هزيمة في ثياب نصر: جريمة ترامب الأخلاقية وثمن حماقته وبحثه عن كبش فداء

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

توقفت الحرب التي ورط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بها أو ورطه بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فلا يهم من ورط الآخر، لأن عالمهما يتقاطعان، من ناحية عدم الاهتمام بالثمن الأخلاقي للحرب والسياسة، مثلما لا يهتمان بالمعايير الأخلافية والأعراف الدولية والنظام القائم على القانون الذي تدعي الولايات المتحدة أنها بنت معماره مع الكتلة الغربية في مرحلة ما بعد العالمية الثانية.
ونقول إن الحرب توقفت على الأقل في الوقت الحالي لأن ترامب لم يتوقف عن تهديداته أما نتنياهو فهرب إلى الأمام وبدأ بتدمير لبنان وقتلت القوات الإسرائيلية مئات اللبنانيين في يوم من الجحيم، وذلك بعدما أيقن مثل ترامب أنه خسر الحرب على إيران، وهذه الدولة التي ظل مهووسا بأسطورة تهديدها الوجودي على إسرائيل قد تؤدي إلى نهاية مسيرته السياسية، وهو ما يقوله المعلقون الإسرائيليون والساسة المعارضون له.

عقلية بدائية

ومهما كانت مآلات نتنياهو فيظل لاعبا/تابعا في فلك أمريكا، لكن الأهم هو موقف القوة الأعظم الأخلاقي، فقد أفقد ترامب بلاده في الحرب على إيران وتهديده بتدمير حضارتها بوصلتها الأخلاقية، وما قاله عن محور الحضارة الإيرانية، لم يكن مجرد جنون بل جريمة أخلاقية، كانت دعوة لمحو شعب وحضارة وتحريضا للجيش الأقوى في العالم على ارتكاب جرائم الحرب. وقد عبر فريد زكريا في لقاء مع عزرا كلاين من صحيفة «نيويويورك تايمز» (10/4/2026) عن هذا الموقف بوضوح عندما قال إنه شعر بالرعب من تغريدة ترامب التي هدد فيها بمحو شعب وحضارة، إلا أن كلاين كان واضحا أن الحضارة الأمريكية هي التي ماتت، وأمريكا التي كانت تلتزم بالقانون لم تعد موجودة فهي قابعة الآن في أنقاض الدمار الذي خلفته الغارات الأمريكية على المدن الإيرانية. وقال كلاين إن الشعب الإيراني عانى بما فيه الكفاية، ولا يستحق أن يموت تحت الأنقاض لإنقاذ كرامة ترامب.
ورد زكريا معلقا «بدا الأمر وكأن تلك التغريدة كانت تتويجا لشيء كان مستمرا منذ فترة، وهو أن رئيس الولايات المتحدة كان يتخلى ببساطة عن الثقل الأخلاقي الذي أضفته الولايات المتحدة على دورها العالمي منذ الحرب العالمية الثانية». واعترف بأن أمريكا التي ظهرت بعد عام 1945 لم تكن إمبريالية رغم ما اعترى تجربتها من النفاق، قد تغيرت الآن في عالم ترامب و«قررت أن تتصرف بجشع وأن تفرض الجزية وتمارس رؤية وحشية للهيمنة».
وعندما تتحدث عن تدمير حضارة، فإن هذا إبادة حياة وتطلعات وثقافة وكرامة شعب بأكمله، نحن نتحدث عن 93 مليون شخص. فترامب تصرف كإمبريالي جشع من القرن الثامن عشر، إنه مثل ويليام ماكنيلي الرئيس الخامس والعشرين الذي ذهب إلى الفلبين «لتحضير» شعبها. فقد أصبحت الولايات المتحدة بتعبيرات الكاتب السياسي ستيفن والت دولة «مهيمنة مفترسة» وهو تعبير يؤكد، كما يقول إيشان ثارور في مجلة «ذي نيويوركر» (8/4/2026)، عقلية سياسية راسخة تقوم على نزع الأنسنة عن الآخر، وأن ما قاله ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث، يعبر عن تفكير بدائي يجد من يدافع عنه في واشنطن ويلقى قبولا لدى قاعدة ترامب القومية، لكنه لم يحقق أيا من أهدافه في الشرق الأوسط.
ويقول ثارور إن ترامب، سيجد صعوبة بالغة في إقناع أي شخص، باستثناء أشد مؤيديه حماسة، بأن ما حدث خلال الأسابيع الستة الماضية يعد نجاحا أمريكا.
ومع ذلك فهناك من بات داخل هذا المعسكر يشكك في جدوى تجميل هذا الوضع، وأعرب أورين كاس، كبير الاقتصاديين في «أمريكان كومباس»، وهو مركز أبحاث يميني، عن أسفه على وسائل التواصل الاجتماعي قائلا: «هذه الحرب تضعف القوة الأمريكية بشكل فعلي وتزيد من الخطر على المواطنين الأمريكيين وتعرقل جهود الرئيس المهمة في معالجة تحدياتنا الداخلية العديدة، لقد أغلق ذلك مضيقا كان مفتوحا في السابق وعزز الحافز لدى الدول الأخرى للسعي وراء الأسلحة النووية، وفي هذا الخطاب الأخير جعل استخدامها أكثر منطقية». وأشار ثارور إلى استطلاع رأي أجرته مؤسسة «بيو» في الأسبوع الأخير من شهر آذار/مارس كشف أن نحو ثلثي الأمريكيين لا يثقون بقدرة ترامب على اتخاذ قرارات سياسية سليمة بشأن إيران.

نتائج محرجة

وهذا يشرح توسل أو دخول باكستان على خط الوساطة لإخراج ترامب من ورطته، وتمظهرت بخطة النقاط العشر التي كان ترامب نفسه يقول قبل يوم واحد على نهاية إنذاره إنها ليست كافية. ولا داعي هنا لتكرار ما قيل أكثر من مرة بعد موافقة ترامب على تأجيل حربه من الثمن الإنساني الباهظ الذي دفعته إيران وشعوب الخليج ويدفعه لبنان حاليا والفلسطينيون في غزة والضفة الغربية لا يضاهي النتائج القليلة التي حققتها الـ 21.000 غارة التي تباهى ترامب وهيغيسث بأنهما أمطرا الشعب الإيراني بها.
وكما تقول سوزان غليسر، في مجلة «ذي نيويوركر» (9/4/2026) والتي ركزت على الانفصام بين واقع ما يقوله ترامب وفريقه وحقيقة ما حدث، وتساءلت إن كانت هذه هي طبيعة النصر فماذا سيكون الحال لو هزمت أمريكا. وقالت إن تكاليف حماقة ترامب تتجاوز بكثير آلاف القتلى وعشرات المليارات من الدولارات التي أنفقها البنتاغون على الحرب، بدءا من مليارات الدولارات من الأضرار التي لحقت بالمنشآت العسكرية الأمريكية، ومرافق إنتاج النفط والغاز، والبنية التحتية المدنية في البحرين والعراق وإسرائيل والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وصولا إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية وخطوط الملاحة الجوية واستنزاف مخزون الدفاع الجوي والذخائر التي يصعب استبدالها. وقد تكون التكاليف طويلة الأجل والأقل وضوحا أعلى من ذلك، كما يتضح من توتر التحالفات في آسيا وأوروبا مع الحلفاء الذين رفضوا الانضمام إلى حرب ترامب، وتآكل فكرة أمريكا كقائدة عالمية. ولا عجب إذن أن يرى أنصار ترامب النصر، بينما لا يراه بقية العالم كذلك.
وتساءلت مندهشة أنه من النادر أن تلحق قوة عظمى ضررا بنفسها، كما أحدثته الحرب الحالية وبسرعة فارقة.
فقد استمرت حرب فيتنام قرابة عقدين من الزمن وامتدت الحرب في العراق قرابة تسع سنوات. أما هذا العمل من إيذاء الذات فلم يستغرق سوى ثمانية وثلاثين يوما. ومن هنا فتجربة ترامب كقائد حرب ونهايتها بالهزيمة كانت متوقعة. فعلى مدى سنوات، وضع الخبراء سيناريوهات لحرب مماثلة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بنتائج متوقعة تماما كتلك التي كانت تنتظر ترامب. ولهذا السبب لم يُقدِم أسلافه، جيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما وجو بايدن،على خوضها، ليس لأنهم، كما أشار ترامب مؤخرا، كانوا جميعا جبناء وخاسرين، بل لأنهم لم يكونوا حمقى. وتعتقد أن سبب وقوع ترامب في فخ إيران، نابع من شعوره أن الحرب ستكون قصيرة وناجحة، وكما كشف مراسلا صحيفة «نيويورك تايمز» (7/4/2026) جوناثان سوان وماغي هابرمان، من «غرفة الوضع» عن كيفية اتخاذ ترامب قرار بدء الحرب وأن أحدا من حاشيته لم يجرؤ على تحدي افتراضاته الخاطئة. وكيف اقتنع بما عرضه عليه نتنياهو من سينايوهات للإطاحة بالنظام الإيراني وإحداث ثورة والانتصار السريع. وقد تبين عند الفحص أن ما قاله نتنياهو كان «مهزلة» بكلمة الاستخبارات و«هراء» بكلمات ماركو روبيو، وزير الخارجية الذي لم يتجرأ مثل غيره من المسؤولين على تحدي قرار ترامب بالمضي مع إسرائيل في الحرب بل وأصبح أحد المطبلين.
وقالت إن سلوك ترامب خلال الحرب كان أحد أهم أسباب نتائجها المحرجة، ليس فقط أكاذيبه وتضليله المستمر حول دوافعه للحرب وأهدافه منها، بل والأدهى من ذلك، استعراضه لقوة أمريكية جامحة لا تخضع للمساءلة.
ولهذا كان الخاسر الأكبر بحسب كل العناوين الصحافية التي أعقبت وقف الحرب المؤقت وهذه عينة بسيطة:
«لا يوجد فائزون: الولايات المتحدة وإيران تدخلان في هدنة هشة» (فايننشال تايمز).
«حرب ترامب على إيران تظهر الولايات المتحدة بمظهر ضعيف أمام خصومها» (بلومبيرغ).
«لماذا ينظر إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران على أنه فشل لدونالد ترامب» (ساوث تشاينا مورنينغ بوست).
وحتى قناة فوكس نيوز، المؤيدة لترامب فقد عرضت رسما بيانيا ضخما يسرد أهداف الرئيس المختلفة التي لم تتحقق في الحرب، بينما أعلن أحد المذيعين: «مطالب الرئيس – لم نحقق أيا من هذه الأهداف». «ترامب هو أكبر الخاسرين» (مجلة إيكونوميست).
وقد خصصت الأخيرة صورة غلافها للحدث «المهمة أنجزت» في توقيع ساخر على خبر الهدنة، وقالت في الحروب منتصرون وهناك خاسر واحد، وفي الحرب الحالية كان ترامب هو الخاسر الأكبر.
وجاء في افتتاحية «إيكونوميست» (9/4/2026) أن القوة قد لا تكون حقا إن لم ترفق باستراتيجية، ذلك أن الحرب كشفت عن رؤية ترامب الضيقة بشأن استخدام القوة الأمريكية.
وتعتقد المجلة أن أفضل سبب يدعونا للاعتقاد أن ترامب لن يعود إلى الحرب هو إداركه الآن أنه ما كان ينبغي له إشعالها أصلا، فمنشوراته البغيضة التي هدد فيها بتدمير إيران تبدو وكأنها محاولات لتبرير تراجعه، فهو يعلم أن تجدد الحرب سيثير الذعر في الأسواق، وأنه بعد أن أشاد بـ«العصر الذهبي» في الشرق الأوسط، فإن لاعب الشطرنج متعدد المواهب سيخاطر بالظهور بمظهر الأحمق.
ورغم وصف ترامب حربه ضد إيران بالنصر العظيم، لكنه لا يبدو كذلك بالنظر إلى التقدم الضئيل الذي أحرزه في تحقيق الأهداف الثلاثة للحرب وهي، جعل الشرق الأوسط أكثر أمانا وازدهارا من خلال كبح جماح إيران وإسقاط النظام ومنع إيران من أن تصبح قوة نووية وللأبد. وتعتقد «إيكونوميست» (9/4/2026) في تقرير مطول أن الحرب غيرت الشرق الأوسط للأسوأ وليس للأحسن.
وقالت إن الهدنة كانت «وقفا مرتبكا لحرب مرتبكة». فقد هدد دونالد ترامب في البداية بتكثيف القصف الأمريكي لدرجة تدمير «الحضارة الإيرانية بأكملها»، ثم، قبل أقل من ساعتين من الموعد المقرر لبدء هذا الهجوم، أعلن أن أمريكا وإسرائيل وإيران ستعلق الأعمال العدائية لمدة أسبوعين، وأن إيران ستسمح باستئناف الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز. ورغم تأكيدها على خسارة ترامب إلا أنها قالت إن من الصعب تحديد أي فائز.
لقد كان الاضطراب الذي لحق بالاقتصاد العالمي هائلا، وسيستمر لبعض الوقت. لم تقتصر الأضرار التي لحقت بإيران على المنشآت العسكرية فحسب، بل امتدت لتشمل البنية التحتية المدنية والتجارية. وشهدت دول الخليج خسائر في الإيرادات وتضررت منشآت الطاقة وتأذت سمعتها في مجال الأمن والاستقرار.

نتنياهو الخاسر

كما تراجعت شعبية إسرائيل في أمريكا وخارجها. واستنزفت أمريكا مخزونها من الذخائر وأرهقت قواتها المسلحة. وستدفع المنطقة والعالم ثمن هذا الصراع لسنوات قادمة.
ومن وجهة نظر نتنياهو، مثلت الحرب انتصارا استراتيجيا في جانب بالغ الأهمية: فقد تعاونت إسرائيل وأمريكا على نحو غير مسبوق. إلا أن الطريقة التي تم بها التوصل إلى وقف إطلاق النار، بوساطة باكستان بين أمريكا وإيران، مع استبعاد إسرائيل، أوضحت طبيعة العلاقة: علاقة قوة عظمى بدولة تابعة. وقد يتعزز هذا الأمر في الأسابيع المقبلة. لن تكون إسرائيل طرفا في المفاوضات التي تسعى أمريكا وإيران من خلالها إلى التوصل إلى اتفاق دائم. سيصبح أمن إسرائيل المستقبلي رهنا بأهواء ترامب.
والأسوأ بالنسبة لنتنياهو، أنه قد يتحول من شريك إلى كبش فداء. وقالت إن التسريبات لصحيفة «نيويورك تايمز»، مع اقتراب نهاية الحرب، تشير إلى رغبة العديد من أعضاء إدارة ترامب في النأي بأنفسهم عن نتنياهو. فهم يدركون تماما أن إسرائيل باتت تحظى بشعبية متدنية للغاية بين الناخبين الأمريكيين. وقالت إن نتنياهو يرغب بشدة في أن يكون سببا في إفشال وقف إطلاق النار، ولكنه قبل كل شيء حريص على تجنب أي خلاف علني مع الرئيس. وللفوز بالانتخابات، المتوقع إجراؤها في تشرين الأول/أكتوبر، سيسعى نتنياهو لإقناع الإسرائيليين بأنه وترامب ما زالا شريكين، وأن إسرائيل انتصرت في حربيها في إيران ولبنان. مع ذلك، يبدو ترامب مصمما على إنهاء الحرب، رغم بقاء النظام الإيراني في السلطة وقدرته على ضرب إسرائيل بالصواريخ والمسيرات. بل قد يحتفظ النظام الإيراني بمواده النووية، رغم إصرار المسؤولين الأمريكيين على عكس ذلك. ولن يكون نتنياهو المعروف بألاعيبه السياسية قادرا على تحويل هذا إلى نصر.

وهم التغيير من الخارج

وبالنسبة للنظام الإيراني، فسيحاول تصوير الحرب على أنها نصر، ويبدو أنها قد عززت قبضة رجاله على الحكم ووحدت فصائله وبقي الجنود والموظفون المدنيون في مواقعهم، متجاهلين دعوات الانشقاق. وأزالت فرق الإنقاذ الأنقاض وانخفضت حالات انقطاع التيار الكهربائي والمياه عن المعتاد. ورغم الضربات على البنوك، تم صرف الرواتب. وتحول محور الغضب الشعبي من مجازر النظام ضد المتظاهرين في كانون الثاني/يناير إلى تجاوزات أمريكا وإسرائيل. وقد تضاءل الحماس الأولي للتدخل الأجنبي مع تضاؤل الآمال بانهيار الجمهورية الإسلامية، ومع اتساع نطاق القصف من الأهداف العسكرية إلى مصانع الصلب ومصافي النفط والجسور، فقد العديد من الملكيين الأمل في عودة رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير، وانصرفوا عن قناة إيران الدولية، وهي قناة المعارضة التي دافعت عن الضربات الأمريكية والإسرائيلية كوسيلة لإعادة النظام.

خيارات الخليج

وبالنسبة للدول النفطية في الخليج، يعد المضيق إما صلتها البحرية الرئيسية بالأسواق العالمية، أو صلتها الوحيدة، وعليه فقدرة إيران على إغلاق المضيق تشكل تهديدا وجوديا ورغبتها الواضحة في فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز تشير إلى الابتزاز.
قد لا تتمكن إيران من تطبيق مثل هذه الخطة في وقت السلم، ومع ذلك، يفكر المسؤولون في جميع أنحاء الخليج، في بدائل على المدى الطويل للمضيق. وتمكنت السعودية والإمارات من الحفاظ على جزء من صادراتهما النفطية رغم إغلاق المضيق، وذلك باستخدام خطوط أنابيب تربط السعودية بميناء بينبع على البحر الأحمر، والإمارات بالفجيرة، ميناء خليج عُمان، في المقابل، لا تملك البحرين والعراق والكويت وقطر بدائل للمضيق.
أما نقطة الضعف الثانية التي كشفت عنها الحرب وتثير قلق دول الخليج بشدة: اعتمادها على أمريكا التي باتت أقل موثوقية. وقد قلبت حرب ترامب هذا المنطق رأسا على عقب، بدلا من صد الهجمات، استقطبت القوات الأمريكية تلك الهجمات.
ولدى دول الخليج خيارات أخرى، بالطبع. ستعمق قطر علاقاتها مع تركيا، التي نشرت قوات في الإمارة منذ عام 2017. وستعزز السعودية اتفاقية الدفاع التي وقعتها مع باكستان في أيلول/سبتمبر. وسارعت كوريا الجنوبية بتزويد الإمارات العربية المتحدة بنظام دفاع جوي خلال الحرب، وقد تعززت العلاقات بين البلدين بشكل ملحوظ. ومع ذلك، فرغم قدرة هذه القوى المتوسطة على مساعدتهما في تنويع علاقاتهما، إلا أنها لا تغني عن قوة عظمى.

العودة إلى غزة

وفي النهاية لم يكن ترامب أو نتنياهو ليتجرءآ مرة أخرى على إيران أو لبنان لو تمت معاقبتهما على ما اقترفاه في غزة، وقال أوين جونز في صحيفة «الغارديان» (10/4/2026) إن المدنيين الإيرانيين واللبنانيين هم من يدفع اليوم ثمن صمت السياسيين ووسائل الإعلام الغربية إزاء أعمال إسرائيل في فلسطين. وقال إن ترامب في تهديداته كان يعلم أن إسرائيل قد سوت غزة بالأرض، مصرا على أنها «ليست مكانا صالحا للعيش»، عندما تحالف مع مرتكب تلك الإبادة الجماعية في حرب غير شرعية على إيران، حيث أصبح الدمار الهائل الذي حل بغزة نموذجا يحتذى به. وعلى مدى عامين ونصف، طبع السياسيون ووسائل الإعلام الغربية انتهاك إسرائيل الصارخ للقانون الدولي. وحذر معارضو الإبادة الجماعية في غزة من أن ذلك سيطلق العنان لعنف لا حدود له، وكانوا على حق. ربما لهذا السبب لم تثر أي فظاعة، مهما بلغت بشاعتها، ردة الفعل العاطفية التي كانت ستثيرها لو كان الضحايا من الأشخاص الذين تعاطفوا معهم: سواء أكانت مذبحة المدنيين الجائعين وهم يطلبون المساعدة أو الأطفال المذعورين الذين مزقتهم الدبابات أو المعتقلين الذين أبلغوا عن تعرضهم للاعتداء الجنسي.
وفي الوقت الحالي، يدفع المدنيون اللبنانيون اليوم ثمن ما فعله السياسيون ووسائل الإعلام الغربية وما تقاعسوا عنه. وسيستمر دفع الثمن – في سنوات من المجازر والدمار القادمة. وعندما تصبح الوحشية أمرا عاديا، وعندما يمحى الخط الفاصل بين المسموح به والممنوع، ولا يمكن ببساطة إعادة رسمه. وما كان يحظر قوله يصبح أمرا معتادا وما كان يمنع تصوره يصبح سياسة، ولن تقتصر الأهوال القادمة على الشرق الأوسط.

المقاومة

ومع ذلك هناك أمل بالنسبة للكاتب الأمريكي روبرت ريش الذي قال إن إيران هي درس جديد في مقاومة ترامب وتنمره. وكتب في صحيفة «الغارديان» (9/4/2026) أن إيران كانت تعرف أن قوتها لا تضاهي القوة التي يلوح بها ترامب، لكنها رفضت مطالبه، تماما كما رفضت الصين وروسيا والمكسيك وكندا وغرينلاند مطالبه. وكما رفضت هارفارد تهديدات ترامب وقاومت مينابوليس أمن الجمارك، إلى جانب كتاب ومنظمات هزموا ترامب في المحاكم. والخلاصة يقول ريش: باتت هناك الآن خطة واضحة لهزيمة ترامب، وهي متاحة لأي دولة أو منظمة أو شخص يسعى لفرض إرادته عليه، «أرفض مطالبه، ثم استخدام قوتك غير المتكافئة، شكل من أشكال الجيوجيتسو، لقلب قوة ترامب ضده».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية