لماذا أعلن الجناح العسكري لحركة حماس عن مشاركة خمس وثلاثين مسيرة انتحارية من طراز «الزواري» في عملية طوفان الأقصى، التي انطلقت في السابع من أكتوبر الماضي؟ لا شك في أن ذلك كان بدافع الوفاء لروح المهندس التونسي، والحرص على توجيه تحية إكبار لما قام به، قد يرد البعض، لكن أليس من الوارد، ولو بوجه من الوجوه، أن يكون الغرض منه توجيه رسالة إلى المحتل الصهيوني بأن جزءا من أعمال المقاومة قد تكون تنفيذا للوعد الذي قطعته على نفسها، قبل سبع سنوات من الآن، بأن «دماء القائد – أي الزواري – لن تذهب هدرا، ولن تضيع سدى»، مثلما شدد البيان الصادر عنها في ذلك الحين، وتكون بالتالي نوعا من الرد بالغ الرمزية والدلالة على جريمة اغتياله؟
الثابت أن الزواري حمل معه عدة أسرار إلى قبره، قد لا يكون ممكنا أن يكشف عنها الآن على الأقل. وهذا ما جعل التخمينات والسيناريوهات حوله تتعدد
المؤكد في كل الأحوال أن ذلك الإعلان جعل كثيرين يستحضرون من جديد سيرة الرجل الذي ابتكر تلك المسيّرات، وقتله الموساد الإسرائيلي بدم بارد في ديسمبر 2016، بعد أن كادت تمحى معالمها تدريجيا من ذاكرتهم. لكن هل شعر التونسيون بالفعل بحجم وأهمية الإنجاز الذي حققه الشهيد؟ إن التفاعلات التي خلفها إعلان الجناح العسكري لحركة حماس عن مشاركة تلك المسيّرات في المعركة ظلت للأسف الشديد محدودة جدا داخل تونس وظرفية فقط، واقتصرت في الغالب على بعض التعليقات على وسائل التواصل، وحضور أرملة الشهيد في بعض المنابر الإعلامية المحلية، للتعبير عن اعتزازها وشعورها بالفخر لحرص حماس على الحفاظ على اسمه، وشكرها للمقاومة لأنها ما تزال تتذكر محمد الزواري، مثلما قالت مع مناشدتها السلطات من جديد حتى تمنحها الجنسية التونسية إكراما للشهيد، ثم حديث شقيقه عن البطء والتعقيد الذي عرفه مسار التحقيقات في عملية الاغتيال. غير أن أسئلة كثيرة ظلت عالقة في خضم ذلك كله، وأولها حالة السكون والصمت وحتى التجاهل الرسمي التي عومل بها «طيار حماس»، التي لا تبدو مفهومة بالمرة، بالنظر على الأقل إلى المواقف والتصريحات القوية، التي ما فتئ الرئيس قيس سعيد يخرج بها من حين لآخر، ويعبر من خلالها عن الدعم الواضح وغير المحدود للقضية الفلسطينية، والدفاع عن الحق المشروع للمقاومة في سبيل «تحرير فلسطين كل فلسطين ومن النهر إلى البحر»، مثلما يحرص دوما على التأكيد عليه، ما جعل كثيرين عاجزين عن إيجاد تفسير منطقي ومقنع لامتناع الرئيس التونسي، ولو عن القيام ببعض الحركات الرمزية مثل زيارة قبر الشهيد أو استقبال أرملته ومنحها الجنسية التونسية التي طلبتها. وربما قد يقول البعض هنا إنه ربما واجه ضغوطا قوية من بعض الجهات الخارجية، حتى لا يقدم على ذلك، أو إنه ببساطة أخذ ذلك الموقف من منطلق حرصه على أن يتجنب أي تأويل خاطئ، أو اتهام مجاني بالانحياز إلى حركة حماس على حساب باقي الفصائل الفلسطينية الأخرى، لكن من الواضح أن هناك أسبابا أخرى قوية جعلته على الأرجح لا يضع ذلك الملف في صدارة اهتماماته. والثابت أن الزواري حمل معه عدة أسرار إلى قبره، قد لا يكون ممكنا أن يكشف عنها الآن على الأقل. وهذا ما جعل التخمينات والسيناريوهات حوله تتعدد، فالبعض يعتقد مثلا أن المهندس الذي كشفت حركة حماس ساعات بعد اغتياله، أنه كان «أحد القادة الذين أشرفوا على مشروع طائرات الأبابيل القسّامية، التي كان لها دورها في حرب عام 2014»، على قطاع غزة كان على وشك التوصل إلى ابتكار جديد بعد الطائرات المسيرة والغواصات المفخخة من شأنه أن يشكل خطرا كبيرا وتهديدا جديا بالنسبة للإسرائيليين، ولأجل ذلك فقد تحركوا بسرعة حتى يحولوا دون إنجازه، وكان الخيار الوحيد المطروح أمامهم هو اغتياله، حين كان عائدا إلى بيته، خصوصا وأنه توصل إلى تصميم غواصة ذاتية القيادة، أقر الجيش الإسرائيلي قبل عامين بامتلاك المقاومة لعدد منها، وبأنها تستطيع حمل متفجرات بوزن خمسين كيلوغراما. ومع أن تلك الفرضية لا تبدو مستبعدة بالمرة، فإنها تطرح وبالضرورة سؤالا جوهريا آخر وهو، إن كانت حماس قد خططت ومنذ عدة سنوات لعملية طوفان الأقصى، وكان الزواري واحدا من المكلفين بالتحضير لجانب على الأقل من جوانب تلك المعركة التي غيرت بالفعل قواعد الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، فهل نشهد اليوم وعلى الأرض بعض ثمرات الكفاح السري وغير المعروف للمهندس التونسي نصرة لفلسطين؟ إن أول ما كان لافتا في عملية اغتياله هي أنها حصلت في وضح النهار، وبطريقة تكاد تكون علنية ومكشوفة، ما جعل الخبير الأمني لصحيفة «معاريف» الإسرائيلية يوسي مليمان يعلق على ذلك بالقول، إن تلك العملية «اختلفت عن عمليات الموساد، خصوصا تلك التي استهدفت علماء المشروع النووي الإيراني في طهران، وقادة حزب الله في لبنان واغتيال محمد المبحوح في دبي»، وإن عدم المهنية الذي ظهر على تلك العملية ووجود بعض الآثار الميدانية عليها «ربما أريد منه وضع مزيد من الضباب على العملية وتشتيت اتجاهات التحقيق الأمنية، وربما يكون دليلا على ذكاء المنفذين». لكن ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك؟ إنه يعني ببساطة أن هناك أشخاصا نافذين داخل تونس، ربما قبلوا في ذلك الوقت عقد صفقة ما مع الإسرائيليين للتخلص من «طيار حماس»، الذي قد لا يشكل فقط خطرا أو تهديدا بالنسبة للجانب الإسرائيلي، بل حتى لمصالحهم. وربما لمح البيان الذي أصدرته المقاومة إلى ذلك حين ذكر أن «اغتيال الزواري يمثل ناقوس خطر لأمتنا العربية والإسلامية بأن العدو الصهيوني وعملاءه يلعبون في دول المنطقة، ويمارسون أدوارا قذرة، وقد آن الأوان لأن تقطع هذه اليد الجبانة الخائنة».
ولعل هناك من لا يزال يذكر كيف رد الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي على بعض الأصوات التي انتقدت الحكومة، لعدم مسارعتها لتوجيه الاتهام للكيان المحتل بالوقوف وراء ذلك الاغتيال، حين قال في خطابه بمناسبة رأس السنة الميلادية 2017: «لا توصي يتيما على النواح… نحن نعرف التعامل مع الكيان الصهيوني، فسبق أن قصفوا حمام الشط والقيادة الفلسطينية في تونس، ووقتها لم نتأخر وذهبنا إلى مجلس الأمن ورافعنا، ورغم أن الرئيس الأمريكي رونالد ريغان قال إن اسرائيل في حالة دفاع شرعي، فقد أدينت إسرائيل وحكم عليها بجبر الأضرار». غير أن الشيء الوحيد الذي جمع بين ردتي الفعل الرسميتين على الاعتداء على حمام الشط، وعلى اغتيال الزواري، هو عدم توجيه الاتهام في وقت مبكر للكيان الإسرائيلي بالضلوع في كلا الجريمتين. ففي قصف الضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية، ذكر أول بيان رسمي للسلطات أن «طائرات مجهولة الهوية» هي التي قصفت حمام الشط، وفي اغتيال «طيار حماس» أعلن بيان للداخلية التونسية أنه تم العثور بمنطقة العين من ولاية صفاقس على جثة مواطن تونسي داخل سيارته.. وتبين حسب المعاينة الأولية أنه تعرض إلى طلق ناري. ولا شك في أن ذلك لم يحدث بمحض الصدفة، لأن هناك أسرارا دائما ما يراد لها أن تموت مع أصحابها.
كاتب وصحافي من تونس
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، من يريد أن يفهم قصته عليه بحلقة ” حكاية الزواري” لعبد الله الشريف على قناة اليوتوب
الزواري لا يحتاج لتكريم ممن هم دونه وأقل منه شأناً
وكم من غريب في الأرض هو في السماء معلم واضح كما الشمس