لا أجد أي تفسير أدبي مُقنع للسبب الذي دفع ألبير كامو لجعل مدينة وهران في الجزائر مسرحاً لروايته «الطاعون». فالمدينة ليست سوى إطار للرواية ولا علاقة لها بمصائر أبطالها.
المدينة غير مهمة في ذاتها، وتاريخ حدوث طاعونها ليس مذكوراً. نحن أمام تجريد للشرط الوجودي في مواجهة الوباء، فلماذا أعطى الكاتب الفرنسي للمدينة اسمها العربي -الأمازيغي؟ هل لأنه أقام فيها فترة من الزمن؟ وهل يشكّل هذا سبباً مُقنعاً؟
لو ذهب كامو في رسم مدينة الطاعون هذه إلى أقصى التجريد، وتجاهل سكانها العرب بشكل كامل، لقلنا إن وهران اسم مستعار لأي مدينة فرنسية أو أوروبية، لكن الكاتب انزلق في ثلاثة أماكن من روايته إلى الإشارة إلى سكانها العرب. نعرف أولاً أن الصحافي ريمون رامبير يقوم بتحقيق لحساب صحيفة فرنسية كبرى عن ظروف حياة العرب، لكن مشروع رامبير سرعان ما يتلاشى.
ثم نعثر على العرب مرتين أخريين: الأولى، عبر إشارة إلى رواية «الغريب»، حين تقوم بائعة التبغ في حديثها مع جوزف غران بذكر عامل تجاري في الجزائر كان قد قتل عربياً في أحد الشواطئ»، أما الإشارة الثالثة فهي تذكير بمهمة الصحافي التي نسيها في فترة انشغاله بتدبير وسيلة للخروج من المدينة، حين يُذكّر رامبير الطبيب برنار ريو بها.
الرواية التي يعود الكثيرون إلى قراءتها في أيام كورونا هذه، تدور بين ثلاثة مستويات:
مستوى واقعي قائم على وصف دقيق لأعراض الطاعون الذي ضرب وهران ومعرفة جدية بتاريخ الوباء الذي ينتقل من الجراذين إلى البشر. ومستوى تجريدي فلسفي يطرح أسئلة عميقة حول علاقة الإنسان بالموت والله، والتوتر بين الفردي والجماعي. وأخيراً مستوى ثالث سوف أطلق عليه اسم الغياب من خلال تغييب سكان المدينة الأصليين، كأن موتهم لا يعني شيئاً، فالذي يعيش خارج اللغة الفرنسية الكولونيالية يموت من دون أن يكون لموته صدى.
تخيلوا معي روائياً إسرائيلياً سوف يكتب بعد نهاية كابوس «كوفيد 19» رواية تدور في مستوطنة الناصرة العليا التي صار اسمها نوف هاجليل التي يشكل الفسطينيون ربع سكانها اليوم، أو في مستعمرة كريات أربع في الخليل، ولا يلتفت إلى الفلسطينيين؟ هل سيتابع «الأقدام السود» الإسرائيليون الترسيمة نفسها التي بناها «الأقدام السود» الفرنسيون؟
لكن رواية كامو على الرغم من خللها على هذا المستوى تحمل قيمة أدبية رفيعة، جعلت الأكثرية الساحقة للنقاد لا تتنبّه إلى هذا التشوّه الكولونيالي، الذي يطرح أسئلة عميقة سبق لإدوارد سعيد أن كان من أوائل من أشار إليها في نقده لرواية «الغريب».
كي أكتنه الأعماق الفكرية والأدبية لرواية «الطاعون»، عليّ أن أتناسى أنني عربي، وأنا على استعداد لفعل ذلك مؤقتاً، فالدروس التي استخلصها كامو بعبقريته ولغته الأدبية المدهشة، تخاطب أسئلتنا الوجودية اليوم.
أقول مؤقتاً، لأنني أعتقد أننا لا نستطيع تجزئة الشرط الإنساني، إذ إن إخراج الوهرانيات والوهرانيين من حكاية مدينتهم المنكوبة هو جزء من الطاعون العنصري الكولونيالي الذي سقط فيه كامو حين أعلن في لقاء مع مجموعة من الطلاب في السويد بعد نيله جائزة نوبل، أنه إذا خُيّر بين أمه والعدالة، فسيختار أمه.
ميزة هذه الرواية الفذة هي أنها تمزج الأحداث المأساوية التي يعيشها أبطالها بحوارات عميقة تأخذنا إلى الأسئلة الإنسانية الكبرى، من سؤال الكلام إلى سؤال الصمت، ومن الخوف إلى الجنون، ومن شجاعة لا وجود لها إلى شجاعة الدكتور ريو وصحبه، وهم يقاومون وباء يعرفون أنهم ضحاياه. كما أنها يمكن أن تُقرأ في أحــــد جوانبها كرمز للاحتلال النازي لفرنسا.
مجانية الموت الطاعوني تعطي مجانية الحياة معناها بصفتها بحثاً عن خلاص أرضي فقدت السماء القدرة على التدخل فيه. وهذا ما تعبّر عنه عظة الكاهن بانولو التي اعتبرت الطاعون غضباً إلهياً وعقاباً سماوياً، فالعقاب هو «طريقة الله في حبه لكم». لكن هذا الافتراض سينهار مرتين، الأولى على لسان الدكتور ريو أمام طفل مطعون يموت: «لقد كان هذا على الأقل بريئاً، وأنت تعرف هذا جيداً… سأرفض حتى الموت هذا الخَلق الذي يُعذّب فيه الأطفال»، والثانية حين يموت الكاهن وحيداً وفي صمت بلا رحمة.
لكن هذا الحيز الفلسفي الديني على أهميته، ليس متن الرواية العميق الذي يقوم على ثلاثة افتراضات:
الافتراض الأول هو المنفى، «إن أول ما حمله الطاعون لمواطنينا هو النفي». فالطاعون الذي يغرب ثم يعود من جديد هو تذكير بالمنفى الذي يعيشه البشر. فالمنفى الداخلي وسط أمواج الموت هو أقسى أنواع المنافي.
الافتراض الثاني هو الصراع بين سعادة الإنسان وتجريدات الطاعون، أي بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، بين الهرب وخوض المواجهة مع الوباء الذي يشبه القدر.
الافتراض الثالث هو الشــرف، فالإنسان ليس فكرة، والأبطال والقديسون لا وجود لهم، الحاضر يجب أن يعاش كشكل من أشكال المواجهة، وهذا ما سيدفع الصحافي في النهاية إلى البقاء في المدينة، فالطاعون جعل من المدينة المُصابة مدينته.
كان الدكتور ريو يعرف أن أحد أشكال مواجهة الوباء هي أن يموت الإنسان بشرف وكرامة.
هذه الافتراضات الثلاثة تشكّل المفاتيح الفكرية لقراءة هذا العمل الأدبي الكبير، وتأخذنا إلى السؤال الإنساني. فبعد أن يقول جان تارو، الذي كتب مذكراته في تلك الأيام العصيبة وصار «مؤرخاً لما لا تاريخ له»، إن كل إنسان يحمل في جلده الطاعون، يطرح السؤال: «هل في وسع الإنسان أن يكون قديساً من غير الله؟» فيأتيه جواب الطبيب: «أنا لا أحب البطولة ولا القداسة، إن الذي يهمني هو أن يكون المرء إنساناً».
وبعد هذا الحوار يسبح الصديقان في البحر الدافئ وكأنهما يقومان بمعمودية بديلة.
أسئلة هذه الرواية لا تنتهي، لكن سؤال موت الأطفال الذي لم يقترب منه كامو إلا بشكل عَرَضي، سوف تأتي كاتبة لبنانية- مصرية- سورية هي اندريه شديد، لتعالجه عام 1960، أي بعد ثلاثة عشر عاماً من صدور رواية «الطاعون»، في روايتها «اليوم السادس»، التي تروي حكايات الأسى ومواجهة الموت في الكوليرا التي ضربت مصر عام 1947. وهذا يحتاج إلى مقال خاص.
العالم قبل كورونا ليس كما العالم بعد كورونا! الفيروس أظهر قوته وسطوته على البشر بشكل قاصم!! ولا حول ولا قوة الا بالله
ألبيرت كامو كاتب كولنيالي كان ضد تحرير الجزائر. وعندما وصف وهران في روايته: الطاعون قال: “كل المذاقات السيئة في الشرق التقت في هذه المدينة”. وفي الغريب لم يذكر حتى اسم القتيل الجزائري من قبل فرنسي قتله مجانا حتى جاء كمال داوود ورد عليه في روايته التي نالت جائزة غونكور: مورسو التحقيق المضاد واعطى القتيل اسما وهوية
وفي ذكر الطاعون كان اولى به ان يكتب عن طاعون مرسيليا الذي اجتاحها وقتل مئات الالاف. والجرذان كانت ترتع في المدينة. فهو وصف وهران وكأنها مليئة بالجرذان. وللأسف أن الأقدام السوداء( اي الفرنسيون الذين طردوا من الجزائر بعد التحرير) اطلقوا اسم الجرذان على العرب.
حسبا ويكيبيديا: قدام السوداء (بالفرنسية: Pieds-Noirs) تسمية تطلق على المستوطنين الأوروبيين الذين سكنوا أو ولدوا في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830- 1962
الكاتب جزائري
أحسنتَ. مبدع أينما كنتَ. حفظك الله لنا من شرّ ما خلق. شكرا
حسب مايذكره المؤرخون ان وباء الطاعون كان قد ضرب الجزائر في ستينات القرن الثامن عشر اثناء فترة الحكم العثماني اي قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر بـــ 70سنة ، وهو مايدل على عدم صدقية ونزاهة هذا الكاتب الكولونيالي العنصري ،، كما وان ارض الجزائر لايشرفها ان ينتسب اليها امثال هؤلاء من الاقدام السوداء الذين اعاثوا في الارض فسادا وبهتانا .
سى احمد
تاريخ الاوئة حزين ومؤلم جدا فى الجزائر منه
انه فى ستينيات القرن التاسع عشر ضرب الجزائر المجاعة والوباء
ما بين الحربين الاولى والثانية البؤس والجوع وازمة 1929 التى ذاق اهلها منها الويلات
تاتى الحرب الثانية وتدخل فرنسا البلاد فى اقتصاد الحرب ويصبح كل شئ محرما خاصة على الاهالى كما تقول
الفرنسة ايام الحرب وحتى نهاية الاربعنيات الطاعون الذى اصاب الناس وفى التاريخ ماسي الجزائريين من الاوبئة كثيرة
/لا أجد أي تفسير أدبي مُقنع للسبب الذي دفع ألبير كامو لجعل مدينة وهران في الجزائر مسرحاً لروايته «الطاعون». فالمدينة ليست سوى إطار للرواية ولا علاقة لها بمصائر أبطالها/..
التفسير الأقرب إل الحقيقة،بكل بساطة، هو الموقف العنصري الذي اتخذه كامو ضمنا بحكم انحيازه الأكثر أو الأقل ضمنا /حسبما يقتضيه السياق الروائي/ للمستعمِر في مقابل المستعمَر.. وهذا الموقف العنصري لا يختلف، من حيث المبدأ، عن الموقف العنصري الذي اتخذه الكثير من الساسة الغربيين من ووهان خاصة ومن الصين عامة /وفي مقدمتهم ترامب/
** إل الحقيقة
** إلى الحقيقة
Interesting article today. Thank you.
شكراً أخي الياس خوري. تأخذنا معك دائماً إلى هذا العالم الفذ. لفتني قول ألبير كامو أنه يفضل أمة على العدالة. إلا أن السؤال برأيي هو ماذا كان يهمه, أن يكون إنساناً أم بطلاً. أعتقد من يختار أمة فهو يختار أن يكون إما بطلاً أو قديساً على أقل تقدير!
على فكرة،يا أخ إلياس، وبمناسبة الحديث عن تاريخ ما لا تاريخ له، أو حتى عن ما له شيء من التاريخ قبل ما أشار إليه الأخ أحمد في تعليقه بأكثر من تسعة قرون،لقد تمت تولية أسد بن فرات نفسه على القيروان في العقد الثالث من القرن التاسع الميلادي لأسباب سياسية معروفة بعض الشيء.. وما كاد أن “يستتب” الأمر به أثناء حصاره لمدينة سرقوسة /التي كان يحاربها من جزيرة صقلية الإيطالية، فيما يظهر/ حتى لقي حتفه بسبب من إصابته بمرض الطاعون بالذات.. وكان ذلك قبل أن يُدفن في قصريانة، أو في ما يُعرف الآن بمدينة باليرمو الإيطالية، حسب روايات أخرى كالصفدي في “الوافي بالوفيات”.. !!