هل يعيد التاريخ نفسه؟

هناك قول لكارل ماركس مفاده، أن هيغل كتب، أن كل الأحداث والشخصيات الكبرى في تاريخ العالم تعاود الظهور بهذه الصورة أو تلك، لكن هيغل نسي أن يضيف أن عودة ظهورها الأولى تكون عادة في صورة مأساة دراماتيكية، أما ظهورها للمرة الثانية فإنها عادة ما تكون في صورة مهزلة مضحكة.
لكن كاتب القصص الإنكليزي جوليان بارنز علق بسخرية طريفة على تلك المقولة من قبل هيغل وماركس، فرفض فكرة عودة التاريخ بتلك الصور المهيبة الجادة، أو المضحكة، وأضاف ساخراً أن «كل ما في الأمر أن التاريخ يتجّشأ بين الحين والآخر فنتذوق نحن طعم ساندوش البصل الذي ابتلعه التاريخ عبر القرون».
خطرت في بالي تلك الأقوال والتعليقات المستهزئة بشأن التاريخ، وأنا أتصفح كتاب «آفاق التعاون العربي في التسعينيات»، الذي صدر عن مداولات مجموعة من المفكرين العرب في مؤتمر في القاهرة سنة 1991، دعا لعقده منتدى الفكر العربي، ومركز الأهرام للدراسات، واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة. من أجل أن يعرف القارئ نوع ومقدار الارتباط بين هذه المقدمة، وذلك المؤتمر، دعني أنقل حرفياً بعضاً ممّا جاء في ذلك الكتاب.
الأول: «إن المنهج الإصلاحي الذي ساد العمل العربي المشترك خلال العقد المنصرم (أي الثمانينيات من القرن الماضي) هو منهج (لا يزيد عن) تنقية الأجواء العربية، الذي يقصر عن تقديم الحد الأدنى اللازم لأي إصلاح جذري، يقسم بقدر من الفاعلية، لأن الحديث عن الإصلاح يفترض معالجة مصادر الاختلال».
ساندويتش البصل هذا الذي واجهنا به أهوال ما قبل خمسين سنة تلك، أليس هو نفسه بالتمام والكمال الذي تتجشّؤه عودة تاريخنا الحديث المماثل، لنواجه به الأهوال التي تواجه هذه الأمة في هذه اللحظة؟ ألم يصبح همّنا الأول وهدفنا القومي الأكبر حالياً هو محاولة، مجرد محاولة، تنفية الأجواء العربية الفاسدة المتصارعة المليئة بالعبث؟

هيغل كتب، أن كل الأحداث والشخصيات الكبرى في تاريخ العالم تعاود الظهور بهذه الصورة أو تلك، لكنه نسي أن يضيف أن ظهورها للمرة الثانية عادة ما تكون في صورة مهزلة مضحكة

