يهوشع بن نون في غزّة

حجم الخط
12

جاكلين روز، الناقدة والأكاديمية البريطانية اللامعة، سارت في التظاهرة الكبرى التي شهدتها مدينة لندن تضامناً مع الفلسطينيين ورُفعت خلالها مطالب وقف إطلاق النار وتصادفت مع ذكرى السنوية ليوم الهدنة وانتهاء الحرب العالمية الأولى. كذلك شاركت في أنشطة أخرى تضامنية مع قطاع غزّة، كان أبرزها لقاء “مهرجان الأدب الفلسطيني PalFest في لندن أيضاً، كما وقّعت على بيانات أخرى صدرت عن تجمّعات مثل “فنانون مع فلسطين” و”أصوات يهودية مستقلة” وسواهما. هي، إلى ذلك، تشتغل منذ سنوات على الأسس النفسية للخطابات النسوية وما بعد الاستعمارية في الرواية والشعر؛ وأصدرت عدداً من الأعمال المتميزة، بينها “حالة بيتر بان، أو استحالة قصص الأطفال”، و”الجنسانية في حقل الرؤيا”، و”سُكنى سيلفيا بلاث”.
الإشارة إليها هنا على نحو خاصّ يتصل بجرائم الحرب التي تواصل دولة الاحتلال ارتكابها في القطاع، تنبثق أوّلاً من حقيقة أنّ روز يهودية أيضاً، وتنتمي إلى صفّ الأقلية الأكاديمية الأنغلو-ساكسونية التي تعترف بمقدار عالٍ وجوهري ومبدئي من حقوق الشعب الفلسطيني؛ إلى جانب نقد معمّق لمفهوم “الدولة” الإسرائيلية، بالمعاني الحقوقية والتاريخية والسياسية والسيكولوجية والأسطورية. وفي هذه الأيام التي تكثر فيها الإحالات الإسرائيلية إلى التوراة، على لسان بنيامين نتنياهو شخصياً (من سفر التثنية: “أذكر ما فعله بك عماليق…”؛ ومن كتاب صموئيل: “اذهبْ واضرب العماليق وحرموا كل ما لهم ولا تعفوا عنهم”؛ وتعداد “نسل الأبطال” أمثال يهوشع بن نون، الملك داود، يهودا المكابي، بار كوخبا…)؛ تعود إلى الذهن صيغة الفانتازيا كما اقترحتها روز بوصفها وجهة مرَضية، ولعلها قصوى أيضاً، لهوس التهويد الذي ينخرط فيه ائتلاف نتنياهو صحبة الأحزاب الدينية المتطرفة والفاشية.
وهذا تفصيل يدخل في صلب إشكالية يثيرها كتابها “دول الفانتازيا” الذي ينهض على سؤال نادر، ولكنه مشروع وشجاع: ما دور الفانتازيا في قيام الأمم وتأسيس الدول؟ هل ينبثق الاعتراض الإسرائيلي الجوهري على الدولة الفلسطينية من حقيقة خضوع الوجدان الجمعي اليهودي لفانتازيا الدولة اليهودية بالذات؟ وكيف نستطيع التماس الدليل على ذلك في كتابات أناس مثل الإسرائيليين يشعياهو ليبوفيتش (الفيلسوف الذي ينكر فكرة الدولة اليهودية) وعاموس عوز (الأديب الذي لا ينكرها وقاتل دفاعاً عنها، ولكنه ينكر حقها في تحقيق “إسرائيل الكبرى” على قاعدة الاحتلال)؛ والعربيين ـ الإسرائيليين إميل حبيبي (الذي كتب بالعربية)، وأنطون شماس (الذي كتب بالعبرية)؟
حجة الكتاب المركزية هي التالية: “لا سبيل إلى فهم الهويات والأقدار السياسية دون وضع الفانتازيا في سياقها التام”؛ ولهذا ترى روز أنّ فانتازيا التوق إلى الانتماء كانت في أساس فكرة الدولة اليهودية، وأنها على درجة من الاستحكام والشيوع والتكلّس بحيث يصعب أن تتأقلم مع تبدّل معطيات الحياة. إسرائيل لا تستطيع منح الفلسطينيين الحق في إقامة دولة مستقلة، ليس بسبب خطر وشيك داهم أو بعيد قادم فحسب؛ بل لأنّ شحنة الفانتازيا المناهضة لهذه الإمكانية عالية في الوجدان اليهودي، بحيث يلوح أنّ الأسس العقلية والمعنوية والنفسية للدولة اليهودية سوف تنهار تماماً إذا قامت دولة فلسطينية واتخذت لاحقاً صيغة فانتازيا موازية للفانتازيا اليهودية.
وفي شرح المصطلحين اللذين يشكلان عنوان الكتاب، تقول روز إنّ الفانتازيا عموماً تظلّ ممارسة فردية، وأياً كان محتواها فإنها عاجزة عن إلحاق الأذى بالعالم الخارجي أو تبديله. الدولة من جانب آخر وضمن المصطلح الغربي تحديداً، تستثير عدداً من المعاني التي تنطلق من الوجود الخارجي العام (السياسي والحقوقي) إلى الوجود الداخلي الفردي (النفسي والشعوري)؛ فتصير حالة، واستعارة، وحلماً، واستيهاماً للواقع.
وتستعير روز مفردات “عادل” و”دائم” و”شامل”، وهي المفردات/ الكليشيهات التي تتكرر في أي حديث عن التسوية في الشرق الأوسط؛ لكي تتساءل: وأي معنى يتبقى في هذه كلها إذا كانت الفانتازيا قد حرّمت عبارة “حقوق الشعب الفلسطيني” طوال السنوات التي سبقت عام 1974، حين ألقى ياسر عرفات كلمته الشهيرة أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة؟ أو كانت قد حظرت على الإسرائيليين استخدام صفة “الفلسطيني” حتى توقيع إعلان المبادئ عام 1993؟ إلى جانب أنّ روز تمضي أبعد من ذلك؛ فتناقش فكرة الحقّ بالمعنى الفلسفي والحقوقي والثقافي والتاريخي، وكيف خضعت مدلولاته لمؤثرات وضغوط الوثيقة الخفية بين الفانتازيا والدولة.
وقبل أيام، نشرت روز مقالة مميّزة في دورية مراجعات الكتب البريطانية الشهيرةLRB ، تناولت فيه مظاهر العنف في قطاع غزّة، وساجلت ــ بالجسارة الفكرية المألوفة لديها ــ عواقب الثنائيات التي تُقحم على مشهد الفظائع الإسرائيلية؛ من طراز وضع الأطفال الإسرائيليين ضحايا “طوفان الأقصى”، في موازاة (أو فوق وأسبق من)، الأطفال الفلسطينيين ضحايا القصف الإسرائيلي. لماذا، تتساءل روز، “أنّ الأسى على موت اليهود الإسرائيليين يتوجب أن ينسف الحجة القائلة بأنّ قمع الشعب الفلسطيني، على نحو مديد ومتزايد الشقاء، هو العامل الأهمّ خلف ما جرى يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر؟”.
سؤال برسم الفانتازيا، لا يخصّ أمثال نتنياهو أو يوآف غالانت أو بيني غانتس؛ فضلاً عن أيّ سياسي/ محارب إسرائيلي يأنس في ذاته إهاب يهوشع بن نون!

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سيروا على بركة الله:

    نفس الجرأة و الأمانة العلمية عندنا و عند مثقفينا … و ما أنا إلا من غزية إن غوت غويت و إن ترشد غزية أرشد … و أنا و أخي على ابن عمي و انا و ابن عمي عالغريب … الحق معنا كيف اتجهنا

  2. يقول مشرق:

    يوشع بن نون رجل صالح في قومه وهو وصي النبي موسى ولا يصح باي حال من الأحوال التكلم عليه بصوره سيئه لانه من المؤمنين بالله في ذلك الوقت . وهو حارب المنافقين من قومه بعد النبي موسى وهؤلاء منوهم يحكمون تل ابيب اليوم

  3. يقول الناقل:

    أما من حيث نسبه فهو يوشع بن نون بن أفراهيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وأهل الكتاب يقولون أن يوشع هو ابن عم النبي هود.
    وقد ذُكِر يوشع بن نون في التوراة على أن موسى عينه بأمر الرب ليخلفه في شعب إسرائيل، فقد ورد في سفر العدد الإصحاح 27 : فَكَلَّمَ مُوسَى الرَّبِّ قَائِلاً: «لِيُوَكِّلِ الرَّبُّ إِلهُ أَرْوَاحِ جَمِيعِ الْبَشَرِ رَجُلاً عَلَى الْجَمَاعَةِ، يَخْرُجُ أَمَامَهُمْ وَيَدْخُلُ أَمَامَهُمْ وَيُخْرِجُهُمْ وَيُدْخِلُهُمْ، لِكَيْلاَ تَكُونَ جَمَاعَةُ الرَّبِّ كَالْغَنَمِ الَّتِي لاَ رَاعِيَ لَهَا». فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «خُذْ يَشُوعَ بْنَ نُونَ، رَجُلاً فِيهِ رُوحٌ، وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهِ، وَأَوْقِفْهُ قُدَّامَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَقُدَّامَ كُلِّ الْجَمَاعَةِ، وَأَوْصِهِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ. وَاجْعَلْ مِنْ هَيْبَتِكَ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ لَهُ كُلُّ جَمَاعَةِ بني اسرائيل.
    – منقول –

  4. يقول عبد الله العقبة:

    يا ابو الإصباح تعجبني اختياراتك في الكتابة..
    شكرا على هذا المقال المتجحفل مع الاحداث
    والشكر موصول لجريدة القدس.

  5. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا Ossama Kulliah:

    شكرًا أخي صبحي حديدي. صديق أمريكي
    (Steven Jonas, MD, MPH, MS, FNYAS
    Professor Emeritus)
    يرسل لي مقالاته ومؤخرًا مقال جاء في بدايته.
    As I have said for quite some time, the existence of the State of Israel has proved that the age-old anti-Semitic claim that “Jews are totally different from everyone else” is totally wrong. Give Jews State Power and they can behave just as badly as anyone else.
    هذا الكلام يعود لأينشتاين نفسه الذي كان أبعد مايكون عن العنصرية.
    ترجمة: كما قلت منذ بعض الوقت، فإن وجود دولة إسرائيل أثبت أن الادعاء القديم المعادي للسامية بأن “اليهود مختلفون تماما عن أي شخص آخر” هو ادعاء خاطئ تماما. امنح اليهود سلطة الدولة وسيصبحون قادرين على التصرف بنفس السوء مثل أي شخص آخر.

  6. يقول احمد بلي احمد - اغادير:

    لو سمح لنا السادة في التحرير بابداء الرأي رجعت حليمه لعادتها القديمه
    هناك بالفعل امعات لا يستطيعون التنفس بدون الإفك والتزلف وإغداق القريظ
    ليس حبا بعلي ولكن كرها بمعاوية وحسابهم العسير ينتظرهم مهما عمهوا في الفرية

  7. يقول حنظلة الفلسطيني:

    سؤال برسم الفانتازيا، لا يخصّ أمثال نتنياهو أو يوآف غالانت أو بيني غانتس؛ فضلاً عن أيّ سياسي/ محارب إسرائيلي يأنس في ذاته إهاب يهوشع بن نون!
    هؤلاء الذي ذكرتهم لا علاقة لهم باليهودية وليسوا بيهود
    انهم صهاينة مرتزقة ومن المعروف ان الصهيونية رفضها اليهود الاوروبين ، لكن الصهيونية خلقت لهم مشاكل وحاربت اندماجهم في بلدانهم الاصلية،ولقد قال هرتزل ان افضل اصدقائنا هم المعادون للاسامية، وقال ناحوم غولدمان ان اندماج اليهود هو اخطر من معادات السامية!
    الصهيونية نازية فاشية داعشية

  8. يقول الدكتور جمال البدري:

    إنْ شاء الله سنذهب لأداء العمرة وهنالك سندعو للمجاهدين في غزة…تحياتي لأسرة القدس العربيّ كافة؛ وإلى اللقاء؛
    أيّها الأصدقاء من القراء.

  9. يقول ليلى الصباغ - الناصرة:

    إهداء إلى الأخ جمال البدري،
    [أقولُ هٰذا الكلامَ الاِحْتِرَاسِيَّ بكُلِّ تأكيدٍ شديدٍ هٰهُنَا، لمَاذا؟ – لِأَنَّنَا، نحنُ الجَاثِمَاتِ والجَاثمينَ قُدَّامَ مَرْحَلَةٍ تاريخيَّةٍ فريدةٍ من ثوراتٍ شعبيَّةٍ عربيَّةٍ ليسَ لنَا إلَّا أنْ ننظرَ إليهَا كَافَّةً بمثابةِ «ثورةٍ شعبيَّةٍ عربيَّةٍ واحدةٍ» ليسَ لنَا إلَّا أنْ ننظرَ إليهَا كَافَّةً جَسَدًا وروحًا لا ينفصِلانِ عن بعضهِمَا البعضِ ملتهبَيْنِ التِهَابًا مَوْزُونًا بميزَانٍ مُتَوازِنٍ مُتَعَدِّدِ الكِفَافِ، ولَا شَكَّ في هٰذا: فَثَمَّةَ كِفَّةٌ سُودَانِيَّةٌ وثَمَّةَ كِفَّةٌ جَزَائِرِيَّةٌ وثَمَّةَ كِفَّةٌ سُورِيَّةٌ وثَمَّةَ كِفَّةٌ فلسطينيَّةٌ وثَمَّةَ كِفَّةٌ لبنانِيَّةٌ وثَمَّةَ كِفَّةٌ يَمَانِيَّةٌ، وهَلُمَّ جَرًّا.] – يتبع

  10. يقول ليلى الصباغ - الناصرة:

    – تتمة
    [فإذا رَجَحَتْ كِفَّةٌ في حَالٍ استثنائيَّةٍ لَا مَنَاصَ منهَا، كما هي الحَالُ الآنَ في كُلٍّ من الكِفَّتَيْنِ السُّودَانِيَّةِ والجَزَائِرِيَّةِ في مُقَابِلِ أُخْتَيْهِمَا الكِفَّتَيْنِ السُّورِيَّةِ واللبنانِيَّةِ (أو حتَّى في مُقَابِلِ أُخْتِهِنَّ الكِفَّةِ الفلسطينيَّةِ هٰذِهِ – ومَا تقدِّمُهُ الآنَ من بُطولَاتٍ «طُوفَانِيَّةٍ أَقْصَوِيَّةٍ» أسطوريَّةٍ، لٰكِنْ باهظةُ المُقَابِلِ في الأروَاحِ من سَائرِ الأعمَارِ، فضلًا عن دَمَارِ المَبَاني والمَسَاجدِ والكنائسِ والمَدَارسِ والمَخَابزِ وحتى المَشافي، من لَدُن جيشِ العدوانِ الصهيونيِّ الإجرَاميِّ بدعم أمريكيٍّ وأوروبيٍّ أشدَّ إجرَاميَّةً)، فإنَّ هٰذا الرُّجْحَانَ القَائمَ لا يعني البَتَّةَ اختلالًا بنيويًّا باطنيًّا في الميزَانِ المُتَوازِنِ ذاك بقَدْرِ مَا يعني اختلالًا بنيويًّا ظاهريًّا يتبدَّى تَبَدِّيًا مُؤقَّتًا كجُزْءٍ من سَيرُورَةِ ذٰلك التَّدْوِيمِ الدَّخِيلِ واللادَخِيلِ، تدويمِ طورِ الثَّوَرَانِ المُضَادِّ الذَّمِيمِ والدَّمِيمِ في الزَّمَنِ السَّخِيلِ]
    *
    / عن، «ذٰلِكَ ٱلْغَبَاءُ ٱلْقَهْرِيُّ ٱلْتَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ ٱلْتَّقَدُّمِ أَمْ بُغَاةُ ٱلْتَّهَدُّمِ؟» (10)، غياث المرزوق

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية