صحيح أن ولاية دونالد ترامب لا تماثل أي ولاية أخرى.. صحيح أيضا أننا أفضنا في الحديث عن هذا الموضوع كثيرا، وقد يقول قائل، إن عودة جديدة إلى ترامب وشؤونه وشجونه التي تحولت إلى شجون وشجون الجميع، أمر لن يفيدنا جديدا، بل سيساهم أكثر في التعليقات والملاحظات، التي لا تفتأ تعقب المبادرات الهادفة إلى تحليل شخصية ترامب وتفكيكها.
لكن هل زاوية «الشخصية» مهما كانت مثيرة للتحليل، تمثل فعلا البوابة الأنجع لمقاربة سياسة؟ فموضوعنا في النهاية سياسي وليس نفسيا. وحتى لو كانت النفسية تساعد على فهم السياسة في أحايين كثيرة، فإنها لا تصلح أداة لفهم برنامج مخطط على المدى الطويل، لأن برنامج ترامب مخطط فعلا على المدى الطويل.
وهنا يجب أن نفرق، أن نفرق بين تحليل الشخصية، الذي كثيرا ما يركز على ردود الأفعال اللحظية، والمواقف الغرائزية، عن التحليل النفسي الذي يبني طروحاته ومستخلصاته على الميولات والاتجاهات طويلة الأمد.
وهنا يوجد طرح كثيرا ما ننساه ويمكن تلخيصه في عبارة بسيطة جدا: «حيثما يوجد سوق، يوجد ترامب»، وهذا يذكرني بعبارة أخرى، وجدتها في منهاج تعليمي لتدريس اللغة العامية المشرقية للمبتدئين: «وين في مشاكل، في صحافيين». هنا بيت القصيد.. ترامب يطبق جيوسياسة السوق، حيث توجد سوق، توجد سياسة.. وحيث توجد سياسة، توجد صفقات. يكفي أن نتذكر «ريفيرا غزة»، والآن «هيا بكم اشتروا نفطنا»، وقبل ذلك طبعاً: «في انتظار مستحقاتهم على الحلف (حلف شمال الأطلسي) وإلا لن نحميكم بعد الآن». كل هذه الشعارات، لأنها شعارات، تصب في الاتجاه نفسه، اتجاه نقل العلاقات الدبلوماسية إلى صفقات تحمل توقيع ترامب العريض، الذي يشهد عليه العالم أمام كاميراته، كما عودنا.
ترامب رجل أعمال ورجل تلفزيون الواقع. والخطر في تطبيق السلوكيات الموروثة عن هذه الخبرة، وهي نقطة ننساها لأننا لم نعتد عليها بعد، لقد أعاد ترامب صياغة السياسة على صورة السوق، فحيث يستشعر الخطر ينفذ الهجوم، وحيث ينخفض الخطر يعلق الهجوم إلى حين، لكن هنا، لا نعطي الأسبقية للخطر العسكري، نتحدث عن خطر انهيار الأسهم التي يتقرر على أساسها، هل ينفذ التدخل العسكري أم لا. والفرق كبير.. الفرق كبير بين مقاربة تقليدية قائمة على تبرير تدخل عسكري بذريعة «حسن النوايا» المعتادة المبنية على «إعادة الديمقراطية لأصحابها»، بواسطة» إبعاد الأشرار» و»ضمان سلامة الطيبين».
لقد أعاد ترامب صياغة السياسة على صورة السوق، فحيث يستشعر الخطر ينفذ الهجوم، وحيث ينخفض الخطر يعلق الهجوم إلى حين
(غير أن «الطيبين» هنا، مطالبون بتدبير شؤونهم بمفردهم بعد أن» تتم تهيئة الأرضية لهم) وتحويل قوانين السوق المحكومة بتذبذب الأسهم وتقلب الأسعار إلى قوانين حرب تقشعر لها أبدان جنرالات «يو إس آرمي». أكثر من أي وقت مضى، لا نعلم البتة إلى أين ستقودنا هذه الحرب.. ليس إلى الانتصار، هذا بالتأكيد، لسبب بسيط: هنا، لا أحد قادرا حتى على تحديد طبيعة انتصار. يذكرني هذا الوضع بوضع كان قد أجاد وصفه إيليا أبو ماضي في قصيدة تغنى بها محمد عبد الوهاب في أغنية شهيرة عوتب عليها لاحقا لتبنيها تيار الوجودية الفلسفي المعروف بمساءلته مصير الإنسان مساءلة ملحة. فلنستمع إلى بعض هذه الكلمات :
أنا لا أذكر شيئا من حياتي الماضية
أنا لا أعلم شيئا عن حياتي الآتية
لي ذات غير أني لست أدري ما هي
فمتى تعرف ذاتي كنه ذاتي
لست أدري
أليست هذه الكلمات قابلة للتطبيق – ليس مجرد على من يخوض هذه الحرب فعليا – بل على كل من يتم جره جرا إلى حرب بالوكالة يدعي الكلام الرسمي أنها تعلم «إلى أين تسير» وكيف تحقق للإنسان «ذاته»؟!
أجل، في هذا العالم الذي تسعى فيه أكبر قوة اقتصادية في العالم، إلى نزع قيم الإنسانية عن ذات الإنسان، في وقت يستبدل فيه تدبير الأخلاق والمثل بتدبير الصفقات والولاءات، هي «الذات» نفسها التي تتحول، لا أقل ولا أكثر، إلى موضع مساءلة. «فمتى ذاتي تعرف كنه ذاتي؟». من دون أدنى شك، تدفعنا شؤون الساعة وشجونها إلى ترقية هذا السؤال إلى مستوى الذات الجماعية. عندها، لا يكفي التحليل الشخصي ولا النفسي، بل تتحتم ضرورة التحليل الذاتي. وكل وجهة ستنحرف عن هذا الطريق، ستبقى وجهة خطر.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
الخوارزميات الرقمية أحياناً تتحول إلى “آلة زمن” مذهلة، فما إن تكتشف شغفك بتتبع شخصية ما (مثل ترامب) حتى تبدأ في التنقيب عن كنوز الأرشيف لتكشف لك عن لقطات تبدو اليوم وكأنها من عالم موازٍ. كذلك المقطع النادر لدونالد ترامب في عام 1991 وهو يدير قرعة كأس الرابطة الإنجليزية من الطابق السادس والعشرين ببرج “ترامب تاور، أو ربما فيديو آخر يضع أمامك أخبار سباق “Tour de Trump” الذي أراد من خلاله احتكار بريق الدراجات الهوائية في أمريكا و منافسة أعرق سباقات أوروبا. هذه الومضات الأرشيفية تكشف كيف كان ترامب يمارس فن “الاستحواذ على الضوء” قبل عقود من طموحاته السياسية؛ و كيف أن “الترامبية” لم تكن وليدة الصدفة السياسية، بل هي مشروع استعراضي بُني لبنة فوق أخرى في صرح الثقافة الشعبية.