

    العودة إلى الأصل فضيلة، وليست شماعة يلقي عليها الإنسان ما جنت يداه. محال أن يستحوذ عقل اصطناعي على العقل البشري إلا إذا انفصل الإنسان عمن علمه الأسماء أول مرة وأسلس قياده لآلة صنعها بيديه. الذكاء الاصطناعي وسيلة وليس غاية، هو أداة مساعدة وليس منبعا للمعرفة. المهم ألا يفقد العقل الصلة ببنه وبينه العقل الكلي إن صح تعبير الفلاسفة المحدثين، وحينما تبقى تلك الصلة قائمة وتتوطد سينتظم كل شيء تلقائيا ويحوم حول هذا المدار السرمدي. والتربية لا تنبو عن هذا المدار وإلا شردت وتاهت بين النيازك والمذنبات.

  4. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هزيمة إنسانية. إلى الأستاذة الدكتورة المحترمة ابتهال الخطيب، أنا خضت تجربة مع الذكاء الاصطناعي عندما جلست في المنزل وقررت محاولة كتابة اللغة العربية التي حُرمت منها بعد تعرضي، وأنا في سن خمس سنوات ونصف، لضرب مبرح كاد يقضي على حياتي، ولا داعي لذكر هذه المأساة للمرة العشرين. وأصبحت إنسانًا جاهلًا في كتابتي للغة العربية، وقارئًا أكثر من ممتاز للغة العربية، كيف هذا؟ الله شاهد على ما أقول. المهم، وأنا في سن 77 عامًا، قررت أن أخوض تجربة كتابة قصة حياتي، وجلست في منزلي وكتبت 750 صفحة مقاس جواب 29 × 21. وبعد انتهائي مما كتبت، قررت عرضها على الذكاء الاصطناعي لكي يتم تصليح الأخطاء الإملائية، وأقسم بالله فشل. إذن ما تفسير هذا الفشل؟ الموضوع الآخر مهم جدًا لدعم حضرتك فيما ذكرتِ في هذا المقال الجميل التنبيهي ودق ناقوس الخطر للتخلف الذي سيسببه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي للعقل البشري إذا تم الاعتماد عليه في كل شيء. عندما قرأت القدس العربي وقرأت جرائد أخرى لا داعي لذكر أسمائها، وقرأت عبارة «اكتب تعليق» في نهاية كل مقال، قررت أن أخوض هذه التجربة وأكتب تعليقًا. والحمد لله أنا ( 1 )

  5. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    أعشق السياسة، قارئ سياسة من عمر ثلاثة عشر عامًا. وتم الاتفاق بيني وبين والدي عندما عمل في روز اليوسف بعد إغلاق جريدة البلاغ، وجلس ثلاثة سنوات في المنزل حتى تم تعيينه بقرار من جمال عبد الناصر. كانت لي مجلة روز اليوسف ومجلة صباح الخير لا يمسهما أحد غيري، وأيضًا بخط والدي الجميل المحترم يكتب اسمي على المجلتين، وكانتا تصدران من روز اليوسف. وعندما تم نقله إلى جريدة الجمهورية، أيضًا بأمر من جمال عبد الناصر، كان لي كل ما يصدر من دار التحرير، وهي جريدة الجمهورية، ونفس الموضوع، عليها اسمي لا يمسها أحد من إخوتي. المهم، ابتدأت كتابة تعليقاتي على الجريدة المفضلة عندي، وكانت أخطائي قاتلة. واتصل بي ابن أخي من مصر وقال لي: عمي، مع احترامي لك، يوجد أخطاء في اللغة العربية. وقلت: نعم أعلم، ولكني لن أوقف كتابة التعليقات. وقررت أن أرسلها للذكاء الاصطناعي لكي يصحح لي الأخطاء ويضع لي الفواصل، هذا ما أريد فقط لا غير. ولكنه حاول محاولات مميتة أن يحول أسلوبي في الكتابة إلى عمل أدبي لوجود عندك خبرة وفهم جيد للسياسة. وبدون مبالغة، أكثر من خمسين مرة يحاول الكتابة نيابة عني، ولم أقبل ولن أقبل، وأشعر كل يوم بتحسن. ( 2 )

  6. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    وأنا والحمد لله ذاكرتي منذ عمر الطفولة لم أنسَ أي شيء. ومقال حضرتك يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار للأجيال القادمة، فالاعتماد على الذكاء الاصطناعي سيخلق جيلاً لا يفكر، وخريج الجامعة عليه أن يبحث عن عمل بعد التخرج، إذا كان مصريًا، في محل كشري أو محل فول أو على عربية كبدة أو بلطجي. الشيء الآخر، موضوع الذين يصلون الخمسة ركعات ويحجون ويقتتلون على رمية الجمرات ويدفعون الزكاة ويفعلون جميع العبادات، يثورون إذا ظهرت ركبة امرأة، ومع ذلك يزورون الشهادات ويفعلون أشياء أخرى، اعتمادًا على هذه الأشياء لا تُكتب عند الله. أن أقول لهؤلاء: حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، وكل واحد باسمه، وخلي الشهادة تنفعك يوم الحساب يا ساقط حساب. أما من ناحية التباهي، فعلًا الإسلام نهى الإنسان أن يتباهى، وأنا ذكرت كذا مرة أني من أسرة كانت تملك 420 فدانًا، وهذا فرع واحد، ولم أذكر أبدًا أننا من الأشراف رغم عائلتي من الاشراف، ومعي شهادة بذلك، ولكن ربنا وحده يعلم لماذا ذكرت هذا الموضوع. وكل من زعل مني بسبب ذكر هذا أقدم اعتذاري وندمي الشديد على أي شيء تسبب في إيذاء أحد. أما موضوع الغش، فابنتي الصغيرة أستاذة جامعية، وهي خريجة الجامعة الأمريكية في أثينا، ( 3 )

  7. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    وعملت في مصر في جامعة مشهورة جدًا، ولا داعي لذكر اسمها، وتم اضطهادها اضطهادًا لدرجة الجنون، والسبب أنها منعت الغش. وعندما طلب منها عميد الجامعة أن هذا ليس شأنك، ولا داعي لذكر ماذا قالت، دخلت عندهم مثل الوردة وخرجت من عندهم بسرطان، والله على ما أقول شهيد. دكتورة ابتهال الخطيب، شديد احترامي وتقديري لما تكتبين، واحترامي وحبي للقدس العربي الجميلة. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. محيي الدين أحمد علي رزق، إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9/10/1971. (على شباب الأمة الإسلامية المطالبة بتحرير فلسطين بالكامل). ( 4 )

  8. يقول أسامة جلال:

    راقية دائما يا دكتورة بفكرك ومبادئك.. تحياتي.

اشترك في قائمتنا البريدية