وسط مؤشرات على تأجيل ضربة أمريكية محتملة ضد إيران… الرأي العام الأمريكي يعارض التدخل

رائد صالحة
حجم الخط
1

واشنطن ـ «القدس العربي»:  في ظل أجواء إقليمية متوترة وتصعيد غير مسبوق في التهديدات، برزت خلال الأيام الأخيرة مؤشرات على أن الضربة العسكرية الأمريكية المحتملة ضد إيران قد تكون أُجِّلت أو وُضعت مؤقتًا على الرف، بعد أن كانت تقارير غربية تتحدث عن هجوم وشيك. وجاء هذا التحوّل الظاهر بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أكد أن الولايات المتحدة «أنقذت الكثير من الأرواح»، في إشارة إلى تراجع إيراني عن تنفيذ إعدامات بحق متظاهرين، ما فتح الباب أمام سيناريو التهدئة المؤقتة بدل الانفجار العسكري الفوري.

وكشف مسؤولون أمريكيون لشبكة «فوكس نيوز» أن الولايات المتحدة بدأت تحريك أصول عسكرية باتجاه الشرق الأوسط، بما في ذلك حاملة طائرات واحدة على الأقل، في خطوة وُصفت بأنها «تهيئة القوة»، أي رفع الجاهزية العسكرية لإتاحة خيارات متعددة للرئيس ترامب في حال قرر توجيه ضربات ضد إيران. ورغم هذه التحركات، لم تُحدد هوية الحاملة المتجهة للمنطقة بدقة، وسط تقارير عن احتمالية أن تكون يو إس إس أبراهام لينكولن أو إحدى حاملتي الطائرات اللتين غادرتا نورفولك وسان دييغو في وقت سابق من هذا الأسبوع. ومن المتوقع أن يستغرق وصول الحاملة إلى المنطقة ما لا يقل عن أسبوع، مع استمرار نشر أصول دفاعية إضافية ضد الصواريخ لحماية القواعد الأمريكية وإسرائيل.
في الوقت ذاته، تكشف استطلاعات رأي حديثة عن معارضة واسعة داخل الولايات المتحدة لأي تدخل عسكري جديد، وهو عامل يضيف ضغوطًا على البيت الأبيض في واحدة من أكثر الأزمات حساسية منذ سنوات. فقد أظهر استطلاع أجرته وكالة «أسوشيتد برس» بالتعاون مع مركز NORC لأبحاث الشؤون العامة أن 56 في المئة من الأمريكيين يرون أن ترامب «ذهب بعيدًا» في استخدام القوة العسكرية خارج البلاد، مقابل 35 في المئة قالوا إن سياسته كانت «في محلها». كما عبّر 61 في المئة عن عدم رضاهم عن السياسة الخارجية الأمريكية عمومًا، في حين لم تتجاوز نسبة من يطالبون بالمزيد من التدخلات العسكرية 8 في المئة فقط، وهي شريحة محدودة يرى مراقبون أنها تحظى بتأثير مبالغ فيه داخل دوائر القرار.
منذ مطلع كانون الثاني/يناير، صعّد ترامب لهجته تجاه طهران، ملوّحًا بـ«إنقاذ» المحتجين في حال استخدمت السلطات العنف ضدهم، ثم عاد هذا الأسبوع ليقول إن «المساعدة في الطريق». وردًا على سؤال بشأن احتمال إعدام متظاهرين، قال: «إذا فعلوا ذلك، سنتخذ إجراءً قويًا جدًا»، مؤكدًا أن هدفه في إيران هو «الانتصار».
لكن في تحوّل لافت، قال ترامب في اتصال هاتفي مع شبكة NBC News إن الولايات المتحدة «أنقذت الكثير من الأرواح»، في إشارة إلى ما اعتبره وقفًا لإعدامات كانت مقررة. ومع ذلك، أبقى الرئيس الباب مفتوحًا أمام كل السيناريوهات، قائلًا: «لن أقول لكم إن كنت قد قررت التحرك أم لا»، في رسالة تعكس تعمّده الإبقاء على الغموض كأداة ضغط سياسية وعسكرية.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، أن الرئيس «يفهم أن نحو 800 عملية إعدام كانت مقررة قد جرى تعليقها»، محذرة من أن «استمرار القتل سيقابل بعواقب وخيمة»، ومشددة على أن «جميع الخيارات لا تزال مطروحة على الطاولة».
في المقابل، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية أن الشاب عرفان سلطاني (26 عامًا)، الذي خشي كثيرون أن يكون أول من يُعدم على خلفية الاحتجاجات، لم يُحكم عليه بالإعدام، وأن التهم الموجهة إليه لا تستوجب هذه العقوبة، رغم بقائه قيد الاحتجاز. كما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إنه «لا توجد خطط للإعدامات في الوقت الراهن»، في تصريحات بدت محاولة واضحة لخفض منسوب التصعيد مع واشنطن.
كما أعادت إيران فتح مجالها الجويّ بعد إغلاق مؤقت استمر عدة ساعات، وهي خطوة فسّرها محللون على أنها رسالة تهدئة إضافية، رغم استمرار الخطاب المتشدد من بعض القادة العسكريين الذين أكدوا استعداد البلاد لاستخدام «كامل قدراتها» لقمع ما تصفه بـ«الاضطرابات المسلحة». على الأرض، بدأت الولايات المتحدة إجلاء بعض أفرادها من أكبر قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط، في قطر، كإجراء احترازي، وسط تقارير عن إعادة انتشار قوات أمريكية وسحب جزئي لعناصر بريطانية. كما طُلب من موظفي السفارة الأمريكية ومدنيين في السعودية توخي الحذر، ما يعكس استمرار المخاوف من ردود إيرانية محتملة في حال انزلاق الأمور مجددًا نحو المواجهة.
وفي تصريحات من داخل واشنطن، حذّر النائب الديمقراطي غريغوري ميكس من مخاطر أي تدخل عسكري أمريكي بذريعة دعم المحتجين، قائلًا: «قد يؤدي أي عمل عسكري إلى نتائج عكسية، عبر إضعاف الحركة الشعبية وتعزيز رواية النظام وإلحاق أذى واسع بالمدنيين».
وتشهد إيران أكبر موجة احتجاجات منذ الثورة الإسلامية عام 1979، امتدت إلى نحو 187 مدينة، بحسب منظمات حقوقية. وأفادت وكالة «نشطاء حقوق الإنسان» (HRANA) أن عدد القتلى تجاوز 2.600 شخص، بينهم عناصر أمن، إضافة إلى أكثر من 18 ألف معتقل، وسط تعتيم إعلامي وانقطاعات واسعة للاتصالات. وترى منظمات دولية، بينها «العفو الدولية»، أن السلطات نفذت «أعنف حملة قمع» حتى الآن، في محاولة للحفاظ على بقاء النظام، رغم تآكل شرعيته السياسية والاجتماعية بشكل متسارع.
في هذا السياق، قد يكون من المفيد التذكير بأن وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو أثار في وقت سابق من هذا الشهر جدلًا واسعًا بعد تغريدة أشار فيها إلى أن عناصر من جهاز الموساد الإسرائيلي متورطون بشكل مباشر في الاضطرابات، مضيفًا: «سنة جديدة سعيدة لكل إيراني في الشوارع، وكذلك لكل عميل موساد يسير إلى جانبهم». ولاقى هذا الطرح تداولًا واسعًا في الصحافة الإسرائيلية، فيما سخِر بعض المعلقين من هذه الادعاءات معتبرين أنها «انتفاضة شعبية» وليست مؤامرة خارجية.
ويُذكر أن بومبيو، الذي شغل منصب وزير الخارجية خلال الولاية الأولى لترامب وكان قبلها مديرًا لوكالة الاستخبارات المركزية «CIA»، صرّح سابقًا بأن الهدف من العقوبات القاسية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران لم يكن الضغط على الحكومة لتغيير سلوكها، بل الضغط على الشعب الإيراني نفسه لتغيير الحكومة. وقال حينها إنه لا يتوقع أن تغيّر العقوبات سلوك طهران، لكن «ما يمكن أن يتغير هو أن يغيّر الشعب الحكومة».
ويعكس ذلك بوضوح أن سياسة «التجويع بالعقوبات» لم تكن موجّهة ضد الحكومة الإيرانية، بل ضد الشعب الإيراني، بهدف دفعه إلى اليأس والفقر إلى درجة الانخراط في صراع داخلي ضد سلطته. ولا شك أن الضائقة الاقتصادية تُعد عاملاً رئيسيًا في تأجيج الاحتجاجات، في حين يزداد هذا الأسلوب قسوة حين يتضح أن الدافع الحقيقي وراءه ليس حماية حقوق الإنسان، بل السعي للهيمنة والنفوذ الجيوسياسي.
بين معارضة داخلية أمريكية واسعة لأي تدخل عسكري، وإشارات إيرانية متناقضة بين التهدئة والتشدد، وتحركات عسكرية احترازية في المنطقة، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات. وتتراوح التقديرات بين استمرار واشنطن في سياسة الضغط والمناورة على حافة الحرب، أو العودة إلى خيار الضربة العسكرية في لحظة مفصلية قد تشعل مواجهة إقليمية واسعة، خصوصًا في ظل نشر أصول بحرية وجوية إضافية، بما في ذلك نحو 30 ألف جندي أمريكي في نطاق القيادة المركزية الأمريكية، وثلاث حاملات طائرات أمريكية منتشرة في مناطق أخرى من العالم، مع تجهيز أنظمة دفاع صاروخي لتعزيز حماية القواعد الأمريكية وإسرائيل.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا بقوة: هل يكتفي ترامب بتأجيل الضربة وإدارة الأزمة على حافة الحرب، أم يعيد تفعيل الخيار العسكري في الأيام المقبلة؟ وما إذا كانت المؤشرات الأخيرة، من تراجع تنفيذ الإعدامات إلى فتح المجال الجويّ الإيراني وإجلاء بعض القوات، تعكس بداية سيناريو تهدئة أوسع، أم مجرد توقف تكتيكي مؤقت في لعبة التوترات بين واشنطن وطهران، يظل سؤالًا مفتوحًا أمام صانعي القرار والمراقبين على حد سواء.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    ههه عصابة ترامب لا تؤتمن، أبدا أبدا أبدا

اشترك في قائمتنا البريدية