وقف إطلاق النّار: خُدعة أبريل في الشرق الأوسط

تتحدث التقارير الدولية عن مساعٍ للوصول إلى موافقة على وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران، مجنِّبةً المنطقة مزيدا من الحرب والدمار. ومع أنّ أطراف النزاع تتباهى بالنصر، وكلٌّ يغنّي عبر تغريداته، فإنّ ذلك يعيدنا إلى أهم البنود التي يمكن أن تنتج عن أي اتفاق يوقف صوت المدافع.
كانت البنود العشرة بين طهران وواشنطن تشير إلى بقاء المنطقة متوترة، ما لم يتم التوافق عليها، وهو ما استُقبل كمتنفس لإعادة فتح مضيق هرمز، والدفع باتجاه حلول مستدامة للملاحة. لكن هل احتاج الإيرانيون إلى حربٍ تضرب أسس النظام كي يقبلوا «رهانا مبدئيا» يعيد صياغة وثيقة اتفاق قادها جواد ظريف مع وزير الخارجية الأمريكي؟ أم أنّ العدوان الغربي على الجمهورية خطّ الورقة الختامية لشرق أوسط جديد، ترسمها رهانات جغرافيا متشابكة، مقبلة على صراعات داخلية، ناهيك من استباحة إسرائيل دولا قادت شعوبها انتفاضات لاستكمال مشروعها الاستقلالي؟
قد يبدو اتفاق وقف إطلاق النار استراحة مجانين مهوسين بالحرب، أو مرحلةً مبدئيةً مهمة لإنهاء اختلال توازن القوى ضد شعوب خالدة في التاريخ. غير أنّ تجربة الشرق الأوسط مع اتفاقات وقف إطلاق النار كانت، في بعض الأحيان، تمثّل خدعةً يُقاد إليها المقاوم للاستعمار، لا مقيّد اليدين ولا معصوب العينين، لكنّه يُوهَم بأن لغة التفاوض تكفي لردع أحد أبشع الاحتلالات، وأخطر الإمبراطوريات التي شهدها التاريخ الإنساني، إذ يمكن أن نتفاوض على المضائق والنفط وغيرها من مقومات الشركات العابرة للحدود، وعلى الثقافة والهوية، ونحرّك الجيوش والبوارج، ونحشد الملايين دروعا بشرية، حتى تتضخم الحسابات المالية للإمبراطورية، وينعم الاحتلال بمزيد من الأراضي المستباحة بالدم والنار. فهل حقا تشكّل المفاوضات حلا لمستقبل تحرّري، أم أنّها أداة ناعمة لاستمرار الحرب؟

الوقوع في فخّ التفاوض من أكثر الخدع شيوعا لدى الإمبراطورية، فهل ينجح المفاوضون في تجاوز عتبة التفاوض نحو التزام تاريخي يحفظ الحقوق ويحترم إرادة الشعوب في الحياة؟

ما لا يُتفاوض عليه

حين يُعلَن عن جولة مفاوضات بين أطراف النزاع، فإنّ الورقة التي ستُكتب عليها البنود قد لا تكون بيضاء تماما؛ إذ تكون عناوينها الكبرى مسجّاة بحبر الدم، وتُصاغ حروفها وفق مصالح اقتصادية بعيدة عن المآسي التي تصنعها الحروب. فثمّة معضلة حقيقية في مفهوم المفاوضات، بوصفها استمرارا للحرب بطرق دبلوماسية ناعمة، من دون الاهتمام الكافي بالضرر الإنساني المترتب عليها، الذي ترسمه الوساطة، فتجعل الضحية والجلاد في مرتبة واحدة. إنّ التفاوض الذي يتغاضى عن إنهاء المأساة، أيًّا كانت تعبيراته، يتحول إلى استهداف للحضارة والإنسانية معا، ومن أجل ذلك، يكون إيقاف المأساة المستمرة بواسطة المفاوضات مرتبطا بقدرة الوساطة على فتح مسار آخر، ليس بالضرورة أن يكون مسارا ثالثا، نحو معالجة أسباب الصراع لا نتائجه، والدفع قدما لحماية ما يُفترض أنّها القيم المشتركة المعزِّزة للحضور الإنساني، ضمن لوائح القانون الدولي. فلا حاجة إلى ورقة بيضاء لا تسع كلماتها الإقرار بالعجز عن البحث عن حلول نهائية لأعقد المسائل حساسية في التاريخ. ويترتب على المفاوضات، بوصفها محطة مهمة للدبلوماسية، أنّها تتعثر مع التحيّز المفرط في استخدام العبارات وانتقائها، في إطار تقاربي سياسي لا يُسكت صوت المدافع، بقدر ما يفتح جبهات تضليل عسكرية، للذهاب إلى خيارات أكثر مأساوية وانتقامية. وهذا الإلغاء السياسي القائم على التضليل، بواسطة المفاوضات، تنجم عنه استحالة الوصول إلى حلول مستدامة لحماية المدنيين، إذ لا يزال التهديد باستخدام القوة قائما.
وبالنظر إلى أنّ المفاوضات تُعدّ حلا استثنائيا للأزمة، فإنها قد تُشرعن العدوان ليعيد إنتاج العنف ضمن شكل قانوني مبرَّر؛ إذ آلت إلى حالة من عدم الاستقرار الدبلوماسي، لتتحول من طريق نحو السلام إلى أداة سياسية غرضها التفاوض لتمرير مشاريع أعنف من الحرب ذاتها، أو إلى تضليل قائم على التفاوض من أجل التفاوض فحسب. ومن أجل ذلك، يتم التلاعب بمصير الملايين وحقوقهم في الحياة والعدالة والكرامة، في سبيل فتح المضائق أو عودة الحركة الملاحية التجارية إلى طبيعتها. فما لا يمكن التفاوض عليه ليس الحق في الحياة، والثوابت الإنسانية والقانونية والدولية، بل مصالح ترسمها القوى المهيمنة ضمن نسق إمبراطوري، يتأله فيه السوق، وتموت فيه الالتزامات الأخلاقية للحضارة.

خدعة أبريل البيضاء

في كثير من الأحيان، تُسهم المفاوضات في حلّ الكثير من القضايا الحسّاسة، خاصة تلك التي تكون نتائجها قاسية ومظلمة. فعلى الجانب الإنساني، يتوقف مصير الملايين من البشر على نية أطراف النزاع المتفاوضة، ومدى جدية الالتزام بالبنود التي يمكن أن ترسم ملامح سلام دائم، وفقا للحقوق الإنسانية العامة، لا للتقاطعات الاقتصادية والتجارية. في المقابل، تتلخّص فكرة التفاوض، لدى البعض، في كونه فخّا استراتيجيا لا يوقف صوت المدافع، ولا يمنع مصانع التسليح من زيادة إنتاجها العسكري لجبهات القتال. ولننظر في ما تعتمده إسرائيل في اتفاقات وقف إطلاق النار، وكيف تستهدف البنى التحتية والصحافيين والمدنيين، بدعوى أنّ الإطار التفاوضي لا يمكن أن يشمل من تعتبرهم «إرهابيين»، حيث تكون المقاومة دافعا لاستكمال الحرب ضد جغرافيا الشرق.
وحين نرى التجاذبات الحاصلة بين قوى المقاومة والحكومات المناوئة لها، وعلى رأسها القيادة اللبنانية، حول استقلالية التفاوض عن فكرة توحيد الجبهات، ندرك أن المنطقة تمرّ بمرحلة حرجة من العمل العربي والإسلامي؛ حيث لا يكون الاحتلال الصهيوني وحده سببا لأزمات المنطقة، بل تُتَّهم البنادق التي تواجه أعتى قوى البربرية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، رغم تمسكها بغصن الزيتون طمعا في إنهاء الإبادة. فما معنى أن تقف الحكومة اللبنانية ضد إرادة تاريخية شعبية قدرها مواجهة الاحتلال، بينما تتداعى بخطاباتها اللينة والسلمية للتفاوض مع من يرفض أن يكون لبنان دولةً ذات سيادة؟ أليس حريّا ألا نذعن للسردية الصهيونية ومشاريع التقسيم في المنطقة؟
ربما يعيش الشرق الأوسط، والعالم كذلك، على وقع الكلمات التي ستخطّ اتفاقا مبدئيا بين إيران وأمريكا، لكن الصراع يبقى ممتدا خارج ورقة بنودها، التي لا تعدو أن تكون حبرا في سلسلة أكاذيب الإمبراطورية. فسجلّ أمريكا وإسرائيل في الالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار محل جدل، وهما اليوم تلقيان بميثاق حقوق الإنسان والقانون الدولي في سلّة المهملات. إذ إنّ نهاية عملية التفاوض لن تكون بذات القدر الذي يريده المُغيَّبون والمُهجَّرون. ففي عام 2015 توصلت إيران وأمريكا إلى اتفاق على برنامجها النووي، ليعيده ترامب إلى نقطة الصفر بتغريدة ساخرة. تستمدّ عملية التفاوض التباسها من الصراع؛ فمتى كان الصراع قويا، كانت الحاجة إلى التفاوض ضرورية وملحّة. غير أنّ الوقوع في فخّ التفاوض يعدّ من أكثر الخدع شيوعا لدى الإمبراطورية. فهل ينجح المفاوضون في تجاوز عتبة التفاوض نحو التزام تاريخي يحفظ الحقوق ويحترم إرادة الشعوب في الحياة؟

كاتب جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية