هيكل عظمي لديناصور معروض للبيع بملايين الدولارات… والعلماء قلقون

حجم الخط
0

نيويورك ـ «القدس العربي»: تنتظر دور المزادات العالمية أن يهبط عليها هيكل عظمي عملاق يعود لديناصور مخيف كان يُهيمن على غرب أمريكا الشمالية خلال أواخر العصر الطباشيري، إلا أن هذا الهيكل العظمي الذي يتوقع أن يُباع بملايين الدولارات لا زال يثير حيرة العلماء وتحفظهم.

ويتميز الديناصور الضخم المسمى «تيرانوصور ريكس» أو (T Rex) بأسنانه الشبيهة بالخناجر، وقوة عضته القادرة على سحق العظام، وحجمه الهائل.
وقال تقرير نشرته جريدة «الغارديان» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي» إن دار «سوذبيز» في نيويورك عرضت واحداً من أكبر هياكل «تي ريكس» العظمية وأكثرها اكتمالاً مما تم اكتشافه حتى الآن، وبسعر بيع تقديري يتراوح بين 20 و30 مليون دولار.
ويقول التقرير إن السعر الفعلي قد يتجاوز هذا التقدير، حيث يحمل ديناصور «ستيغوصور» الملقب بـ«أبيكس» الرقم القياسي الحالي، بعد بيعه في مزاد لدار «سوذبيز» عام 2024 مقابل 44.6 مليون دولار، وهو مبلغ يعادل 11 ضعف سعره الأولي المعلن.
ويُعتقد أن عمر هذا الديناصور الملقب بـ«غاس» أو (Gus) يبلغ نحو 67 مليون سنة، ويقف الهيكل العظمي المُثبّت مسبقاً في وضعية هجومية بارتفاع يناهز 3.8 متر (12.5 قدم). وتشير قائمة المزاد إلى أن «الأسنان الضخمة تبرز بوضوح داخل الفكين المفتوحين على مصراعيهما».
ويُعتقد أن الهيكل يعود لديناصور بالغ ضخم وقوي البنية؛ وقد تم اكتشافه واستخراجه على مدار ثلاث سنوات بدءاً من عام 2021 في مزرعة بمقاطعة هاردينغ في ولاية ساوث داكوتا، على يد شركة «ثيروبودا إكسبيديشنز» التجارية، وذلك بموافقة مالك الأرض، غاري «غاس» ليكينغ.
وقال كول جاكوبس، وهو باحث ميداني في الشركة، في مقطع فيديو ترويجي لدار «سوذبيز»: «وقفت عند الطريق ومشيت نحوه، وكان أول شيء وقعت عليه عيناي في ذلك اليوم الأول؛ إذ رأيت عظمة مشط القدم بارزة من الأرض».
وجاء اختيار هذا الاسم الودود للديناصور (غاس) تكريماً لمالك الأرض ليكينغ، الذي توفي قبل اكتمال عمليات التنقيب.
ورغم أن «غاس» يُعد بلا شك اكتشافاً هائلاً، إلا أنه يمثل أيضاً مشكلة كبيرة، على الأقل بالنسبة للعلماء.
وفي هذا الصدد، قال البروفيسور ريتشارد بتلر، عالم الحفريات الفقارية بجامعة برمنغهام: «إن الاتجاه الحالي نحو تسويق وبيع حفريات الديناصورات بأسعار باهظة -على غرار الأعمال الفنية النادرة- من قبل دور المزادات يثير قلقاً بالغاً، وكذلك فكرة شراء هذه الحفريات باعتبارها رمزاً للمكانة الاجتماعية أو مجرد سلعة تجارية». «لا يمكن دراسة الأحفورة التي لا تندرج ضمن مقتنيات متحف معترف به، وبالتالي فهي تُفقد بالنسبة للبحث العلمي. ورغم أن عمليات بيع وشراء الأحافير مستمرة منذ مئات السنين، إلا أن أسعارها باتت تفوق قدرة المتاحف بشكل متزايد، مما يلحق ضرراً كبيراً بالعلم».
وقد أيّد البروفيسور ستيفن بروسات، من جامعة إدنبرة، هذا الرأي قائلاً: «بما أن هذا الديناصور قد عُثر عليه في الولايات المتحدة، حيث يُسمح للمرء بالتصرف كما يشاء فيما يجده داخل أرضه، فإن عملية البيع في المزاد تبدو قانونية. ومع ذلك، فإن الأمر يثير قلقي بصفتي عالماً». والجدير بالذكر أن ملكية جميع الأحافير في بعض البلدان، مثل البرازيل ومنغوليا، تعود للدولة.
وقال بروسات: «إذا كان ديناصور كهذا يُباع بعشرات الملايين من الدولارات في المزادات، فلا يسع العلماء أو المتاحف أو الجامعات فعل الكثير؛ إذ إن هذه الأسعار لا يقوى على دفعها إلا فاحشو الثراء».
وكانت «سو» التي هي أول عينة لديناصور «تيرانوصور ريكس» تُباع في مزاد؛ وهي عينة يبلغ ارتفاعها 4 أمتار عُثر عليها في ولاية ساوث داكوتا، واشتراها «متحف فيلد» في شيكاغو عام 1997 مقابل 8 ملايين دولار، وذلك بدعم من متبرعين وشركات خاصة، بما في ذلك شركة «ماكدونالدز».
ومنذ ذلك الحين، أصبحت هواية جمع الأحافير رائجة بين المشاهير الأثرياء، بمن فيهم الممثل ليوناردو دي كابريو.
كما أعرب مايكل بنتون، أستاذ علم الحفريات الفقارية بجامعة بريستول، عن قلقه إزاء خروج المتاحف والجامعات من المنافسة في المزادات بسبب ارتفاع الأسعار. لكنه استدرك قائلاً: «قد تسير الأمور على ما يرام أحياناً عندما يدرك المشتري أنه يستطيع تحقيق متعة أكبر من مقتنياته عبر مشاركتها مع جمهور واسع؛ كأن يعيرها أو يتبرع بها لمتحف، أو يساهم في تمويل معرض متجول».
ويُعد ديناصور «أبيكس» مثالاً على ذلك؛ فقد اشتراه الملياردير كين غريفين -مدير أحد صناديق التحوط- ثم أعاره لاحقاً إلى المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي لمدة أربع سنوات.
من جانبه، رآى الدكتور توماس كار -وهو عالم في الحفريات الفقارية وأستاذ مشارك في كلية قرطاج بولاية ويسكونسن الأمريكية- أن مجرد سماح المالكين الخواص للعلماء بالاطلاع على الأحافير لا يكفي.
وقال كار: «لا توجد ضمانات تضمن بقاء الأحفورة ضمن مجموعة خاصة إلى الأبد، في حين تتمثل مهمة المؤسسات العامة في صيانة مجموعاتها وحفظها ورعايتها لأجل غير مسمى. يجب أن تكون الأحافير متاحة لاختبار الملاحظات السابقة واستخلاص رؤى جديدة؛ فالأحافير هي بمثابة البيانات، ولذا يجب أن تظل متاحة للدراسة دائماً».
وأشار كار أيضاً إلى أن نظام الإعارة للمتاحف ينطوي على إشكاليات؛ إذ قال: «تكمن المشكلة في إمكانية استرداد الأحفورة المملوكة ملكية خاصة من المتحف وإعادتها إلى منزل المالك في أي لحظة، مما يعني عدم ضمان مبادئ الإتاحة وإمكانية تكرار التجربة والتحقق من النتائج».
وفي الواقع، تشترط العديد من المجلات العلمية الآن أن تستند الأوراق البحثية إلى أحافير محفوظة في مؤسسات عامة دائمة. وقال بروساتي: «عندما ننشر أبحاثاً، نحتاج إلى التأكد من إمكانية تكرار تلك الأبحاث؛ أي أن يتمكن علماء آخرون من فحص بياناتنا ونتائجنا والتحقق من استنتاجاتنا – سواء أيدوها أم لا. والسبيل الوحيد لضمان إمكانية تكرار أبحاثنا هو أن تكون أحافير الديناصورات التي ندرسها موجودة في متحف، حيث يُضمن للعلماء الآخرين إمكانية الوصول إليها».
وأشار كار إلى أنه طالما كانت عمليات البحث عن الأحافير بشكل خاص تؤدي في النهاية إلى إيداعها في متحف أو جامعة – وليس في دور المزادات أو متاجر بيع الأحافير – فلا توجد مشكلة تتعلق بمن يعثر على الديناصور أولاً.
لكنه أوضح أن الوضع المثالي يقتضي توفير حماية قانونية لأحافير مثل «غاس» من الاستغلال التجاري في الأراضي الخاصة – على غرار ما هو معمول به في دول مثل منغوليا – بحيث يقتصر جمع الأحافير النادرة، كأحافير الديناصورات، على المؤسسات العلمية أو الأكاديمية.
وأبدى بروساتي تفهمه للأسباب التي تدفع البعض لشراء أحافير الديناصورات، قائلاً: «لو كنت مليارديراً، لربما اشتريت واحدة أنا أيضاً». لكنه أضاف أنه سيتبرع بها لمتحف لتُدرس وتُعرض للعامة، معرباً عن أمله في أن يحدث ذلك في هذه الحالة.
كما أعرب كار عن أمله في أن يتم التبرع في نهاية المطاف بـ«غاس» لصالح جهة عامة (مثل متحف أو مؤسسة عامة)، مع التنازل عن ملكيته الخاصة؛ إذ قال: «إن وجود أحفورة في عهدة جهة عامة يُعد مكسباً للعلم والمجتمع بأسره، بدلاً من أن تظل مكدسة في غرفة معيشة أحد المليارديرات».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية