وعد ستارمر في مقابل وعد بلفور

مع كتابة هذه الكلمات تكون بريطانيا قد اقتربت خطوة نحو الاعتراف بذنبها التاريخي، إثر وعد بلفور المشؤوم، من خلال إعلان رئيس وزرائها كير ستارمر عن جاهزيته الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وليكرر هذا الإعلان ومن على منبر الأمم المتحدة وزير خارجيته ديفيد لامي. إعلان ستارمر ووزير خارجيته، وإن اعتبره الكثيرون خطوة بالاتجاه الصحيح وقفزة تاريخية مهمة، إلا أنه لم يأتِ خالياً من الشروط، بل جاء مقروناً بكون بريطانيا جاهزة للاعتراف، ما لم تغير إسرائيل الواقع المعاش في غزة وحربها المدمرة، وتسمح بدخول المساعدات وتوقف مصادرة الأرض في الضفة الغربية والتأثير على حل الدولتين.
إعلان ستارمر ولامي لم يكن ليأتي لولا معاناة الشعب الفلسطيني ونضالاته، ولولا بشاعة الصور التي وردت وترد تباعاً من غزة، ولولا واقع السرطان الاستيطاني الإحلالي في الضفة الغربية، ولولا بشاعة الحرب بتفاصيلها على الفلسطينيين بقيادة ثلاثي الطيش السياسي في تل أبيب، نتينياهو وسموتريتش وبن غفير. موقف لم يكن ليصدر أيضاً لولا تعاظم الضغط الداخلي على حكومة ستارمر من أركان حزبه، الذين وقع 230 برلمانياً منهم على رسالة تطالبه بالاعتراف، ولولا الضغط البشري الهائل لإنهاء محرقة الفلسطينيين ووقف حرب الجنون التي تقودها حكومة التطرف الصهيوني.

سياسة الخبز مقابل الكرامة، والطعام مقابل الحرية، والمساعدات مقابل الاستقلال، يجب أن تزول من معجم السياسة البريطانية، فاليوم يومكم في داونينغ ستريت فإما أن يكون وعدكم فيصلاً، وإما لا داعي له

موقف ما كان سيصدر حتماً، لولا إعلان فرنسا الأخير، نيتها الاعتراف بفلسطين في سبتمبر المقبل، وخلال أعمال المؤتمر الذي تقوده باريس ومعها العربية السعودية، موقف لم يكن لولا ثبات مجموعة من العواصم العربية، أمام هول التهجير والتطبيع والتركيع. خطوة كبيرة ومهمة تأخرت لأكثر من قرن من الزمن، إلا أنها وبشروطها جاءت منقوصة الزخم والدافعية، إذ ما كان من المفروض أن يقرن وعد ستارمر/ لامي بشروط، فهل إدخال إسرائيل 1000 شاحنة من الطحين غداً سينتفي الوعد، ويصبح غير قائم، بل حبرا على ورق؟ سياسة الخبز مقابل الكرامة، والطحين مقابل السيادة، والطعام مقابل الحرية، والمساعدات مقابل الاستقلال، يجب أن تزول من معجم السياسة البريطانية، فاليوم يومكم في داونينغ ستريت (مقر الحكومة البريطانية في لندن) فإما أن يكون وعدكم فيصلاً، وإما لا داعي له. لا مجال للمناورة والمراوغة والمواربة بعد اليوم، فلامي المحتفي بإعلانه الذي رشح مع كتابة هذه الكلمات، قد أسند كلامه إلى وعد بلفور المشؤوم، ليذكرنا ويذكر العالم بأن ذلك الوعد، ارتبط بشرط الحفاظ على حقوق الفلسطينيين وعدم تغيير الواقع، إلا أن ذلك والكلام للامي، لم يحدث، ما جعل بريطانيا تتخذ قراراً بالاعتراف. لامي بدا فخوراً منتشياً بإعلانه وهو الذي وضع جهداً ملحوظاً للوصول إلى هذا التحول الجبار في السياسة البريطانية، بل بدا وأمام تصفيق أغلبية أعضاء الجمعية العامة بالوعد الجديد، وكأنه انتقم من الماضي الاستعماري لبريطانيا، الذي جعل من أسرته ضحايا هذا الاستعمار ذات يوم.
حسناً فعلت بريطانيا اليوم لكن فعلها منقوص لا محالة، فالشعوب وسعادتها وحريتها واستقلالها لا تقاس بحجم المساعدات التي تردها، ولا بأرغفة الخبز الذي تحصل عليها، بل بحجم الحاجة الكبرى لمعالجة خطأ تاريخي غائر، وإحقاق الحقوق وتطبيق العدالة وإنفاذ القانون الدولي. اليوم يومكم أن تجعلوا شروطكم خطوات مكملة للاعتراف لا بديلاً عنه. اليوم يومكم بأن تبتعدوا عن المناورة والتكتيك، فالسياسة فن الممكن وفن المستحيل أيضاً، فلتكونوا مع المستحيل في فعله وتحقيقه وتثبيته لا بإثقاله بالشروط والذرائع.
فلسطين حرة مستقلة، كاملة السيادة وعضواً دائما في الأمم المتحدة، هو تكفير واضح عن ذنب استفحل، وجرح استشرس، وظلم استحكم، فهل تفعلها بريطانيا في سبتمبر المقبل، أم يعود ستارمر في بحبوحة سياسية فيبتلع ما قاله؟ ننتظر ونرى !

