هل هي بداية صحوة ضمير عالمي؟

حجم الخط
2

منذ أن باتت المساعدات «الإنسانية» آلة جهنمية لتقتيل طالبيها من المُجوَّعين أطفالا وشبابا، وبرزت ملامح حرب التجويع بادية على السحنات الغزية المفجوعة والمتوجسة، رغم إعلان ترامب أن معاناتهم من سوء التغذية وليس الجوع، ولم يعمل وزير خارجيته سوى تأكيد ذلك عبر زيارته المسرحية إلى غزة، بتنا نتساءل هل نحن فعلا أمام بداية صحوة ضمير عالمي يستنكر ويحتج على ما آلت إليه الأمور في غزة بصورة لم تحصل منذ ما يقارب السنتين من تلك الحرب الهمجية. وبدأنا نلمس تحولا كبيرا على الصعيد العالمي ضد ما تقوم به عمليات الإبادة والتجويع الذي يمارس على الأطفال، وقد باتت صورهم تملأ الفضاءات الوسائطية. ولعل حجم ما وصلت إليه الأمور، ونتنياهو يهدد باحتلال غزة، مكررا بلا ملل ما قاله منذ بداية طوفان الأقصى بغباء وعنجهية وعجز تام عن تحقيق أي من أهدافه، هو ما دفع إلى الإضراب العام يوم الأحد 17 أغسطس/آب 2025، الذي عبر من خلاله الإسرائيليون عن رفضهم الاستمرار في اتباع سياسة النعامة، والذين جوبهوا هم أيضا بأنهم يقفون دون تحقيق الصهيونية لعملية الإبادة والتطهير العرقي، وعدم استقرار المنطقة.
هل قلتُ صحوة ضمير عالمي؟ وهل فعلا هناك ضمير عالمي يحكمه العقل والمنطق، كما يقر بذلك الفلاسفة الغربيون منذ ما يسمونه «عصر الأنوار»؟ أين للعقل الغربي الذي يُنظِّر للعالم وفق رؤيته الاستعلائية في أن يكون له ضمير، أو تكون له أخلاق، وهو لا يؤمن إلا بالهيمنة وفرض إرادته على الشعوب المُستفقَرة؟ من يمثل هذا الضمير؟ ومن يعطيه شرعية كونه «عالميا»؟

منذ بداية حرب الصهيونية على غزة والعالم كله يقف إلى جانبها، ويدعمها بالسلاح والاستخبارات والإعلام الكاذب والمنافق، مقدما طوفان الأقصى على أنه اعتداء على «دولة ذات سيادة»، وكأن الشعب الذي يدافع عن حقوقه بما يملك من وسائل بسيطة، مقارنة مع ما يملكه عدوه تهديد للأمن «العالمي» واستقرار المنطقة، إرهابي بامتياز. ولم يكن التدمير والتقتيل الذي مورس ضد غزة سوى ذريعة لتهجير الفلسطينيين والبحث لهم عن عالم آخر يعيشون فيه. كان العالم بكامله متواطئا، ومنخرطا في الإبادة وتسويغها إعلاميا، وفرض حصار مطلق على ما يجري في غزة من مجازر ومذابح لا نظير لها في العصر الحديث.
ما الفرق بين صحوة «الضمير العالمي»، وما قيل عن «الشرعية الدولية» لتبرير العدوان الثلاثيني على العراق؟ إن العقل العالمي هو الغرب الاستعماري والاستيطاني الذي لا يهمه سوى استنزاف خيرات الشعوب التي يعمل على تفقيرها لإدامة رفاهية شعوبه واستقرارهم والحفاظ على أمنهم. أما الشعارات التي يرفعها لإعطاء نفسه صورة ممثل «الحضارة» الإنسانية في العصر الحديث مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن الأقليات، والهويات الخاصة فما هي إلا لتكريس هيمنته وفرضها على الآخرين، وهو يعمل عن طريق استخباراته، وطوابيره الخامسة، وقروضه، ومواقفه في المحافل الدولية على إبقاء تلك الدول المستفقرة خاضعة له، ومنفذة لأوامره وأحكامه. ويلعب الإعلام العالمي الحاجب للوقائع والمنافق، والذي يتحكم فيه ويوجهه كما يريد، الأداة الحقيقية للتعبير عن ذلك «الضمير» اللاأخلاقي واللاإنساني الذي يمثله.

ما فعله طوفان الأقصى، وما عرفته تداعياته مع الإبادة والتطهير العرقي، وطول مدة التدمير الذي لم يتوقف مما يقرب من عامين كاملين، أدى إلى بروز صورة مختلفة رغم كل التعتيم والتضليل الذي مورس عالميا على حقيقة ما يجري على الأرض. بدأت عائلات المحتجزين بإعلان النفير، وهي لا ترى في ما تمارسه الصهيونية سوى إطالة أمد الحرب لتحقيق أسطورة «إسرائيل الكبرى» القائمة على العقل اليهودي المسيحي، الذي يمثل في الواقع لا شعور العقل الغربي الحديث، حتى إن حاول تجسيده من خلال شعارات براقة. وكان لبعض الأصوات الحرة في العالم، ومن بينها يهود، أن بدأت الصورة تتغير وتتكشف بعض الحقائق التي تكذبها الصهيونية وأمريكا. وحتى بعض الدول الغربية التي بدأت تعبر علانية عن رفضها احتلال غزة وبناء المستوطنات في الضفة، تمارس النقيض باعتقالها المحتجين على الصهيونية وأفعالها الإجرامية. إن نسبية الحديث عن «صحوة» ضمير عالمي يقوده الغرب يدفعنا للتساؤل عن ضمير «عربي ـ إسلامي»، أو عن ضمير شعوب وأمم أخرى غير غربية؟

لا يختلف هذا الضمير الآخر عن الذي يوجهه ويفرض عليه تصرفاته وسلوكه. إن الشعوب تتألم في صمت، أو تكتفي بالتعبير عن استنكارها، وفي الوقت نفسه عن عجزها. عندما أسمع في المغرب أصواتا نشازا تقول بـ»إنهم» إسرائيليون، أو في السويداء من يصرخ: «نريد إسرائيل»، أو من يرى أن «سلامته»، وهو عاجز عن تحرير أراضيه المغتصبة، بل وهو غير قادر إلا على التعبير عن الإدانة والاستنكار فقط، تكمن في إلقاء المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية أسلحتها، بدعوى أنها هي التي تخلق مبررات التدخلات الصهيونية، وهم يدركون جيدا أسطورة «إسرائيل الكبرى» التي تستهدفهم، أتبين نسبيا أننا لا نعيش فقط زمن التفاهة، أو القبول بالخنوع والخضوع، ولكن أيضا زمن موت الضمير الإنساني الذي قولبته «الحضارة الغربية»، وعقلها النرجسي، والمتعالي. وأن «التابع» لا يريد أن يتحرر من الهيمنة التي يفرضها عليه «العقل الغربي» المعاصر. لقد نجحت الثقافة الغربية في نشر قيم الفردانية، والهويات الخاصة، وفي توسيع دائرة الطائفية والنزعات العرقية، والحركات الدينية، وتشجيع بعضها ضد بعض، وتأهيل بعضها ليكون سندها في المناطق التي تهدد مصالحها.
لطالما كان الحديث عن أزمة عقل عربي. عندما كان العقل العربي يقظا بنى حضارة إنسانية يشككون فيها الآن بدعوى تخلفها عن الحضارة الغربية. أما وأنه الآن في نوم عميق فلن تبارحه كوابيس العقل الاستيطاني حتى يحسن تفسيرها، وليس تأويلها.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتور جمال البدري:

    تحياتي لحضرتك…علينا أنْ لا ننسى أنّ { اللسان السليط } بيد الدول العظمى؛ وأعني به وسائل الإعلام المؤثرة ووكالات الأنباء معها؛ بمختلف مسمياتها.والإعلام الغداة أكبر مؤثّر يصوغ الرأي العامّ لديهم وفي الكثير من بقاع العالم…فيبرر لهم ما يفعلون ويغطي جرائم الغرب بلفائف تشبه لفائف الكتان حول مومياء فرعون.فيظهرون عورات الآخرين من
    الخصوم ويغطون عوراتهم وهم عراة تحت الشّمس.ما يعجبني قي كتاباتك { السيّاسية / الفكريّة } أنك الكاتب المنفرد
    حتى الآن وتذكر { طوفان الأقصى } بفخر غير خاضع لقانون النسيان؛ قياسًا لكتّاب هذا الزمان؛ الذين يلوذون كإعلام الغرب { التخفّي } لواذًا وتورية؛ خشية أو خجلًا من هذا العنوان.أدام الله قلمك لمزيد بيان.

  2. يقول احمد المغرب:

    سألت امتنا عاءشة رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا تقول ليلة القدر فقال”قولي اللهم انك عفوا تحب العفو فاعف عني”.
    والعفو هو التجاوز والسماح مع القدرة على المؤاخذة.
    فالناس معادن فلافضل لعربي على عجمي الا بالتقوى ومعدن الانسان واخلاقه وضميره يمتحن عندما تكون له السلطة والقدرة على مؤاخذة الغير ولكن يتجاوز عنه ويسامحه وان كان هذ الغير يستحق العقاب وهذا هو العفو حقا . فما بالك ان يكون هذا الغير بريء واعزل ولا قوة له وتظلمه وتتجبر عليه وتشرد وتجوعه وتسبيه بل تفتك به كما هو حال أهل غزة مع جبروت الظلمة نتنياهو وعشيرته

اشترك في قائمتنا البريدية