هل الحاكم العربي مريض عقليا؟

حجم الخط
13

هل يصلح الاقتتال الدموي في السودان، اليوم، كنموذج، لفهم التحولات العقلية والنفسية التي يمر بها الساسة والحكام بعد استلامهم السلطة واستعدادهم للتضحية بحياة الناس ثمنا لتشبثهم بها؟
ما هو سبب التحولات التي نشهدها في معظم حكامنا، حتى المُنتخبين منهم، من دعاة تغيير وإصلاح إلى عكس ذلك بشكل جذري، حالما يستحوذون على السلطة، بحيث لا يعود بالإمكان التعرف عليهم، ويبدون كأنهم يقطنون عوالم أخرى بعيدة عن الواقع وعن الشعب الذي يدُعون تمثيله؟ هل صحيح إن تغير طبيعة الحاكم مردها كثرة الضغوط المعادية من الداخل والخارج؟
تشير عديد البحوث العلمية، خاصة في العقدين الأخيرين، إلى أن هناك عاملا أساسيا للتغير غالبا ما لا نتطرق عليه أثناء التحليل السياسي وهو التغير الفعلي، عقليا، لممارسة السلطة والتي يمكن أن تشوه التفكير وتخلق تغييرات شخصية في القادة تؤثر على صنع القرار. فهل الاستحواذ على السلطة إدمان كما هو الإدمان على المخدرات؟ وأن رفض القائدين السودانيين الإصغاء لدعوات وقف الاقتتال وصيانة حياة المواطنين، يعني رفض التخلي عن المُخدر؟
لا يقتصر الحال على السودان فقط. هناك أمثلة كثيرة، في بلداننا العربية، وعدد من الغربية، لحكام تبدو عليهم أعراض تدهور سلوكي تثير الحيرة حالما يستحوذون على السلطة. فمن كان إنسانا حريصا، في خطابه، على رفاهية شعبه والدعوة الى تطبيق القوانين، وتنظيف البلد من مضطهدي الشعب وسارقي أمواله، سرعان ما يتحول إلى دكتاتور صغير لا يستمع لغير نفسه ولمن يردد له ما يريد سماعه. وغالبا ما يُنظر إلى التغير من منظور البحوث الاجتماعية والتنافس السياسي والدفاع عن الهوية القومية والدينية بدون الرجوع إلى البحث العلمي. فما الذي تخبرنا إياه الدراسات العلمية عن سبب التغير، بين ما قبل استلام السلطة وما بعدها؟
تبين لنا مراجعة البحوث العلمية في مجالي دراسة الجهاز العصبي والنفسي، أن هناك تفسيرين. فمن ناحية التغيرات في الجهاز العصبي، يعزو نايف الروضان، العالم المتخصص بالجهاز العصبي والأستاذ بجامعة أوكسفورد، السبب إلى ما تحدثه السلطة من تغير كيميائي عصبي في الدماغ يزيد من إفراز مادة الدوبامين التي تؤثر على مناطق معينة في الدماغ فتتحكم بمشاعر السرور والتحفيز والمكافأة، وترتبط المستويات العالية من الدوبامين بالشعور بالقدرة الشخصية، والمخاطرة، والانشغال بالكون أو الدين، والانفصال العاطفي الذي يمكن أن يؤدي إلى القسوة، والهوس بتحقيق الأهداف والفتوحات. السلطة، إذن، تنشط أنظمة المكافأة العصبية في الدماغ، وبالتالي تسبب الإدمان. فمن المحتمل أن يفتقر الأشخاص الذين يشغلون مناصب ذات سلطة، غير مقيدة، إلى الوعي الذاتي المطلوب للتصرف بضبط النفس أو السعي للحصول على شكل توافقي حول اتخاذ القرار. لذلك من المرجح أن يظهر الديكتاتور في المواقف التي لا توجد فيها الضوابط والتوازنات. فتُصبح الوحشية وعدم الاحترام لمواطني الدول التي يحكمها زعماء يتمتعون بسلطة مطلقة هي القاعدة.

إن الأشخاص الواقعين تحت تأثير السلطة يشبهون من الناحية العصبية الأشخاص الذين يعانون من إصابات أو رضات دماغية

ويستطرد الروضان بتقديم نموذجين غربيين وإن كانا ينطبقان، أيضا، على حكامنا وساستنا في البلاد العربية. قائلا يمكن للسلطة المطلقة أيضًا أن تقود إلى الاعتقاد بأن القوة الروحية توجههم حتى داخل الديمقراطيات الراسخة. كما تحدث الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الناس قائلا إن الله تعالى أراده أن يشن حربًا على العراق لمحاربة الشر، وهو ذات الخطاب الذي تبناه حليفه في حرب العراق، رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. ويخلص الروضان إلى أن اليقين الذي يمتلكه مثل هؤلاء القادة هو من أعراض إفراز مستويات عالية للغاية من الدوبامين إلى حد الإصابة بجنون العظمة، نتيجة لخداع الذات في مواجهة النصائح المتضاربة من المُقرّبين.
أما التفسير الثاني، فقد تناوله فاروق أدامو كبروجي، البروفسور النيجيري الأمريكي، في بحثه المعنون « لماذا تُدمر السلطة السياسية الدماغ « الذي يركز فيه، كمثال، على تحول الرئيس النيجيري بوهاري من إنسان يتحدث باسم الفقراء والمهمشين داعيا إلى القضاء على الفساد إلى دكتاتور يمارس ما كان يحث الشعب على الثورة ضده. كما يتناول، من باب المقارنة، تغير سلوك المسؤولين المتعجرفين حالما يتم إبعادهم عن مراكز السلطة لسبب ما. فيعودون فجأة إلى طبيعتهم الأولى. يشاركون الشعب آلامه ويدينون إساءة استخدام السلطة. وهو ما نراه بوضوح مذهل في عراق اليوم، بين ساسة الأحزاب المتنافسة على السلطة والمسؤولين الحكوميين، الذين يصبحون حالما يتم طردهم من مناصبهم، أنقياء يدينون الفساد ويُبشرون بالتقوى.
يتبنى كبروجي دراسة داتشر كيلتنر، أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا، التي أجراها على أدمغة أشخاص في السلطة، فوجد أن الأشخاص الواقعين تحت تأثير السلطة يشبهون من الناحية العصبية الأشخاص الذين يعانون من إصابات أو رضات دماغية. حيث أن المصابين بالرضة الدماغية هم «أكثر اندفاعًا وأقل وعيًا بالمخاطر، والأهم من ذلك أنهم أقل مهارة في رؤية الأشياء من وجهة نظر الآخرين، أي أن السلطة تسبب فقدان القدرة على التعاطف مع الآخرين».
وكان لورد ديفيد أوين، الطبيب المتخصص بالجهاز العصبي والسياسي البريطاني المخضرم، قد كرس كتابه «في المرض وفي السلطة» لبحث أمراض رؤساء الحكومات والشركات والقادة العسكريين من 1901 إلى 2007. آخذا بنظر الاعتبار كيفية تأثير المرض والعلاج – الجسدي والعقلي – على صنع القرار من قبل رؤساء الحكومات، مما يؤدي إلى الحماقة أو الغباء أو التسرع. إهتم أوين بشكل خاص بالقادة الذين لم يكونوا مرضى بالمعنى التقليدي، والذين كانت قدراتهم المعرفية تعمل بشكل جيد، ولكنهم طوروا «متلازمة الغطرسة» التي أثرت بقوة على أدائهم وأفعالهم. حيث يعانون من فقدان القدرة على التعاطف ويصبحون مفرطين في الثقة بالنفس ويحتقرون النصائح التي تتعارض مع ما يؤمنون به، أو في بعض الأحيان لأي نصيحة على الإطلاق.
ويأخذنا نايف الروضان إلى نمط مرضي يعاني منه معظم الحكام العرب الملتصقين بالكراسي، ويؤكده الاقتتال الحالي بالسودان، ويعيشه المواطن، وهو «أن الانسحاب المفاجئ للسلطة، مثل الانسحاب المفاجئ من المخدرات، ينتج عنه رغبة ملحة لا يمكن السيطرة عليها، فإن أولئك الذين يمتلكون السلطة، وخاصة السلطة المطلقة، من غير المرجح أن يتخلوا عنها عن طيب خاطر، بسلاسة ودون خسارة بشرية ومادية».

كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    معظم قادة العرب نرجسيين بطباعهم , و هوائيين !
    أي عندهم نظرة فوقية على شعوبهم !!
    و لا حول و لا قوة الا بالله

  2. يقول عابر سبيل:

    الحاكم العربي ليس مريض عقليا بل الشعب العربي هو المريض عقليا لأن الحاكم العربي يحكم ويخطط وينهب ويسرق على مرأى شعبه. والحاكم العربي ليس بالمريض أخلاقيا، لأنه ليس لديه أخلاق، وهو ليس بالإنسان السوي لأنه لا يتعظ بغيره … العلة تكمن بالشعوب الذي تقبل مثل هذا الحاكم ..

    1. يقول دياب العلي:

      صدقت و رب الكعبه

  3. يقول تاريخ حروب الغرب وأتباعهم:

    لو كانت السلطة أمانة ومسؤولية يسأل عنها الناخب والمنتخب، ولا يتحرر نهاية الولاية إلا بمحاسبة شاملة، وعقوبة رادعة للغير على التفريط والإفراط لما تقدم لذلك أحد. ولكن مدعوما ومحاطا بطواقم تسلط واستبداد تنقض على الضحية عند سماع الصفارة لأجل المرتب وتتغول تعسفا للحفاظ على مداخيلها، وتتسع الدائرة بتجار ومستثمرون وفنانون وراقصات مؤيدون لراعي أمنهم وأمانهم، يهمهم أوضاع وظروف تحفظ مصالحهم الاقتصادية، وشعوب تعذر نفسها خوف البطش والقمع والأحكام التعسفية تتشكل هناك دولة ذات سيادة “استقرار مرهون بدعم دولي ذو مصالح، وصبغة وتواطؤ طبقات، وخنوع طبقات وتسليمها للأمر” وحاكم يصفق له وتلوح الأعلام والمعزوفة العسكرية والرقصات الشعبية ويسبح بحكمته ورشاده وحنكته ويمن تحمله أعباء الحكم والسياسة وإدارة البلاد!

  4. يقول عبد الكريم البيضاوي ( السويد ):

    موضوع جيد ومفيد, شكرا لك. المثال لايخص العراق وحده بل كل المنطقة.

    1. يقول عبد الكريم البيضاوي ( السويد ):

      قصدت بتعليقي أعلاه زعماء أحزاب سياسية كذلك, أما عن الحكام فالمشهد واضح.

  5. يقول S.S.Abdullah:

    المُستثمر في إنتاج أي شيء، يُهان بفلوسه، من أجل إذلاله لدفع خُمس فلان أو علان من مافيات العالات، أصحاب كرسي سلطة إدارة وحوكمة المحافظة الفلانية أو الوزارة العلانية،

    غير عن الضرائب والرسوم والجمارك التي بلا منطق أو سبب لتوفير أي خدمة مقابل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله،

    بسبب مفهوم أنت ومالك وأسرتك وشركتك مُلك الدولة/التأميم أو السرقة القانونية تحت تبريرات وأكاذيب أمنية/عسكرية والدليل أهل فلسطين في واحة الديمقراطية (الكيان الصهيوني)، أليس كذلك، أم لا؟!

    ولذلك أشكرك على إرسال هذه المعلومات،

    جميل ما قدمه (محمد منذر البطة)

    https://youtu.be/XCDc7EQ7sRQ

    عن معركة (الكرامة)، أرجو أن يكون ذلك، من أجل عودة مفهوم (المقاومة)، إلى قاموس لغة ممثلي السلطة والإدارة والحوكمة،

    أو ما هو التسويق، في مجال الإعلان/الإعلام، عن بُعد؟!

    https://youtu.be/zWh6yU6Pkds

    وما علاقة ذلك، بما قاله الوزير الأردني السابق، في الرابط؟!

    وما الفرق بينه، وبين الدعوة، إلى الله؟!

  6. يقول S.S.Abdullah:

    وما هي (هدية الدولة) أو تدوين لغة (الحضارة الإنسانية) في أي مجتمع؟!

    أو دورة صالح لتغيير عقلية كل موظف/مسؤول، لمدة أسبوع خمس أيام عمل في تايوان، لتغيير أو غسل مخ عقلية الجباية الربوية، وتحويلها إلى عقلية الحاجة أم الاختراع، في لغة الإنتاج، بدل لغة العالة،

    ولذلك أحسنت يا أبا ياسر، ما شاء الله، بلال الحجيلي وأخوه إبراهيم الحجيلي مثال عملي،

    لمفهوم (لغة القرآن وإسلام الشهادتين)، أساس مناهج تعليم (بقية اللغات الإنسانية) على أرض الواقع، والحمدلله ??
    ??????

  7. يقول داود. الاردني:

    المريض الحقيقي هي الشعوب العربيه التي رضيت بأن يحكمها هذا الشخص

  8. يقول Ayman Jarida:

    الحاكم العربي ليس مريض نفسي بس المتعوس ميت على الفلوس

  9. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شمرًا أختي هيفاء زنكنة. مقال ممتاز في الحقيقة لكن هذه ربما النظرة الفيزيولوجية للحاكم العربي. وبالإضافة إلى ذلك فإن الدراسات النفسية والإجتماعية والفكرية سوف تبين ماهو أفظع. والأمثلة ليست بقليلة، بشاون أسدوف مثلًا!
    طبعًا بالإضافة إلى ذلك هناك حكام في دول أخرى مثل دولة الإحتلال الإسرائيلي أو بوتين في روسيا ..، ولو أنه موضوع أخر.

  10. يقول Surgul Al jaff:

    احسنت وسلمت اناملك عزيزتي بالفعل كلامك صحيح العتب يقع على الشعوب لانها هي التي تمنح الرئيس او الحاكم كل هذه القوة والتسلط والغطرسة حتى يصبح دكتاتور.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية