أجنحة للسفر عبر الأزمنة

حجم الخط
8

الرّاكب الذي كان قربي على طائرة (الإمارات ـ البحرين) قال لي إن الفلسفة حين تتزاوج مع فنون أخرى فإما أنّها تنتج شيئا خارقا أو تنتج دمارا.
وللحظة ما انتقل بنا الحديث إلى عصر ولادة الفلسفة وما نتج عنها من أسئلة وشكوك وبحوث وعلوم. وقد فكرت أن الشعر ربما كان بخير طيلة قرون من الزمن طالما لم يدخل في قصة حب مجنونة مع الفلسفة الفاسقة بكل مجونها وجنونها وعنفوانها.
فقبل الفلسفة كان الشعر يختصر العالم في كلمات راقصة. أما بعدها ورغم أن الفلسفة تعني «محبة الحكمة» إلا أن شيئا ما تغيّر.
فما الذي حدث؟
نحن لا نعرف متى بدأ الشعر، ولا نعرف كيف كان شكله قبل أن يصلنا بشكله النّاضج الذي أطلق عليه اسم الشعر الجاهلي. ولكننا نعرف أن هذا الشعر وثيقة تاريخية مهمة لحقبة معينة من تاريخ العرب، وأنّها لا تزال وثيقة خاما لم ندرس سوى بعض السطحيات منها، وبقي الكثير من محتوياتها العميقة مستورا تحت تلك الدراسات. وعلى هذا الأساس سواء كان الشعر وصفيا أو وجدانيا أو تعليميا، أو ملحميا أو غير ذلك من أنواع الشعر السائدة آنذاك إلا أنه لم يثر الأسئلة ولم يوصف بالمعقد واللامفهوم، إلا حين بلغ مرحلة تلاعبه باللغة وخروجه من نسق التعابير المباشرة والواضحة. حين غيّر من سحنته ولباسه وأصبح يشبه الرموز واللوحات التشكيلية التي كسر أصحابها النمط التقليدي في الرسم فظهر نوع تجريدي وآخر سريالي وأنواع أخرى لم تعد تنقل الواقع كما هو، بل تمنحه إضافات شخصية نابعة من جوهر النظرة الخاصة للفنان.
وإن كانت الألوان والصورة عموما تجد استحسانا لدى النّاظر والمتأمل، فإن الكلمة تحتاج لأضعاف تلك القدرة لفهم أبعادها، الشيء الذي صعب على شعوب دخلت حروبا وانتقالات مرحلية ومراحل غير مستقرة من التاريخ جعلت الخطاب السياسي والديني أقرب إلى فهم المرء من خطابات المعرفة والمحبة والعقل.
الشاعر في خضم مأساة التحوّل ودخوله هذه المراحل الجديدة من التّاريخ طرح الأسئلة الصعبة، حسب رؤيته وتجاوب جوارحه مع ما عاشه من مآس ولمسه من أسرار الحياة والموت، وعادة قبل إطلاق القصيدة التي وصفت بالمعقدة كانت الفلسفة قد وضعت أسسها لتمتدّ مع الزمن في تفاصيل العلوم ومختلف الأفكار الإنسانية، ثم جاء الشعر ليؤدي دوره ولكنه لم يسلم من التغيرات الحتمية لتلك الحقبة.
وإن كان البعض يقول إن الفلسفة بدأت مع طاليس قبل 26 قرنا، فإن البعض الآخر يميل إلى الاعتقاد الذي يعتبر العلوم كلها وليدة بعضها بعضا وأنها تتزاوج وتتوالد تماما كأي شيء آخر في الكون. ويصعب معرفة الحقيقة بكل دقتها بتفكيك ملايين السنين بمحتوياتها الفكرية والعلمية لمعرفة حجر البداية لكل علم.
قد تكون الفلسفة حقا أم العلوم كلها وسبب ما وصلنا إليه من اختراعات وتطور تكنولوجي، أما تطور اللغة والشعر والموسيقى وباقي الفنون فإن منبعها مختلف عن منبع الفلسفة نفسها. الأسئلة وليدة الفلسفة.. الأجوبة غير المقنعة تلد مزيدا من الأسئلة،
ومسار الأسئلة المستمر عمل شاق واجتهاد إنساني متواصل لبلوغ الحقيقة.
أمّا حين تنهكنا الأسئلة وتتوقف محرّكات العقل عند عقدة ما، نستنجد بالشعر، والموسيقى والفنون لتهدأ الآلة الخفية التي تشتغل في رؤوسنا وتحرمنا أحيانا من النّوم. ثم جاءت هذه القطيعة اللامفهومة بين الفنون وبعض الشعوب، ولا ندري هل البؤس الذي تعيش فيه نتيجة لتلك القطيعة أم أنه سبب لها. حقيقة لا نعرف، لأن الشعوب المتحضرة تُعرف بمقدار ازدهار الشعر وأنواع الفنون فيها. وقد بدأت بعض المجتمعات الراقية بالتقهقر بمجرّد ابتعادها عن الفنون.
وقديما قيل إن الشعر توأم الحب والحكمة. كما قيل أيضا إن الشعر لا يمكن فهمه لأنه ينبع من الرّوح. ومن يعرف ما الذي ينبع من الروح وما الذي ينبع من العقل؟ هنا تقف الفلسفة بين حافات الحقائق التي لا ندركها، وهي بشكل ما تقدم نوعا من الأجوبة التي تحتاج لمزيد من التمحيص رغم قبولنا لها. لا حقيقة مطلقة. ولا جواب نهائي أمام معادلات الشعر وفنون الكلام والتعابير البشرية عن مكنونات الدّاخل التي لا ترى. نحن نقول الأشياء كما نشعر بها أو كما نراها بمنظورنا الخاص جدا، وحتما يلزمنا جمع التراث الإنساني كله في زجاجة واحدة ومحاولة فهم محتواها. يجب أن نعيش داخل الشعر لنستوعبه كما قالت رنيه شديد. ويجب أن نكون مدمنين على المعرفة لنتعاطى الفلسفة، كما قال فنسنت سيسبيديس. ويجب أن نقرأ أبا العلاء المعرّي لنفهم الشعر والفلسفة معا. هذا إذا اعتبرناه شاعرا وفيلسوفا من دون الدخول في تفاصيل معتقده الديني الذي ظلّ عائقا يمنع كثيرين من اكتشاف الرّجل، مثله مثل الحلاّج الذي رغم فلسفته الواضحة المختصرة في مقولته الشهيرة: «ما رأيت شيئا إلاّ رأيت الله فيه» إلاّ أنه قتل بعد أن تمّ تكفيره، ويبدو جليا أنه سبق زمنه بمئات السنين، إذ عاش حياته وهو محاط بهالة من الإيمان ما دام كل شيء يقع عليه بصره يزيد من إيمانه وتفانيه في تسبيح لله.
ولنقل أن حظ الحلاّج كان سيئا أمام حظ المعري، حتى إن كانت مسألة الحظ هذه نسبية. لكن المؤكّد عند كليهما أن الفلسفة هي التي أوصلت الأول إلى قبره والثاني إلى الزهد الكامل في الحياة. أمّا ذخائر ما تركاه من شعر ورؤى فلسفية فحتما لها أهمية الكنوز الثمينة، لكن وحده الله يعلم متى نستفيد منها لأننا إلى يومنا هذا ندور في المتاهة نفسها، ولم نخرج من ذلك النفق القديم الذي قتل فيه الحلاج بسبب ذكائه.
أظن انّ التعقيد يكمن في أن الفلسفة والشعر شجرتان متعانقتان، تكبران معا وتتبادلان الأدوار، أحيانا تحرص شجرة الفلسفة على إعطاء ثمار واقعية يتلذذ بها قاطفها، وأحيانا أخرى تأخذ شجرة الشعر من ثمار الثانية لتحولها إلى ما هو ألذ، بخلق صورة لها تفوق ما يمكن أن تتخيله شفاه قاطفها. الفلسفة تحتاج إلى جسد لخلق اللحظة، والشعر يخلق من اللحظة جسدا لها.
أعرف أن الموضوع معقد، وقد طرحت الأسئلة من دون أن أقدم الإجابات، ربما لأنني بدأت مقالي بطرح فلسفي، والفلسفة لا تعترف بالإجابة بقدر ما يهمها السؤال، أما الشعر فهو عكسها تماما، يجيب الشعر على كل شيء حتى أننا أحيانا نرى ما تصعب رؤيته بعيون الشعر لأن أعيننا لا ترى بعيدا. ونفهم تقلباتنا وانكساراتنا وهفواتنا وأخطاءنا وأسباب فشلنا فجأة حين نرتطم بنص شعري صغير يختصرنا حتى العظم.
الآن إن لم تفهموا نصا شعريا يغوص في التعقيد فلا داعي للسخرية من صاحبه، لأنه حتما فيلسوف، أدخلوا فضاءاته من باب الفلسفة وإن لم تستطيعوا فاذهبوا للشعر الذي ألفتموه لكن لا تقاطعوا الشعر. وتذكروا أن الحلاج والمعري يعيشان إلى يومنا هذا بيننا، بسبب كل ما أثاراه من أسئلة. فلا تخافوا من الفلسفة إن لها أجنحة تسافر بكم عبر الأزمنة كلها.

شاعرة وإعلامية من البحرين

أجنحة للسفر عبر الأزمنة

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سامح // الاردن:

    * برأيي البسيط ( الفلسفة ) غموض
    ولف ودوران ونقيض ( الشعر ) الذي
    غالبا ما يكون واضحا ومباشرا
    وشكرا للأخت الكاتبة على مقالها الجميل.
    سلام

  2. يقول ابن الجاحظ:

    ” لكن وحده الله يعلم متى نستفيد منها لأننا إلى يومنا هذا ندور في المتاهة نفسها، ولم نخرج من ذلك النفق القديم الذي قتل فيه الحلاج بسبب ذكائه.”

  3. يقول د. سامي عبد الستار الشيخلي سويسرا:

    مقالك مُثير للمسافر ب”أجنحة للسفر عبر الأزمنة” ولعل زيارتنا الامكنة في عصرنا سهلة السفر في الطائرات عبر كل الحضارات الارض كما أعملها غيري وأنا لعدة أهداف ولله الحمد والشكر على نعمه وكرمه للانسان بوجوده المادي والمعنوي لفترة قصيرة من سريان نهر الزمن. الشعر لغة الشعور موهبة. الفلسفة تطرح أسئلة ماهية الوجود عقليا؟ الدين يُجيب عليهما وأكثر لمن يتعمق بالاسرار كأنوار لكشف حُجُبِ كُنْهِ ماهية وجوده “علمياُ وعملياً”رغم أنفه وأدائه لواجباته “كُلٌّ يعمل على شاكلته” كما جاء مثالك بقول الحلاج”«ما رأيت شيئا إلاّ رأيت الله فيه» فالقرءآن الكريم أجاب على كثير بإختزال ليس له نظير لمن لديه غوص في علوم الوجود بأسئلة يجد لها أجوبة لمن هو بصير.فكثير من البشر يعيش كالحمير” ولعل خلق الحيوانات تطرح أسئلة وجودها ؟ معذرة لهذا التعبير وهو واقع ملموس كالحروب والصراعات على أهداف تحت مستوى كرم الله للإنسان لفترة من الزمان للسفر بأجنحته لكرم الله له وجودا نافعا لنفسه ولبني جنسه يُكَّرَّمُ به أو يُهان في يوم انتهاء الزمان. كُل سؤال له جواب قطعا لمن يبحث. فالانسان باحث في أرض الله لإدامة وجوده بكل وسيلة. ولكنه نادرا ما يتسلق نُبُلَ كرم الله له بتفكُر خلقه من العدم وظهوره في مسيرة وجوده بتفاعلاته معها بعدة اأبعاد ليطرح أسئلته وينتظر الجواب ففي الحروب له ولغيره جني الخراب كما يحصل في بعض بلدان العرب والعالم فلا الشعر ولا الفلسفة ولا الدين ولا القيمة الانسانية لوجوده تجيب بالايجاب لهذا الغباء. أما السُخرية فهي تمثل إفلاس ماهية كُنه قيمة نفسه كظاهرة أكرمها الله كل شيء هِبة للمعرفه بنفسه وحواليه شعورا وتَفَكُرُاً عميقا وبأجنحة للسفر سجوداً وتسبيحا بعدة ألوان وأبعاد لله كواجب أعماله في حديقة الكون مُتعةً ومتاعاً الى حين. مع تحياتي لطروحاتك اللبيبة .

  4. يقول Ahmad ismaeil /Holland:

    يقول الفيلسوف واللاهوتي هيغل ;ان الشجاعة في الحق،والايمان بقدرة العقل لهما شرطان الضروريان لقيام الفلسفة،ولما كان الانسان في صميمه روحاً.او عقلاً فأن في وسعه بل من حقه ان يعد نفسه اهلاً لاسمى ما في الوجود ولكن مهما فعل الانسان فأنه لن يستطيع يكوّن فكرة صحيحة عما ينطوي عليه عقله من عظَمَة وقدرة ومع ذلك فأنه اذا آمن بسمو عقله فلن يستطيع شيء ان يقف في وجه هذا الايمان….وحسب ما يقول بعض المفكرون العرب و غيرهم قالوا; لا زال العرب يعيشون في القرن الثالث عشر ولم يتقدموا بسبب التهجّم على الفلاسفة وكتب الفلسفة.صحيح
    كان للاديان عبر التاريخ كثيرا من الفضل على تهذيب الشعوب و دفع الحضارات الى الامام . و كانت محرك للحضارة . كما كانت كثيرا من اللحيان عائق امام التطور و سبب لحروب هذا واقع.

  5. يقول سامح // الاردن:

    *الفلسفة تعني اللف والدوران
    والمتاهة والغموض بعكس
    الشعر واضح ومباشر وشكرا.

  6. يقول علي فضيل العربي - الجزائر:

    من المؤكد – لمن له بصيرة – أن الفلسفة و الشعر توأمان لأم اسمها الحكمة . و الحقيقة المرة أن الأمم التي لا تعتني بالفلسفة و الشعر مصيرها التخلف ، وهذا حال أمتنا للأسف .

  7. يقول Ahmad ismaeil /Holland:

    الحلاج……

    رأيت ربي بعين قلبي

    فقلت من انت ؟ قال أنت َ!

    فليس للأين منك أينُ

    و ليس أين بحيث أنت

    أنت الذي حزت كل أين

    بنحو لا أين فأين أنت

    وليس للوهم منك وهم

    فيعلم الوهم اين انت

    وجزت حد الدنو حتى

    لم يعلم الأين أين أنت

    ففي بقائي و لا بقائي

    و في فنائي وجدت انت

    اشار سري اليك حتى

    فنيت عني و دمت انت

    و غاب عني حفيظ قلبي

    فحيثما كنت كنت انت

    احطت علما بكل شيء

    فكل شيء اراه انت

    فمر بالعفو يا الهي

    فليس ارجو سواك انت

  8. يقول الدكتورجمال البدري:

    في ظلّ فلسفة بروين حبيب الشعرية سأقول أشتات مجتمعات…ستنشرلاحقاً في كتاب.إنّ أغلب الناس يعرفون قصّة سيدنا موسى وفرعون.وكيف خرج بنوإسرائيل إلى سيناء هرباً من طغيان رمسيس الثاني ؛ فرعون قصّة الخروج..والجميع قالوا إنّ بني إسرائيل عبروا البحرالأحمربمعجزة عصا موسى.لكن كاتب هذه السطورلم يستسلم لهذه المقولة المثيرة…رغم توافق المصادرالقديمة على نشرها.لقد شاهدت مومياء الفرعون مسجاة في قاعة المتحف المصري حتى اليوم…ولاحظت أنّ بقايا شعررأسه ما يزال محافظاً على صبغة الشعر ( الأغلب هي من الحنـّاء ).فتسآلت : لا يمكن لصبغة شعرولوكانت من أقوى الصبغات أنْ تبقى في شعرالرأس ؛ إذا لامست ماء البحرفهي تزول من أول الملامسة…لهذا تهرب السيدات اللواتي يصبغن شعورهنّ عن العوم والسباحة في المياه المالحة إلى المسابح ( النقية من الأملاح ) لكي لا تزول الصبغة فجأة ؛ فتنتقل من العروس إلى العجوز…ومن أجل ذلك قررت القيام بالتجربة العملية ؛ ليس في بحرواحد بل في سبعة بحور: المتوسط والأحمروالأسود وإيجة ومرمرة والخليج العربيّ والمحيط الأطلسي…فكانت التجربة ناجحة تماماً.إذاً من المحال أنْ يكون فرعون الخروج الذي تبع هامان والجنود ؛ في إثربني إسرائيل ؛ قد غرق في مياه البحرالأحمر.وكانت سفرات لا سفرة من أجل الوصول إلى الحقيقة…حتى علمت أنّ خبراء الطبّ في فرنسا الذين فحصوا مومياء رمسيس الثاني ؛ توصلوا إلى النتيجة نفسها ؛ من خلال فحص نسيج المومياء ؛ فوجدوه لم يلامس ماء بحرأونهروإلا لما حافظ البدن على تماسك نسيجه المتصلب مع بقاء أسنانه ثابتة كالوتد ؛ طوال أكثرمن ثلاثة آلاف سنة.هذه هي الفلسفة في السفرلا الشعرالتي كشفت السرّولوكان للفرعون…الذي كان شاعراً وخطيباً مفوهـاً ؛ لهذا أرسل الله إليه موسى الكليم ؛ ليناسب المعجزة أمام شخصه اللسن السلطان وسحرته أصحاب اللسان.

اشترك في قائمتنا البريدية