كاتب فلسطيني

[email protected]

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. رامي:

    عمل كل ما يلزم ويسهل حصول الإعتراف الرسمي على طريق الاستقرار بدولة وإستقلال (حل الدولتين)… الممكن متغير وليس ثابتا… ما يشغل الرأي العام العالمي الان قد لا يصبح شاغلا له بعد مرور فترة من الزمن…
    هناك تهديد جدي بضم أراض من غزة، هل هناك خطة عمل رسمية عاجلة لملء حالة الفراغ الممتدة زمانيا التي أوصلت فيما أوصلت إلى تهديد بخطوات معقدة وكارثية… قد يكون هناك حاجة لأفكار من خارج الصندوق وليس من خارج المعقول… تهديد الضم هو تهديد جاد وهو غاية في الخطورة والتعقيد… اليمين كان وما زال مسكون بأفكار الضم والتدمير والتهجير…
    شعب بلا دولة هو شعب يقع في الفراغ وينثر في الهواء…
    هناك شعب من المجوعين، والمكلومين، والمبتورين، والوحيدين، شعب متلهف للإلتفاف حول من يحنو عليه…

  2. يقول د. رامي:

    خطة عمل رسمية عاجلة بالتنسيق مع الأطراف العربية والدولية ذات العلاقة لملء حالة الفراغ الممتدة زمانيا والتي أوصلت الى إستمرار الكارثة إلى هذا اليوم بلا حل جزئي أو كلي والى تهديدات جادة وغاية في الخطورة وفي التعقيد والمتمثلة بضم أرض من غزة… اليمين الاسرائيلي ما زال مسكون بأفكار الضم والتهجير…

  3. يقول د. رامي:

    ما يجعل هذه الإعترافات مقدمة لمشروع دولة قائمة هو إستمرار وجود شعب على أرضه، وإستمرار عملية الإصلاح الحكومي والمؤسساتي بجميع أبعادها ذات الطابع الوطني والمجتمعي والخدماتي… البلد الذي ينجح في بناء الإنسان الجيد تأتيه بقية الأمور الجيدة تلقائيا…

  4. يقول د. رامي:

    اليمين الإسرائيلي ما زال مسكون بأفكار الضم والتهجير، وبالتالي أخذ تهديدات ضم أراض من غزة على محمل الجد، وتقدير أن هكذا خطوة هي في غاية الخطورة بما تحمله من تعقيد للمشهد ولواقعية عناصر الحل على المدى القريب والبعيد… تهديد الضم هذا في نظر الكثيرين يستدعي خطة عمل رسمية عاجلة بالتنسيق مع جميع الأطراف ذات العلاقة محليا واقليميا ودوليا لملء أي فراغ ما زال قائما على طريق إستعجال نهاية الكارثة وبدء مرحلة جديدة ضمن مفاهيم وطنية تلبي متطلبات بر الأمان للجميع بصياغة وأبعاد وطنية لا تتصادم مع ثوابت النظام الدولي ولا تتجاهل واقع الممكن المتغير…
    شعب بلا دولة هو شعب يقع في الفراغ وينثر في الهواء…

  5. يقول برهوم:

    وماذا عن وعد ابو مازن الفلسطينين بدولة مستقلة قبل اكثر من خمسة عشر عاما ؟

    وماذا بقي من اراضي الضفة الغربية لتلك الدولة ان جاءت؟

اشترك في قائمتنا البريدية