يوم عالمي لحركة السترات الصفراء

بدءا، تنبغي الإشارة إلى أننا لسنا بصدد إنجاز تغطية إعلامية لحركة السترات الصفراء، التي تحتل حاليا طليعة الأحداث العالمية الأكثر أهمية وإثارة، سواء بالنسبة للرأي العام الفرنسي مركز إشعاعها، أو لمجموع دول الاتحاد الأوروبي، التي تعتبر المعنية المباشرة بتداعياتها، على مختلف الأصعدة، سواء منها الجيوسياسية، أو الاقتصادية أو المجتمعية، لذلك، وبالنظر لهذه الأهمية، ولهذه الإثارة الإعلامية التي تحظى بها الحركة، أيضا بالنظر لما تحدثه تباعا من انقلابات جذرية، في نسيج العلاقات التقليدية، القائمة بين المواطن ومؤسسات الدولة، عنت لنا وخارج أي إضاءات تفصيلية بالمفهوم الإعلامي للكلمة، فكرة تتويجها بيوم عالمي، تحتفي من خلاله شعوب العالم قاطبة، بشرارة انطلاقتها، بوصفها مؤشرا حاسما، لأهم المنعطفات المجتمعية والثقافية، التي ميزت أواخر العقد الثاني من ألفيتنا الثالثة.
وكما هو واضح، فإن اقتراحنا لهذا اليوم، لا يخلو في حد ذاته من ميل للتشفي في الخسارة العظمى التي منيت بها الأنظمة العالمية الجديدة، بشركاتها العملاقة، ومؤسساتها المدججة بترساناتها القانونية العابرة للقارات، وكذلك للأجرام السماوية، بعد أن استيقظت ذات صباح، على لون عنيد ومشاكس، مسلح بقوة إصراره، وقد غزت صفرته الفاقعة الشوارع والساحات، وبدا منتصبا بشموخ وتحد استثنائي في مفترقات الطرقات، داخل المدن وخارجها، كي يتحول تدريجيا إلى طقس شعبي، يستمد من نهاية كل أسبوع، مشروع بدايته الجديدة، المؤطرة بميكانيزمات شعارات مطلبية، لا تني تصب زيوتها الحارقة في أفران الغضب، أمام ذهول مسؤولين سياسيين واقتصاديين، فقدوا القدرة على تدبير حساباتهم، التي لم تعد تجدي معها فعالية أي بوصلة، أو تخمين مخابراتي أو أمني.
الأمر يتعلق بجيوش جرارة من المنسيين واللامفكر فيهم، الذين كانت العولمة المتوحشة تعتقد على امتداد عقود متتالية، أنها تمكنت أخيرا من إخراسهم بالاستئصال الرمزي والمنهجي لألسنتهم، كي يمارسوا دورهم صاغرين، باعتبارهم وقودا أبديا، ورخيص التكلفة، لتشغيل محركات الإنتاج الجهنمية، التي تتحكم فيها أوليغارشيات الغرب المالي، المسكونة بغيلان الهيمنة والاستعباد.

خسارة منيت بها الأنظمة العالمية الجديدة، بعد أن استيقظت ذات صباح، على لون مشاكس غزت صفرته الفاقعة الشوارع والساحات

إنهم المنسيون واللامفكر فيهم، الذين لم يخطر أبدا على بال منظري الحداثة الكونية المؤرقين ليل نهار، بالبت النظري في الإشكاليات الفلسفية والإبداعية المتعلقة بسؤال ”المنسي” إنهم سيجدون أنفسهم خلسة، أمام انفجار لا متوقع لمنسيين آدميين، يقعون خارج الدائرة الافتراضية وخارج دائرة المنسي المنتمي إلى حقول دلالية، ذات أبعاد إشارية وسيميائية، لا قبل للعين الرائية بأسرارها. كما يقعون بعيدا عن تلك الزاوية الملتبسة، حيث يتوارى الأثر المعرفي اللامرئي والمتخفي في مكان ما غامض ومنسي من وعينا وذاكرتنا الفردية والجمعية، الذي يمكن أن يسعف الباحث المتخصص في توسيع دائرة السؤال، بما هي دائرة وجود معرفي وثقافي.
هكذا إذن، ألفى فلاسفة الحداثة ومبدعوها أنفسهم اليوم، وجها لوجه، أمام منسيين مجتمعيين من لحم ودم، أجبرتهم أجهزة العولمة الجهنمية، على كتمان ما يحتدم في صدورهم المتعبة من صرخات، بفعل حاجتهم الطبيعية والموضوعية، إلى كل ما له صلة بالحد الأدنى من شروط الحياة البشرية كي لا نقول الشريفة.
منسيون غير خاضعين لأي إطار سياسي، أو أيديولوجي مسبق، عدا إطار فاقة مزمنة وقاهرة، لطالما أكرهوا على مداراتها بغير قليل من الكبرياء، وبكثير من الجرعات التخديرية، التي توزعها السلطات الاحتوائية، بسخاء عبر وسائطها المتعددة، كي تتجذر في القلوب وفي النفوس المتعبة والواهنة، قيم التقتير والكفاف والعفاف، الموجهة بمقولات التوازن العقلاني، والتقبل المنطقي و»العملي» لواقع الحال، التي تحولت إلى قوانين سارية، تتحكم في اختيارات المواطنين، سواء تعلق الأمر بالحسم في مكان تناولهم لفنجان القهوة، أو بتحديد أفقهم المستقبلي، الذي يمكن أن يتموضعون فيه، مهنيا ومجتمعيا. غير أن تشريعا بسيطا، وبفعل عوامل بدت عادية وقابلة للتحجيم، نتيجة غياب حتميتها التاريخية عن أعين الخبراء والاستراتيجيين، كانت جد كافية لإماطة الحجاب عن واقع أغلبية، غارقة في بؤس مجتمعي، لم تتمكن جدران الحضارة الفولاذية والمخملية في آن من إخفائه. منسيون، بدون قبعات بدون جوارب، بدون أطقم أسنان يلوكون بها حساء المساء الأخير، منسيون لا يملكون حتى ما يسددون به فواتير اغتسالهم وتدفئتهم، معزولون في بواديهم البدائية، أو في شققهم الباردة والخانقة، تحت رحمة سلطات تشملهم ليل نهار برعاية الإقصاء.
منسيون، جنح حقل مطالبهم إلى الاتساع تدريجيا، من المسائل الحيوية المادية والملموسة، كالشغل، الضرائب، القدرة الشرائية، الصحة، السكن، النقل، التعليم وغيرها من القضايا المتعلقة بالخدمات العامة، كي يمتد أكثر ليشمل تفاصيل جزئية، لها علاقة مباشرة بإعادة النظر في مسألة توزيع الثروة، وفي الأسس والقوانين المنظمة لمؤسسات الدولة، ومصالحها وعلاقتها بالمواطن. وكلما تضاعفت تعبئة الحركة حضورها بستراتها الصفراء، المعبرة عن عمق ما يطال جماهيرها من حيف وغبن، أصبحت خطاباتها أكثر تماسكا وأكثر نضجا، تستقطب بموجبها المزيد من الفاعلين، والمزيد من الأنصار، ما ضاعف من ارتباك السلطات التي كشفت حدة أنيابها ومخالبها «الحاقدة»، عن ضراوة عنفها الشرس، والقابل لأن يتحول بقدرة قادر، إلى آلة سحق عمياء، تطلق العنان لمطاردات شملت شرائح إنسانية، لم يعد ثمة فرق بينها وبين الجرذان التي غزت مؤخرا هي أيضا، قصور باريس شوارعها الجميلة، متاحفها ومنتزهاتها. مطاردات همجية تخلصت تماما من أقنعتها التنكرية، من قبيل الديمقراطية والعدالة والحرية والمساواة .
إنهم المنسيون ذاتهم الذين كانت تضج بصراخ حناجرهم، قصائد السبعينيات، والذين لم تكن مكانتهم يومها تقل عن مكانة الأنبياء والملائكة النارية المستشرفة لآفاق الثورات، ونهارات التغيير، قبل أن تطردهم الحداثة الشعرية من فضاءاتها، بحثا عن منسيات موغلة في الذاتية والفردانية. إنهم المنسيون الذين ضاقت بهم خلسة شبكات التواصل الاجتماعي، كي يغادروا للتو زرافات ووحدانا، استيهامات خلواتهم الدامسة، بحثا عن تواجد وتفاعل مباشر تحت الشمس، معزز بواقعيته وحميميته، حيث تمارس الأجساد حضورها، بدون أن تكون محرجة من ألم الكشف عن مضاعفات ما يطالها يوميا من قروح وأعطاب، فيزيقية وسيكولوجية.
إنهم المنسيون الذين تفتحت بيقظتهم المزلزلة، شهية أباطرة الشأن السياسي والثقافي، لاحتواء حركتهم، من خلال فتح أبواب جديدة للسؤال والقول الموحي بإمكانية إضرام نار تطهيرية وفينيقية في كل تلك المدونات، التي هي الآن تراوح دائرة حيرتها المغلقة، بحثا عن أجوبة لا تعد بغير المزيد من الانقلابات، حيث لا أحد قادر على تخمين الفضاءات التي ستميل شعوب السترات الصفراء إلى اكتساحها بمزيد من المطالب، داخل أوروبا وخارجها، من أجل إجبار العالم على الاعتراف بحق منسييه في رفع الحجاب عن أسرار حضارات لا يمكن أن تبلغ أوج اكتمالها، إلا عبر تلك الهوة المتسعة تباعا، بين أقلية أخطبوطية، وضعت يدها على كل شيء وأغلبية منسية، لا تمتلك بالكاد سوى يد يمكن أن تضعها على قلبها.
كاتب من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية