في السنوات الأخيرة، شاع في المشهد الثقافي العربي استخدام مصطلح «أدب الرحلات» على نحو واسع وفضفاض، حتى بات يُطلق على طيف كبير من النصوص، التي لا يجمع بينها سوى وقوعها خارج الجغرافيا الأصلية للكاتب. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى قراءة في التباس المصطلح بين التجربة الأدبية وكتابة المشاهدات السياحية، خصوصا مع تحوّل التسمية أحيانا إلى يافطة جاهزة تُسبق النص ولا تنبثق منه. هذا التوسّع غير المنضبط يطرح سؤالًا نقديا ملحّا: هل كل كتابة عن السفر تُعدّ أدب رحلات؟ أم أننا أمام خلط بين التجربة الأدبية والتجربة السياحية المكتوبة؟
أدب الرحلات، في جوهره، ليس توصيفا لمسار جغرافي، ولا سجلا للأماكن التي زارها الكاتب، بل هي بناء معرفي وجمالي ينشأ من احتكاك الذات بالعالم الآخر. الرحلة هنا ليست غاية، بل أداة، وليست استعراضا للحركة، بل اختبار للوعي. في هذا النوع من الأدب، لا يعود الكاتب كما غادر، لأن النص نفسه مشروط بتحوّل داخلي، ولو كان خافتا، وبسؤال يتولّد من الصدمة أو الدهشة أو الخيبة.
في المقابل، نجد كثيرا من النصوص المعاصرة التي تكتفي بوصف المدن، والإشادة بجمالها، وتعداد معالمها، ونقل انطباعات سريعة عنها بلغة سلسة ومحبّبة، لكنها تبقى أسيرة السطح. المكان في هذه النصوص خلفية جميلة، وليست كيانا إشكاليا، والكاتب يظل مراقبا مرتاحا، لا طرفا في تجربة تُربكه أو تعيد تشكيل نظرته إلى ذاته أو إلى العالم. هذه الكتابات، على أهميتها التوثيقية أو الترفيهية، تنتمي أكثر إلى أدب المشاهدات، أو كتابة السفر، لا إلى أدب الرحلات بمعناه الأدبي العميق.
الإشكال لا يكمن في وجود هذا النوع من الكتابة، فهو مشروع ومفيد وله قرّاؤه، بل في التسمية. حين تُمنح نصوص انطباعية أو سياحية يافطة «أدب رحلات»، يحدث نوع من التضليل النقدي، وتُسحب القيمة من المصطلح نفسه، ويُفرغ من تاريخه الثقافي الطويل. والأسوأ من ذلك أن التكرار الإعلامي للقب «رحّالة» قد يتحوّل إلى صورة دعائية تسبق النص وتفرض عليه ما لا يحتمله، فتخلق فجوة بين التوقّع والقراءة.
الرحّالة، في السياق الأدبي، ليس من يكثر من التنقّل، بل من يملك حساسية خاصة تجاه المكان والآخر والذات. هو من يرى في الرحلة مناسبة للتفكير في الزمن، والهوية، والاختلاف، والذاكرة، والسلطة، والهامش، لذلك، فإن عدد البلدان التي زارها الكاتب لا يضيف، في حد ذاته، قيمة أدبية، ما لم يتحوّل هذا التنقّل إلى خبرة مكتوبة تحمل توترا وسؤالا ورؤية.
من الضروري، إذن، أن نعيد بعض الدقة إلى التداول النقدي، لا بدافع الإقصاء أو التقليل، بل بدافع الحفاظ على وضوح الأنواع الأدبية. فكما نفرّق بين الرواية واليوميات، وبين المقال والخاطرة، ينبغي أن نفرّق بين أدب الرحلات وكتابة السفر. هذه التفرقة لا تنتقص من أحد، بل تحمي القارئ، وتُنصف النص، وتمنح كل كتابة اسمها الذي يليق بها.
في النهاية، ليست المشكلة في أن نسافر ونكتب، بل في أن نُسمّي الأشياء بغير أسمائها. وأدب الرحلات، بوصفه واحدا من أعمق أشكال الكتابة عن العالم، لا يحتمل أن يُختزل في حركة جغرافية أو انبهار عابر، إنه أدب يُقاس بعمق الأثر، لا بعدد الأميال.
كاتب عراقي