هل تتكرر الحرب الأهلية الأمريكية؟

الحرب الأوكرانية التي كان وقوعها مستبعداً من قبل كثير من الذين كانوا يراهنون على أن روسيا لن تجرؤ على هذا الفعل المتهور، تجعلنا لا نستهين بأي قراءة مستقبلية، خاصة حينما تأتي من قبل خبراء مختصين وجادين. يدخل في هذا الباب احتمال اندلاع حرب أهلية في الولايات المتحدة، الذي طرحته الباحثة السياسية الأمريكية وعضو مجلس العلاقات الخارجية باربارا والتر في كتابها الصادر بداية هذا العام: «كيف تبدأ الحروب الأهلية وكيف نوقفها؟».
أمضت والتر ردحاً طويلًا من حياتها الأكاديمية في دراسة أسباب ومآلات الحروب الأهلية على مستوى العالم، وهو ما أكسب كتابها أهمية علمية ورواجاً. في تعليقها على قول البعض إنهم لا يشعرون بنذر هذه الحرب الأهلية التي تتحدث عنها، كانت والتر تقول، إن الناس في العادة لا يشعرون بذلك إلا بعد فوات الأوان. مجلة «ذا نيويوركر» في تعليقها على الأفكار الواردة في الكتاب شبهت هذه الأمر بتحذيرات المختصين حول موضوع الاحتباس الحراري، الذي أخذنا وقتاً طويلاً قبل أن نتعامل معه بجدية.
تقول والتر إن القراءة المتأنية لديناميكيات الحروب الأهلية تخبرنا أن الحروب والنزاعات العرقية ليست مخاطر مقتصرة على العالم الثالث، بل هي نزعات لها أسباب واشتراطات اجتماعية معينة، وتتحقق إذا ما اجتمعت وتوافرت هذه الاشتراطات في أي بلد، وإن كانت الدولة الأكبر التي كانت كثيراً ما تلعب دور شرطي العالم. ليس في كل هذا مبالغة، فهناك بالفعل اليوم وجود لميليشيات يمينية مسلحة في جنوب غرب ولاية تكساس، وقد قامت سابقاً بعمليات كالتخطيط لاختطاف حاكم ميتشغان، كما أن الجميع يتذكر حادثة اقتحام مناصري الرئيس السابق دونالد ترامب لمبنى الكابيتول، واستعدادهم لممارسة العنف من أجل التعبير عن رفضهم لنتيجة الانتخابات. هذا المشهد الغريب والعنيف كان من أسباب أخذ أطروحة والتر على محمل الجد. تعتمد والتر على تقسيم الدول إلى ثلاثة أقسام: فبالإضافة إلى «الديمقراطية» وعكسها «الأوتوقراطية» أو الاستبداد، فإن هناك ما يسمى بالدول «الأنوقراطية» وهي منزلة بين المنزلتين. وفق نظريتها، فإن احتمال نشوب حرب أهلية ضعيف في القسمين الأولين، لكنه وارد في القسم الثالث، الدول «الأنوقراطية» التي هي ليست استبدادية تماماً، لكنها أيضاً ليست ديمقراطية كاملة وهو ما ينطبق على عدد كبير من دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، التي بدأ خبراء بالتحفظ على مسارها الديمقراطي، خاصة على تدخل الاستخبارات في الانتخابات، إضافة إلى ما اعتبروه تضخماً لدور الرئيس على حساب صلاحيات الكونغرس. كانت الحرب الأهلية الأمريكية قاسية وكذلك كل الحروب الأهلية التي راح ضحيتها الملايين من البشر في أكثر من بلد، لكن المتوقع أن تكون الحرب المقبلة أشد قسوة، لأنها لن تكون بين جيشين بقدر ما ستكون حرباً شاملة يختلط فيها المدني والعسكري، وذلك نتيجة لأثر وسائل التواصل الاجتماعي، وقدرتها على صب الزيت على النار وتعزيز خطاب الكراهية. هذا يجعل الوقوع في الحرب عملاً أسهل بكثير مما كان عليه الحال في أواسط القرن التاسع عشر. للتأكد من الأثر السلبي للإنترنت، يمكن النظر لاستفادة الأحزاب والحركات اليمينية الأوروبية منه لنشر خطابها، ونجاحها في تكوين قواعد انتخابية مؤثرة وهي التي كانت مجرد مجموعات معزولة قبل عقود. الحديث عن الانفصال رائج في الولايات المتحدة، فقبل أعوام دعت الكاتبة بونني كريستيان لتقسيم أمريكا لسبع دول، ومؤخراً قال السيناتور الأمريكي الجمهوري عن ولاية تكساس تيد كروز، إن على الولاية أن تأخذ بترولها ووكالة ناسا الفضائية وتغادر الاتحاد. تصريح تيد كروز مهم، فصاحبه سياسي معروف وذو خلفية أكاديمية مرموقة في مجالات السياسة والقانون. في الواقع فإن الخطاب الانفصالي شائع في أدبيات الجمهوريين الذين يرى كثير منهم، أن التفاهم مع الديمقراطيين الذين يمثلون اليسار الأمريكي صعب وأن من الأفضل العمل على تقاسم المناطق.

الخطاب الانفصالي شائع في أدبيات الجمهوريين الذين يرى كثير منهم، أن التفاهم مع الديمقراطيين صعب وأن من الأفضل العمل على تقاسم المناطق

في مقالهما في عدد الأسبوع الماضي من مجلة «نيوزويك إنترناشيونال» قام كل من سام هيل وهاك غيلمان بمحاولة لتتبع الآثار الاقتصادية لتحقق ما سمياه بالطلاق الذي لا يمكن إدارته. اعتبر المقال الاستشرافي أن التقدير الدقيق لحجم الخسائر المتوقعة للحرب سيكون صعباً، لكن الأكيد هو أنها ستكلف الملايين من القتلى والترليونات من الدولارات. لتوضيح كم أن الحرب الحديثة مكلفة استعان الكاتبان بدراسة معهد واتسون التابع لجامعة براون، الذي قدّر تكلفة الحرب الأمريكية على «الإرهاب» عقب أحداث سبتمبر/ أيلول بثمانية ترليونات دولار على صعيد الإنفاق العسكري وحده. يستشهد المقال أيضاً بالنتائج الكارثية للحرب الأهلية اليوغوسلافية وتأثيراتها الواضحة وفق المؤشرات الاقتصادية على نسب الناتج المحلي ومعدلات البطالة. حتى بافتراض أن ذلك الانفصال سوف يتم بشكل سلمي، يقول الكاتبان، فإنه ستظل هناك تكلفة كبيرة لعملية تقسيم المؤسسات وخطوط النقل والشركات، كما أنه ستكون هناك لا محالة خسائر على مستوى الاقتصاد العالمي، الذي تمثل الولايات المتحدة عموده الفقري. بالنسبة لعامة الناس فإن المصاعب سوف تبدأ بموجة الغلاء الطاحن والندرة، ولن تنتهي بالتعقيدات الحياتية الأخرى من قبيل السفر بين الدولتين، أو اغتنام فرص العمل، حيث يتمتع الأمريكيون اليوم بفرص واسعة بالاستفادة من حجم دولتهم القاري، وكثيراً ما يلجؤون إلى التنقل بين الولايات بحثاً عن فرص أفضل. هذا كله سوف يتقلص بدرجة كبيرة مع نشوء دولة أو مجموعة دول جديدة. يفنّد المقال أيضاً الفرضية التي تقول إن الانفصال سوف يكون مفيداً لجهة تخفيض الضرائب على المواطنين، حيث يخلص إلى أنه على العكس من ذلك يتوقع أن تتزايد الضريبة، ويضرب مثالاً بالإنفاق الحربي، حيث ستجد الولايات المنفصلة نفسها مجبرة أولاً على الحفاظ على ترسانتها النووية، وثانياً على تطوير أسلحتها بما يشكّل ردعاً لتهديد الجار الجديد.
الدعاية للحق في الانفصال خطيرة، لأن الصراع قد لا يكون على طريقة الحرب الأهلية الأمريكية التاريخية، منحصراً في التباين بين ولايات الشمال والجنوب، أو بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل قد ينشأ عن هذه الدعاية انفراط مشابه لما حدث في المحرقة اليوغسلافية، التي بدأت حينما تنبه ميلوسيفيتش بعد استقلال البلاد إلى أن حظوظه في الفوز بالانتخابات كشيوعي سابق ضئيلة في ظل كراهية الناس للشيوعية، وأن من الأربح له سياسياً أن يحشد الجماهير على أساس العرق الصربي والعقيدة الدينية. هل يحل الانفصال مشكلة الاختلاف في وجهات النظر؟ من الناحية الرومانسية يمكن الإجابة بالإيجاب وتصور دولتين يسكنهما سكان متفقو الرؤى، لتبقى مجموعة العرق المسيحي البروتستانتي الأبيض في جهة، في حين يبقى الآخرون الملونون ومتعددو الأديان والتوجهات في جهة أخرى، لكن الواقع والقراءة المتأنية لتجارب الانفصال بسبب الخلاف الأيديولوجي يخبراننا كم أن هذه النظرة خاطئة. كنا نظن أن الأمريكيين يعرفون هذه المخاطر أكثر من غيرهم بسبب متابعتهم، أو رعايتهم، لعدد من تجارب الانفصال. يمكن أن نتساءل، على سبيل المثال، عن مصير الملونيين أو غير البروتستانتيين في ولايات الغالبية البيضاء. هنا لا يمكن للإنسان إلا أن يفكر في مثال القارة الهندية، فعلى الرغم من التطهير والتهجير ومحاولة التقسيم على أساس هوياتي، إلا أن كل ذلك لم ينتج مجتمعات «نقية» وظلت المنطقة تعاني من التطرف والتوتر.
كاتب سوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية