قبل أيام شاهدت حلقة من أحد المسلسلات التي تعرض هذه الأيام، ودارت فيها مناقشة حادة بين أم وولدها المضرب عن الزواج. كان الشاب داخل بيئة العمل يتحدث وكأنه متأثر بفيلسوف من فلاسفة عصر التنوير الأوروبي، يزن أفكاره بحذر شديد، ويواجه ضغط العائلة بمنطق يبدو صارماً من الخارج، لكنه في بنائه الدرامي الداخلي كان هشاً ومحاطاً بموسيقى تصويرية ساخرة تنتقص من جدية الشخصية ومن عمق أسئلتها.
انتهى المشهد وبقي يعمل في ذهني، تذكرت الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الرجل الذي غير شكل الفلسفة الأوروبية كلها، وأعاد تعريف العقل نفسه، والذي قد تبدو بعض تفاصيل حياته الخاصة للوهلة الأولى أقرب إلى الطرفة منها إلى الحقيقة.
كانط ليس اسماً عابراً في تاريخ الفكر، إنه أحد أعظم العقول التي مرت على أوروبا، والرجل الذي تشكل بعده جزء كبير من الفلسفة الحديثة كما نعرفها اليوم.
في كتبه الكبرى، نقد العقل المحض ونقد العقل العملي ونقد ملكة الحكم، لم يكن يكتب أفكاراً عابرة أو تأملات عامة، كان يحاول أن يفهم حدود العقل البشري نفسه: كيف يعمل، ومتى يخطئ، وما الذي يستطيع أن يبلغه وما الذي يعجز عنه. كان يتعامل مع العقل كقوة مركزية في حياة الإنسان، وليس من كونه ترفاً ذهنياً، العقل بالنسبة له أداة فهم العالم واتخاذ المواقف داخله.
عاش حياته في مدينته الصغيرة كونيغسبرغ. لم يكن محباً للترحال، ولم يغادرها تقريباً. كانت أيامه تمضي بين التدريس والكتابة والمشي والتأمل، بنظام صارم يكاد يتحول إلى طقس يومي. لكنه، وسط هذا الانضباط الفكري الهائل، مر بتجربة إنسانية عادية جداً: فكر بالزواج.
يروي في مذكراته أنه التقى امرأة ووجد نفسه مأخوذاً بها، ثم بادرت هي وعرضت عليه الزواج بعد محاولات لاستمالته إلى الفكرة. وعدها بأنه سيفكر في الأمر. لم يرفض، ولم يقبل. فقط قال إنه سيفكر. ثم مضت الأيام، والأيام التي تلتها، وتحول التفكير إلى سنوات. سبع سنوات كاملة ظل فيها يراجع الفكرة بعقله المعتاد على التحليل والتركيب. كان يضع الأسباب التي تمنعه، ثم يعود ويكتب الأسباب التي تدفعه. وفي النهاية، خرج بحصيلة تكاد تكون مذهلة: ثلاثمئة وخمسة وأربعون سبباً تمنعه من الزواج، مقابل ثلاثمئة وخمسين سبباً تؤكد وجوبه.
وحين حسم أمره أخيراً وقرر الذهاب لطلب يدها، أعطاه والدها عنواناً جديداً، ثم أبلغه بنبرة لا تخلو من تهكم إنها انتقلت إلى منزلها الجديد مع زوجها وطفليها.
لم يورد كانط هذه الحادثة بوصفها طرفة، ولم يكن يسخر من نفسه، كان جاداً تماماً، كما كان جاداً في كل شيء. وربما لهذا السبب بقيت القصة حية ومثيرة إلى اليوم؛ فهي لا تكشف فقط عن شخصية استثنائية بالغت في التأمل، بل تفتح سؤالاً أوسع عن علاقتنا نحن بالوقت، وبالقرار، وبالمسافة الفاصلة بين العقل والعاطفة.
نحن نعيش زمناً مختلفاً تماماً. العلاقات تتشكل بسرعة خاطفة، والوعود تقال بسهولة، والقرارات المصيرية تتخذ أحياناً تحت اندفاع عاطفي لا يمنح العقل وقتاً كافياً ليفهم أو يتأمل. والغريب أن هذه السرعة لم تعد تثير دهشتنا كما ينبغي. نباركها غالباً، ونعدها طبيعية، حتى حين تنتهي بنتائج واضحة من الفشل أو الفراق. في المقابل، يثيرنا البطء، وننظر بشك إلى من يتأنى كثيراً، أو من يراجع نفسه مراراً قبل أن يقرر.
ربما لهذا تبدو قصة كانط غريبة ومضحكة للبعض. لكن إذا تأملناها جيداً سنجد أنها تضعنا أمام مفارقة دقيقة: لماذا نستفز من كثرة التفكير أكثر مما نستفز من قلته؟ ولماذا نعد التسرع علامة حياة، بينما نعامل التأني وكأنه عيب أو تردد أو خوف؟
بالطبع، هذه ليست دعوة للعزوبية، وليست دفاعاً عن تحويل الحياة إلى معادلة زمنية. لا أحد يستطيع أن يعيش بالعقل وحده، تماماً كما لا يستطيع أن يعيش بالعاطفة وحدها. لكنها دعوة للتوازن، إلى أن نمنح عقولنا حقها قبل أن نسلمها بالكامل لاندفاع القلب، وإلى أن نقاوم كسل التفكير حين تصبح العاطفة في أوج نشاطها وعنفها.
ربما لم يتزوج كانط في النهاية، وربما أخذ من التفكير أكثر مما يحتمله قلب عادي، لكن عبارته الأشهر بقيت حية حتى اليوم، كوصية إنسانية تصلح لكل زمن:
ولتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم.
استاذة شهد
بعد التحية،
باتت مقالاتك دائما مغرية بالقراءة، وربما لعدة مرات …
أقولها بكلةعناقة … لا فُض فوك استاذتنا الرقيقة
جميل لكن الزواج شيء جميل ، قبل كنت ضد الفكرة لكن اليوم غير ههه
.. ثلاثمئة وخمسة وأربعون سبباً تمنعه من الزواج، مقابل ثلاثمئة وخمسين سبباً تؤكد وجوبه… الحياة تجدد مستمر و لا تنتضر احد
لك الشكر و التحية.
مقالك مزج بين القلب العقل و إيجاد التوازن بينهما.
انها الوسطية و لو تأملنا لوجدنا أن كانت يدعونا إلى التفكر و لقد سبقته دعوة إلى التفكر :”أفلا يتفكرون” “أفلا يعقلون” “أفلا يتذكرون”… .
على كل ما تركه لنا كانت هو جزء من تركة زواج ابيه بأمه.
في كل شي لا بد من التريث و لا بد من العزيمة.
الزواج ليس علاقة استهلاكية، هو يبنى على المودة والرحمة. و به تستمر الحياة. و متى لم نوفر جوانب الزواج صار سلعة و قد نجد من يقاطع هذه السلعة.
لكن الزواج هو علاقة مقدسة.
{تذكرت الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الرجل الذي غير شكل الفلسفة الأوروبية كلها} اهـــ
هذه العبارة تكررت كثيرا في الأوساط الإعلامية، ولم يتطرق إليها أحد أو يكاد في الأوساط الفلسفية..
وتلك هي من كبريات إشكاليات الأقلام “العربية” اللافلسفية حين تخوّل لنفسها الكتابة عن الفلسفة..
أما عن الأسباب الجوهرية في عدم زواج كانط فيبدو أنه حصرها هو ذاته بشكل غير مباشر في ثلاثة:
العسر أو اللااستقرار المالي، وفوات السانحات في أوقاتها، والاعتزال أو التكريس الكامل للفلسفة ذاتها..
لكنه عبّر عن “تبرير” انكفائي لعزوبيّته الدائمة في تصريح طريف بما معناه على النحو التالي –
حينما كنتُ أستطيع الاقتران بزوجة، لم أكن أستطيع أن أعيلَها،
وحينما كنتُ أستطيع إعالة زوجة، لم أكن أستطيع أن أقترن بها !؟
في موضوع الزواج أظن جازما ان لا حل يرجى لفك شيفرة اشكالية هدا الامر “الجلل” دون استحضار عقد اخلاقي يكون محتاج فقط الا الى نصاب متواضع جدا من العقل والمنطق و لا يحتاج إطالة التفكير فيه لسنوات ..قد تظن بعض الافكار العبتية ان الزواج عرف متوارت فرضته سلطة الدين وقوانين المجتمع عبر العصور يجب ان لا يتعارض مع الطبع الغريزي البيولوجي للانسان أو تجعل له قيود على غرار الكائنات الاخرى المتحررة !!؟ ( أو هكدا ايضا تزعم المدرسة “الرضائية”ويلمح به العقل التائر والمنطق الخالي من المبادء او العقائد ) اما كانط فعلا استطاع ان يوفق بين نظرية العقل والتجربة . ،لكن هل تم من مفكر كبير استعان في حياته بتجارب مختلفة ومريرة في هدا الموضوع الشائك حتى يحلل ما وراء العقل الناضج ويخرج معادلات حتمية لنجاح هدا الامر او رسوبه ويدعم بدلك نظريته !!؟ تم ان من التجارب لا ينمو الا بصراع الدات مع المجتمع واختلاف المكان والزمان والاحدات وهدا صعب لان العقل والتركيز كتيرا ما يتضرر هو الاخر بالتجارب الشاقة المريرة وهده اشكالية اخرى مرتبطة بنوع من النظريات التي ربما كانت محتاجة فعلا لتكمل نضجها هي الاخرى على الحدود القصوى للمعانات او على حافة اتعس المجتمعات دون أضرار فكرية جانبية او اديواوجية……..يتبع رجاءا
كانط كان يرى انه لا يجب ان نجعل للميتافيزيقا من بعد معرفي للعقل بينما ..هنا لم اعرف لمدا لم يدرج البعد التجريبي في دلك . !!؟ (حقيقة لم ابحت جيدا في هده النقطة ولكني متاكد انه تغاضى عن الامر ) أما من سبيل الدعابة بخصوص إطالة التفكير في امر الزواج ….يحكى على ان ابن بطوطة كان كتيرا ما يتزوج في كل بلدة حل بها زائرا …ويمضي الى أخرى !! أظن انه كان من النوع الدي لا يطيل التفكير كتيرا قبل ان يتزوج…(ومن يدري ان إطالة السفر تغني عن إطالة التفكير ..) لدلك قد جعل الله عاطفة تواد الدكر والانتى في صلبهما وميولهما الطبيعي لكن ترك لهما الزواج شرعا اجتماعيا وعقدا اخلاقيا غليظا تتبتلى حدود الصبر فيه وتمحص عند الجماعة والافراد والاسرة على حد السواء دلك حتى يستمر نسل البشر في الاتجاه العقلاني للطبيعة وتكاتر الانسان في ميزان تابت يحتدم فيه الصراع بين سلطان الغريزة والعقل وبين سلطة العرف و الاخلاق …فكان الدين هو المصدر المنزل للاخلاق في النفس البشرية …وهدا ما قد اختلف فيه مع كانط ….الدي كان يرى ان الاخلاق الحقيقية هي التي يجب ان تنبعت فقط من دوات الانسان ومن داخله ليسمو المجتمع…..يتبع
تم يقول باختصار شديد ان الاخلاق ليست هي كل سلوك في حقيقة امره مرده الى الطمع او النفع او الخوف سواء مع المجتمع او مع القانون او الدين ….نعم صحيح ليس هناك من عمل بريء في اخر المطاف..لكن اقول ليست هناك اخلاق وسلوكيات انسانية مجردة يمكن فصلها عن طبيعة الخلق البشري والتي قد تصمم خارج طبع الخوف والطمع …بل ليس هناك من وازع نفسي وسيكولوجي داخلي محايد اتبتته تجربة ما يمكن ان يحفز الكاىن البشري لممارسة الاخلاق تلقائيا !! ..مهما وصلت درجة صفاء سريرته …وإن وجدت فدلك حتما هو لملاك كريم مرسل وليس لبشر ….اما الزواج فهو على العموم شر لا بد منه….
أصحاب النزعة الفلسفية فيهم لوثة عقلية ونفسية فيحجمون عن الزواج. وإلا الزواج هو بحد ذاته فلسفة للحياة بل ويجعل بهلول فيلسوفا.. فالمرأة
أعظم أستاذة للفلسفة.
مقال ممتاز وشيق استاذة. قصة تحمل من العمق الكثير.