ثانياً: يشير الكتاب بحسرة إلى «التراجع الحاد في قدرة النظام (العربي) على مواجهة التهديدات الخارجية»، ويشير إلى لجوء «بعض الأنظمة إلى الاعتماد على حلفاء دوليين». تماماً كما هو الحال حالياً عند البعض، وهل هناك موضوع عربي واحد لا يكون «الحلفاء الدوليون» هم اللاعبون الأساسيون في معالجته، بتآمر وبألف وجه ووجه؟ وهكذا عجز النظام العربي آنذاك عن «أن تكون له إرادة جماعية وقدرات ذاتية»، تماماً كما هو الحال الآن، بل وبصورة أسوأ الآن. وهكذا منع غياب تلك الإرادة والقدرة دعم الانتفاضة الفلسطينية في عام 1987، تماماً كما منعها من دعم انتفاضة غزة، ومن دعم مقاومة لبنان، ودعم الشرعية في السودان وغيرها في أيامنا الحالية.
ثالثاً: يشير الكتاب إلى أزمة الخليج آنذاك التي كشفت بشكل سافر «الاختلال الهيكلي في النظام (العربي)»، وإلى وصول المؤتمرات إلى نتيجة مرعبة من: «إما أن يكون هناك نظام عربي جديد، أو لا يكون نظام عربي على الإطلاق». وأكدوا بقوة وجود «ضرورة للتطلع إلى نظام عربي جديد بعد كارثة أزمة الخليج».
أليس تاريخنا في هذه اللحظة، وبعد مرور حوالي نصف قرن، يتجشّأ. المقولة تلك بقوة أشد وصراحة أكثر، بعد أن أصبح الوطن العربي لا يواجه أزمة واحدة، وإنما عشرات الأزمات الكارثية، وآخرها أزمة خليج جديدة بمحاولة جر دول مجلس التعاون الخليجية إلى الدخول في أتون الحرب العبثية الصهيو ـ أمريكية ضد إيران؟
رابعاً: وقد أعطى المؤتمرون أهمية كبرى تفصيلية للأسس التي يقترحونها لبناء أسس النظام العربي الجديد، والتي كانت بالغة الشمول والعمق والشجاعة والجدّة، والتي سنحاول تلخيص أهم بنودها في مقالات قادمة، حتى يقتنع الجيل الجديد بأنها، مثلما كانت صالحة كعلاج قبل نصف قرن فإنها صالحة للمرحلة التاريخية التي نعيشها في أيامنا هذه.
وحتى لا ينبري البعض لاعتبار تلك الأسس بالأحلام القديمة التي عفى عليها الزمن وما عادت قادرة على التعايش مع متطلبات عصر العولمة النيوليبرالية، على الرغم من وجود المئات من النواقص في تلك المتطلبات، التي يشير إليها آلاف الكتاب في بلدان مصادرها الغربية، فإننا سنحاول تقديم تصوّر عن إمكانات بناء أسس النظام العربي الجديد الذي آن أوان الانتقال إليه، وذلك على الرغم من كل العراقيل التي سيضعها أعداء هذه الأمة أمام تلك المحاولة القديمة ـ الجديدة التي بدأت في القرن التاسع عشر وما زالت تنتظر التحقق والتحرّر من قيودها الذاتية والخارجية.
لا نريدها عودة للتاريخ بكل الملابسات التي ذكرناها في المقدمة، وإنما نريدها تتمّة تجديدية لمسيرة التاريخ العربي الحديث على يد شابات وشباب هذه الأمة من الذين لا يؤمنون باليأس والقنوط ولا ينحنون أمام تخريفات العولمة الجديدة.

كاتب بحريني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Mohammad Hassanat:

    شكراً للسيد فخرو على تذكيرنا بعقد التسعينيات من القرن العشرين،
    وضرورة تجديد النظام العربي في ضوء كوارث ومآسي متجددة،
    من الخليج للمحيط فهل من يتعلم من التاريخ ؟!

  2. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يعيد التاريخ نفسه؟ أتمنى من الله ألا يعيد التاريخ نفسه، وعلى كل جيل أن يصنع تاريخه بنفسه، ويجب على كل جيل أن يستوعب العبر وأخطاء الماضي لكي يتعلم منها، ويعلم أن إمكانيات الماضي تختلف عن اليوم، وعندما تختلف الإمكانيات فمن المفروض أن تختلف الحلول. على سبيل المثال: مشكلة حصلت في الماضي ونفس المشكلة حصلت اليوم، لا يجب أن تُحل بنفس الأسلوب الذي تم في الماضي، وإذا تمت بأسلوب الماضي فهذا تخلف، وليس من الحكمة على الإطلاق. ولهذا عالمنا العربي “محلك سر”، إن لم يكن في تخلف. منذ ثمانين عامًا ونحن نبحث عن حل للقضية الفلسطينية مع نفس الدول التي تتآمر علينا، فماذا نسمي هذا؟ هل هذا تخلف؟ نعم، تخلف وعدم اجتهاد في إيجاد حلول من أنفسنا. ولماذا يحل لي الآخر مشكلتي وأنا أعلم أنه يرغب في استنزافي وتدميري؟ لماذا نعشق أن نُلدغ من نفس الجحر ونفس السم؟ وبهذه المناسبة أذكر نصيحة والدي لي: عليك أن تتعلم عدم تكرار نفس الخطأ مرتين، وإذا تكرر نفس الخطأ فهذا دليل على أنك لا ( 1 )

  3. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    تتعلم أبدًا. ولهذا نحن في خطأ واحد منذ ثمانين عامًا، ولهذا وصل حال الأمة إلى ما وصل إليه. شكلها وقع زلزالًا بقوة 10 ريختر… كثير جدً هه ا! هذا هو الواضح، أعمل إيه؟ ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ محيي الدين أحمد علي رزق إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9 / 10 / 1971 ( 2 )

اشترك في قائمتنا البريدية