الرباط ـ «القدس العربي»: تفاعلت هيئات سياسية وحقوقية مغربية مع التظاهرة التي نظمها سكان مدينة الفنيدق (شمال البلاد) من أجل إثارة انتباه إلى أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية المتأزمة نتيجة قيام السلطات المغربية، منذ حوالي سنة، بإغلاق معبر سبتة المحتلة الذي كان منفذاً «للتهريب المعيشي» باعتباره العنصر الوحيد لإعالة الأسر هناك، وبررت الرباط إغلاق الحدود بجائحة «كورونا».
في هذا الصدد، أصدر فرع حزب «الأصالة والمعاصرة» المعارض في محافظة المضيق ـ الفنيدق بياناً أعرب فيه عن تضامنه مع أهالي المنطقة، قائلاً: «إن التعبير عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي أمر مشروع، وإن البناء المؤسساتي للمملكة يوفر من الإمكانات والوسائل القانونية والوسائطية ما يسهم بذلك في أجواء تجسد الاحترام التام لروح القانون ومساطره، حيث إن المواطنة الحقة تقوم على معادلة أساسية ومتوازنة قوامها التمتع بكافة الحقوق، مع الحرص التام على القيام بالواجبات تجاه الوطن، من قبل المواطنين والمسؤولين على حد سواء».
تهميش وإقصاء
وحمّل الحزب الحكومة المغربية تهميش وإقصاء المنطقة من أي مشروعات تنموية كفيلة بخلق بدائل اقتصادية مندمجة تضمن ديمومة واستدامة دخل فردي محترم لجميع الشرائح الاجتماعية والمهنية في الإقليم.
واستحضر البيان، بكل واقعية ومسؤولية، الوضع الاقتصادي المتأزم وتداعياته الاجتماعية، وناشد المسؤولين لتسريع بإخراج برنامج تنموي قصد إنقاذ المدينة من الوضع الاقتصادي والاجتماعي المقلق.
كما دعا كافة الأطراف المتدخلة إلى عدم الانزياح والانزلاق نحو العنف، سواء أكان مادياً أم لفظيا، معلناً رفضه «كل توظيف سياسوي أو فئوي يتغذى على مآسي الساكنة» استحضاراً لرمزية التعايش السلمي والحضاري بين كل مكونات المدينة.
وطالب البيان بعقد مناظرة على المستوى الإقليمي، تضم كل المتدخلين والمهتمين بالمسألة التنموية، كل من موقعه، لتقديم إجابات واقعية وملموسة قابلة للتنفيذ، ترتكز على نبذ كل الخلافات والمزايدات السياسوية الضيقة.
وقالت «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان» (فرع جهة الشمال) إنها تابعت بقلق شديد واستنكار بالغ ما وقع في مدينة الفنيدق من تطويق وقمع واعتداءات واعتقالات في صفوف مواطنين ومواطنات، دفعتهم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية للخروج إلى الشارع لإسماع صوتهم للسلطات والجهات المعنية بشكل سلمي كحق من حقوقهم الدستورية.
وأضاف البيان، الذي اطلعت عليه «القدس العربي» أنه عوض التفكير في حلول عملية والاستماع لنبض الشارع، لجأت السلطات من جديد إلى سياسة الآذان الصماء تجاه مشكلات المواطنات والمواطنين، بل لجأت إلى المقاربة القمعية من تطويق واعتداءات بالضرب واعتقال المحتجين، كما وقع منذ سنوات في الريف وجرادة والرشيدية منذ سنوات. وأفاد البيان أن عدد المعتقلين وصل إلى 30 معتقلاً من بينهم قاصر، فيما ذكرت مصادر أخرى أنه أفرج عن معظمهم، باستثناء أربعة أشخاص بقوا قيد الاعتقال الاحتياطي من أجل تقديمهم أمام النيابة العامة.
«المقاربة القمعية»
وأعربت «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان» في الشمال عن تضامنها غير المشروط مع «حركة الجائعين» في الفنيدق ومع مختلف الحركات الاحتجاجية على خلفية المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبالكرامة.
واستنكرت ما أسمته «المقاربة القمعية» التي قالت إن السلطات لجأت إليها في التعامل مع الاحتجاجات السلمية لسكان الفنيدق، داعية إلى فتح تحقيق في الاعتداءات التي تعرض لها المحتجون والمحتجات في الفنيدق ومحاسبة المعتدين وعدم إفلاتهم من العقاب.
وطالبت الجمعية الحقوقية الدولة المغربية بالتعامل بعقلانية وبمقاربة حقوقية مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي أخرجت ساكنة الفنيدق للاحتجاج، مؤكدة على ضرورة أن تقوم الدولة المغربية بإعادة النظر في إغلاق معبر «طاراخال» المورد الرئيسي لهؤلاء السكان، وإيجاد بديل لهم يحفظ كرامتهم وإنسانيتهم عوض اللجوء إلى قمعهم واعتقالهم. كما شددت على التعجيب بإقرار سياسة تنموية عادلة في المنطقة تحقق الكرامة والعدالة الاجتماعية، مطالبة بإطلاق سراح المعتقلين على خلفية الحركات الاجتماعية وكافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي في المغرب، مناشدة كل القوى الحية في الجهة إلى التضامن مع احتجاجات ساكنة الفنيدق من أجل الحرية والعيش الكريم.
في السياق نفسه، أصدرت جمعية «المحامين الشباب» في تطوان بياناً اعتبرت فيه أنّ الوضع المتأزم الذي آلت إليه الأمور في الفنيدق راجع لسوء التدبير، وضعف التواصل، وعدم القدرة على الخلق والإبداع للمسؤولين المحليين، وتحملهم المسؤولية في ذلك» كما حذرت من أي مقاربة أمنية في التعاطي مع الوضع في المدينة.
ودعت جميع المتدخلين على المستوى المحلي والمركزي لتحمل مسؤولياتهم وإيجاد حلول آنية وأخرى مستقبلية واستراتيجية لإنقاذ المنطقة وإخراجها من أزمتها الخانقة. وسجلت الجمعية تضامنها مع ساكنة الفنيدق وباقي سكان المنطقة ككل في الأزمة الاقتصادية التي يعانون منها، ومع حقهم المشروع في الاحتجاج السلمي والتعبير، مع ضرورة مراعاة شروط السلامة والحالة الوبائية القائمة حفاظاً على صحة الجميع.
وطالبت الجمعية بالإفراج عن كافة الأفراد الذين تم اعتقالهم إثر احتجاجهم السلمي بالفنيدق، مؤكدة على استعدادها للتعاون في أي نقاش مجتمعي، إلى جانب باقي الفعاليات، يروم البحث عن حلول قد تساهم في الخروج من هذه الأزمة.
أما «جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان» فرأت أن تلك الاحتجاجات لم تراعِ في الدعوى إليها قوانين الطوارئ التي تقاوم انتشار وباء «كورونا» ولم تراع كذلك بدء المغرب لعملية التطعيم الشامل والتي تسعى إلى عرقلته. وقالت في بيانها إنه تبين لها بعد البحث والتحري أن الداعي لهذه الاحتجاجات هي جماعة «العدل والإحسان» (المحظورة من طرف السلطات) التي سلكت مسلكاً غير قانوني وغير حقوقي يفسد عمداً الأسلوب الذي بدأه المجتمع المدني في الفنيدق في الضغط على الدولة لإرجاع الأمور إلى الوضع الطبيعي، مذكرة في هذا الصدد بحملة التوقيعات المتعلقة بما أطلق عليه «نداء الفنيدق» الذي وُجّه إلى رئيس الحكومة كقاعدة للحوار مع الدوائر الرسمية.
وتابع بيان الجمعية أن منظمي الاحتجاجات كذلك لم يجعلوا منها أسلوباً سلمياً وفق ما دأب عليه المجتمع المدني في الموضوع نفسه، من احترام مبدأ السلمية ومبدأ إخبار السلطات، وتحديد الجهة المنظمة حتى تتحمل مسؤوليتها أمام السلطات المختصة وعدم الزج بالمستجيبين في ما لا يحمد عقباه.
«نداء الفنيدق»
وأعلنت الجمعية عن التحاقها بـ «نداء الفنيدق» من أجل إعادة الحياة الاقتصادية والتجارية للمدينة وجوارها، واستعدادها لتطوير أرضية العمل به «بعيداً عن قوى الإسلام السياسي التي لا تعترف بالمقاربة الحقوقية» وطالبت رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية بتغيير أسلوب التعاطي مع قضايا الفنيدق عن طريق مخططات ومسؤولين أكفاء ذوي الكفاءة الفكرية والتنموية لإعادة النشاط الاقتصادي إلى سابق عهده دون التنازل عن القرارات السيادية للمغرب والتفاعل مع «نداء الفنيدق» بالتحاور مع ممثليه والتعاون معهم.
كما دعت السلطات المختصة إلى الإعلان عن الجهة الداعية للاحتجاج، خرقاً لقوانين الطوارئ وزجاً بالمواطنين إلى المجهول والمغامرة بهم، وتحميلها كامل المسؤولية وعدم الإفلات من العقاب، وطالبت بإطلاق سراح المعتقلين المستجيبين للدعوة لكونهم ضحايا الدعوة ومجرد مُلبّين لها، مشددة على ضرورة الاهتمام الشخصي بواقع الفنيدق وفتح حوار مع ممثلي المجتمع المدني، واتخاذ تدابير استعجالية لمواجهة الهجرة.
وجاء في تدوينة نشرتها صفحة «من أجل الفنيدق» على «فيسبوك» بتوقيع الدكتور عبد المهيمن حمزة: «كأبناء لمدينة الفنيدق الرائعة نحس بالحسرة والأسف لما أصبح عليه حال سكان المدينة والضواحي جراء إغلاق معبر سبتة المحتلة دون إيجاد البدائل. نصرخ عالياً: عشرات الآلاف من المواطنين تم تجويعهم وتفقيرهم وتشريدهم. إنها مأساة إنسانية بكل المقاييس! بدأت المظاهرات وقوبلت ببعض الاعتقالات، ولربما السجن أرحم بهؤلاء من الموت جوعاً. أيها المسؤولون تحركوا قبل أن يضيع كل شيء».
وورد في تدوينة أخرى: «قالوا إن الوقفة لم يكن مرخص لها! وهل الجوع والفقر والمرض والكراء والماء والكهرباء يحتاج لرخصة؟ سنة وهم صامدون سنة وهم صابرون سنة وهم يعانون في صمت، ولا مسؤول حرك ساكناً. حتى أصبح سكان الفنيدق أضحوكة أمام باقي المدن المغربية. نحن كذلك مغاربة، وننتظر لحد الساعة رداً على متطلبات الساكنة في حق التشغيل أما التهجير والمغامرة فأصبحت صناعة قديمة».
وقدمت صفحة «صوت الفنيدق» الفيسبوكية أرقاماً وصفتها بالصادمة حول الأوضاع في الفنيدق والمنطقة الحدودية لسبتة المحتلة، بعد توقيف التهريب المعيشي، مشيرة إلى أنه أصبح حوالي تسعة آلاف مواطن بدون مورد رزق، وصار 3600 عاملاً وعاملة وفق عقود قانونية في سبتة المحتلة مهددين بالطرد بعد سنوات طويلة من العمل. كما أغلق حوالي 600 محل تجاري 300 منها في «سوق المسيرة الخضراء» وأفلست حوالي 30 في المئة من المقاهي والمطاعم والمخابز، وغادر 900 تلميذ من التعليم الخاص إلى التعليم العمومي، كما أن بعض مؤسسات التعليم الخاص في المدينة نفسها خفضت رواتب موظفيها بـ 10 في المئة.
ونقلت صحيفة «طنجة24» الإلكترونية عن مراقبين قولهم إن الاحتجاجات التي شهدتها مدينة الفنيدق لم تكن مفاجئة بالمرة، في ظل التأخر الكبير في إخراج مشروع «منطقة الأنشطة الاقتصادية والتجارية» في إقليم المضيق الفنيدق إلى حيز الوجود، والذي تراهن عليه السلطات العمومية في أن يشكل بديلاً حقيقياً لوقف أنشطة التهريب المعيشي، انطلاقاً من بوابة الثغر المحتل من طرف إسبانيا.
وأضافت أنه في الوقت الذي سبق أن حددت الجهات المسؤولة، صيف العام الجاري، موعداً لانطلاق الأنشطة الاقتصادية بالشطر الأول لهذا المشروع، الذي تم رصد غلاف مالي قيمته الاجمالية 200 مليون درهم، فإن هذا الرهان يبدو بعيداً، بسبب التأخر الكبير في أشغال إنجاز هذا الورش، الذي من شأنه أن ينتشل آلاف الشباب والأسر من الوضع الاقتصادي الذي آلت إليه هذه المدينة التي كانت في طليعة الحواضر المزدهرة تجارياً بمنطقة شمال المغرب إلى حدود السنوات الأخيرة».
ونقلت عن الجهات الحكومية قولها إن هذا المشروع الذي تسهر «وكالة إنعاش وتنمية أقاليم الشمال» على تنفيذ الأشغال الخاصة به، وأسندت مهمة المكلف بالأشغال المفوض إلى «الوكالة الخاصة طنجة المتوسط» سيسهم في توفير بدائل مدعومة بإنشاء منصة لنقل السلع الآتية من مدينة سبتة عبر ميناء طنجة المتوسط.
القوة الاقليمية تحاصر اسبانيا حلل وناقش