أين معاوية الرواحي؟

حجم الخط
4

يمثل معاوية الرواحي ظاهرة ثقافية وأدبية تستحق الوقوف عندها والتمعن في سيرورتها الإبداعية، ومتابعة نتاجها الأدبي المتنوع بين الشعر والقصة والسيرة الذاتية، والتدوين النصي العابر للأجناس (النص المفتوح).هو شاعر وكاتب ومدوّن عماني من مواليد 1983، أصدر ثمانية كتب في الشعر والقصة والتدوين، وله مدونة واسعة الحضور، وقناة مرئية على اليوتيوب. ويستحق معاوية الوقوف مليا عند تجربته، لسببين رئيسين:
الأول: خروجه على النمطي والسائد في الكتابة والمجتمع: فمعاوية يمثل حالة شطط شخصي ونصي على كل قواعد السمت الإبداعي التي يعيشها، أو يحتكم إليها، أو يسير ضمنها خارجيا على الأقل أغلبية الكتاب في عمان وربما خارجها، حيث يحاول الجميع خلق معادلة متوازية ومتوازنة نسبيا بين فروض الإبداع، وفرضيات المجتمع الأخلاقي والعرفي، في حالة من النفاق «الحميد» لأن الخروج على المجتمع له ضرائب كثيرة ليس الجميع قادرا عليها. أما معاوية فقد اختار وعن سبق قصدية وجنون، الخروج الصريح والواضح على تقاليد وسلوكيات المجتمع «الصارمة والمنضبطة بقانون جمعي عرفي عام» بكل وضوح، بل عمد إلى كتابة محتفياته الخاصة بهذا الخروج، وفضح علائقه المنبتة معه، وتعرية كل ما لا يتوافق مع روحه النزقة من أعراف المجتمع وسلوكيات أفراده الكاذبة أو المنافقة أو المتحايلة على الحضور الرصين بأشكال غير صادقة تماما، أو تلك المتأرجحة بين القبول والرفض والامتثال الجهري والخروج الداخلي.
إن روحه الشاعرة والمتمردة والمرتهنة بكل شفافية ونزق لروح طفل أو مجنون أو كلاهما معا، هي أهم ما يميز شخصية وقلم معاوية الرواحي، مما جعله لا يأبه لمعايير وشروط المجتمع، وبالتالي فهو يطلق جملته اللغوية مع كل طارئ وحميم بكل صدق وشفافية، وكل ما يعنيه هو تسجيل ما يطرأ على ذاكرته أو فكره أو روحه من أحداث أو أفكار، ويطرحه للعام دون تمريره على الرقابة الذاتية، التي يخضع لها كل فرد منا، ليحدد ما ينبغي وما لا ينبغي أن يقال، ناهيك عن أن يدون ذلك ويظهره للعيان.
إن نص معاوية بهذا المعنى مرآة شفيفة لروحه ووعيه ولا وعيه، فكل ما يُحاكم في الخفي من الإنسان يعالجه معاوية لغة ونصا في الظاهر من القول والكتابة والتدوين، من الشك حتى اليقين، ومن الرفض حتى اللعن، ومن القبول حتى المحبة.
ولذا فكل الأفكار الكبرى منها والصغرى لها حق الحضور النصي بين متون معاوية الرواحي وهوامشه، كالرب، والمجتمع، والروح، والجسد، والذاكرة، والألم، والحب، وغيرها من الأفكار التي ناقشها الإنسان عقودا طويلة، وذهبت فيها وجعا وألما «الأرواح المعذبة» كروح معاوية، تلك الأرواح الهائمة في حذافير الوجود، وهوامشه ومراياه المنكسرة، وغير المهتمة بما تحمله من نزق طفلي وشطط مجنون إلا بالبعيد جدا أو القريب جدا من الأشياء والأفكار، تلك الأرواح الخارجة على النمط، وغير المعنية بالقواعد والثوابت من كل شيء في الحياة وفي اللغة معا.
السبب الثاني هو الاحتفاء الخاص والحميم بالتدوين. في أمسية جمعتني بمعاوية وآخرين؛ كنا نناقش فيها النص الرقمي، صدمني معاوية ـ أنا المحتفية بفكرة المدونات قبله ربما، والتي كنت أرى في نفسي خروجا على الكثير من الثوابت المجتمعية ـ بفكرته المجنونة: «التدوين هي تلك الفكرة التي تجعلني أكتب بحرية داخلية وخارجية تماما، أي الكتابة بوزار وفانيلة». صمت وابتسمت حينها، لأنني أدركت فعلا أن هذه هي الفكرة الحقيقية لممارسة فعل الكتابة بكلها وليس التدوين فقط.
فالكتابة هي القدرة على ممارسة التعري الداخلي، والكتابة من قلب الجرح تماما، من الجرح الشخصي والعام، نقد الذات أو جلدها إذا اقتضى الأمر، ونقد المجتمع بمواجهته ومقارعته، وإحداث ذلك الشرخ الخفي في ثوابته، ذلك الذي عليه أن يكبر ويتسع حتى يبيّن الخلل والعجز في منظومته عن اللحاق بركب العصر. ولذا لا عجب أن تصدى معاوية للكتابة عن أكثر المواضيع حساسية وجرأة، عن مواجهة أشرس الثوابت والهياكل الرصينة والأصنام، والوقوف أمام قوى يمكنها سحق وتمزيق كل خارج على قوانينها وثوابتها كما حدث كثيرا.
ومع هذا استمر معاوية في مشروعه الفكري واللغوي والإنساني على كل المستويات، فأظهر تمرده على الوظيفة والأسرة والمجتمع، وأشهر أفكاره بكل الممكنات الرقمية التي أتاحها العصر، ليحقق رسالته العميقة وهي كشف القبح، وفضح النفاق السائد، وتكسير القوالب الجاهزة، وإحداث كوة في جدار المجتمع البائد والذي يرفض كل جديد، بأمل أن يصل القليل من الضوء إلى العقول الجديدة (وهو منها) فيغير تفاعلها مع الجديد، ويجعلها تراجع الكثير من الأشياء الجاهزة، ولا ترى في كل طارئ شرا مستطيرا، مبرهنا على أن الكتابة هي روح الصدمة من جهة، وقابلية إحداث الدهشة من جهة أخرى.
لقد استغل معاوية التقنية الرقمية الجديدة استغلالا حميدا، فنوّع رسائله بين المسموع والمرئي والمكتوب، وكسب بذلك جمهورا رقميا عريضا، وناقش كل القضايا التي تخدم فكره وقضيته وهي «التغيير» على مستوى المجتمع والفكرة والنص.
ورغم كل المواجهات التي تصدت له وللغته، ورغم عدم تقبل ذائقتنا المدجنة والمصنوعة وفق معايير المجتمع والتي اعتادت النفاق، أو الكيل بمكيالين لكل ما يكتبه، ولكل الصرخات الجريئة التي تطلقها بين الفينة والأخرى روحه القلقة، ونفسيته التي ينهشها الاغتراب ويقصيها الاكتئاب عن الجمع الذاهب في الفرح الساذج والقول الجاهز، استطاع معاوية ذلك.
أكتب هذا المقال، والسؤال الذي يكبر في حناجر أصدقاء الكاتب من مثقفين وكتاب وفنانين ومواطنين عمانيين: «أين معاوية الرواحي؟» وكل ما يتردد حول اختفائه ـ بلا تصريح من جهة رسمية داخلية أو خارجية ـ أنه تم احتجازه على الحدود العمانية الإماراتية، بسبب تغريدات في مواقع التواصل الاجتماعي. والسؤال الأكبر إلى متى يظل الكاتب العربي عرضة للسجن التعذيب بسبب كلمة؟
كاتبة عمانية

فاطمة الشيدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ناصر بن عبدالله العبري:

    سيظل الكاتب العربي عرضة للسجن والإعتقال طالما إستمر في فهمه للحرية وممارسته لها بشكل لا منضبط ولا محدود ، طالما تناسى أن الحرية ليست بلا أطر وضوابط تحميها وتحميه ، سيظل الكاتب العربي عرضة للسجن والاعتقال طالما الجنوح لديه كبير نحو ممارسة الحرية المؤذية للأخر ، سيظل الكاتب العربي عرضة للسجن والاعتقال طالما إستمر ( تضخم الذات ) والغرور لديه دون الإلتفات أنه أنه ليس وحده على سطح الكوكب . أسأل الله لمعاوية الفرج القريب وأن يعود لمن يقلقه غيابه وتواريه المؤقت عن المشهد وأن تشفع له طيبته وحسن نيته .

  2. يقول أبو سيف - عمان:

    نعم نقولها بصدق : الحرية لمعاوية الرواحي

    ومع ذلك نقول أيضا أن القضية مبهمة حتى الآن، ليس هناك أية أخبار أو معلومات عن معاوية ومن أحتجزه ولماذا وما هي التهمة او الجرم الذي احتجز بسببه … هل هي قضية تتعلق برأيه السياسي أم قضية جنائية.
    الأمر الآخر … الحكومة العمانية لم تنبس ببنت شفتة حتى الآن بخصوص أعتقال “مواطن عماني” من قبل دولة مجاورة ولم يكن لها تصريح أو بيان أو توضيح طوال الأيام الماضية، كأن امر معاوية لا يعنيهم بتاتا لا لكونه مدون وكاتب وإنما كمواطن عماني ايضا، وهذا السكوت توافق مع سكوت آخر من الإمارات أيضا ولا معلومات او تصاريح عن اعتقال معاوية من طرفها أيضا.

    المؤسف أيضا … أن جمعية الكتاب والأدباء ولجنة حقوق الإنسان كأن على رؤسهم الطير وكأنهم تبراوا من معاوية ونسوا الرحم الذي بينهم وبينه، ولم نسمع عن حملة شعبية أو رسمية من منظمات العمل المدني تطالب بالإفراج عن معاوية أو بدء حملة للضغط على السلطات الإماراتية والعمانية على السواء لإطلاق سراح معاوية أو الكشف عن ملابسات القضية …!!!!

    شخصيا أقول :
    عار عليكم جميعا ما يحصل
    الحكومة العمانية والحكومة الإماراتية وجمعية الكتاب والأدباء وكل محبي معاوية الرواحي.

  3. يقول فؤاد - فلسطين- جنين:

    اختي فاطمه
    الكلمه عند انظمة الاستبداد هي سيف على رقابهم

  4. يقول S.S.Abdullah:

    بعيدا عن مفهوم “الحرب على الإرهاب” بأسلوب جورج بوش “من ليس معنا فهو ضدنا” الذي تتسابق جميع وسائل الإعلام في التهليل لها مثل الجريدة الفرنسية شارلي أيبدو، ولذلك من ينبس بكلمة يتم نهش لحمه كما يحصل في وسائل الإعلام الفرنسية والأمريكية والألمانية والبريطانية مثلما يحصل في وسائل الإعلام المصرية أو العراقيّة أو السورية للنخب الحاكمة على سبيل المثال لا الحصر.

    أنا رأيي هناك فرق ما بين الفضفضة كما يحصل عند الغناء في الحمام وأنت تتمتع تحت الماء، فيكون لك مطلق الحريّة عدم الالتزام بلغة أو بلحن وتخلط الحابل بالنابل كما تشاء في شتم فلان وعلان.

    وبين ابداء الرأي الذي يجب أن يكون بلغة وفق كلمات متفق على معنى المعاني بها وهيكل جملة متفق على طريقة صياغتها من أجل أن يتم فهمك بشكل صحيح.

    وبعيدا عن أي تأويل حسب المزاجية والانتقائية بلا أي اسس لغويّة، فأن وضعك في قالب الأصحاب فيصبح كل ما يصدر بالرغم من الضبابيّة للون الرمادي فأنَّ اساسه اللون أبيض، في حين لو يتم وضعك في قالب الأعداء فيصبح كل ما يصدر منك بالرغم من الضبابيّة للون الرمادي فأنَّ اساسه اللون الأسود، في تطبيق عملي حقيقي على مفهوم اصدار أحكام بحجة معرفة النيّة، مع أنّ الله طلب منّا بكل وضوح من أنّه لا يعلم بالنيّات إلاّ الله؟!

    نحن في حاجة إلى الأخلاق أو الاحتشام بالوزرة والفانيلة كما عبر لك “معاوية الرواحي”، عند التعامل مع الـ آخر خارج الحمام، ويصبح مأساة حقيقيّة بالنسبة لي على الأقل، أن يتم اعتبار الإلتزام اللغوي به أي معنى من معاني “النفاق” أو “الرياء”؟!

    دولة “الحداثة” مهما كانت هيئتها، بدون سيادة لن يكون لها هيبة، والهيبة شيء لا يمكن فرضه بالقوّة، بقدر ما هو نتيجة لاحترام النخب الحاكمة الاحتكام والتعامل مع الشعب ممثلة بأصغر مواطن من خلال أطر القانون والدستور، بشكل متساو ولا تمييز ولا طبقيّة.

    العولمة والتقنية وأدواتها أعطت للمواطن قيمة أكبر من قيمته في دولة “الحداثة”، ومن هذه الزاوية تعاني النخب الحاكمة الآن أزمة حكم حول العالم وليس فقط في العالم العربي والإسلامي، وحكمة العرب لخصت مفهوم ثقافة الـ أنا بقول “خالِف تُعرف”، والإشكالية تحدث عندما تفعل ذلك من زاوية تتناقض مع كل ما تؤمن به كنوع من جلد الذات، إن كان من زاوية صناعة الصنم أو تكسيره من أجل الصعود على أكتافه، فقط من أجل الحصول على الشهرة.

    يجب أن ينتبه المثقف والسياسي إلى أنّ هناك فرق ما بين لغة القرآن واللسان العربي كما هناك فرق ما بين شعب الله المُختار وما بين شعب الرّب المُختار من قبل السّامريّ (الجيش والأجهزة الأمنية والقضائية) في دولة “الحداثة”، حيث كلمة الله اختص بها لغة القرآن، فمن ضمن معانيها في لغة القرآن أنَّ الله ربُّ الأرباب وليس رب من الأرباب، وكذلك من ضمن معانيها أنَّ الله خالق الملحد والمشرك والكافر والمؤمن بأي دين، وأوضحت لغة القرآن اسلوب التعايش والتكامل في الدولة من خلال ما ورد في سورة الكافرون.

    أنا لاحظت أنَّ الكثير لا يعلم أنَّ الإسلام لغة وليس فكر، لغة القرآن معجزة الإسلام، ولذلك من وجهة نظري لغة القرآن شيء، واللسان العربي شيء آخر، والإسلام يمثله القرآن والسنّة النبويّة، وأنت حر في طريقة فهمه، فأنت من سيحاسب على طريقة فهمه، ولكن تريد جنّة الله، فيجب اتباع دين الله، فحكمة العرب قالت ”القانون لا يحمي المغفلين”، الإسلام لا يعترف بالأيقونة والقولبة والرهبنة والرهبان، والإسلام، لماذا حرّم الربا وحلّل التجارة، مع أنَّ كل منهما يحقق الربح والخسارة؟، هذا يعني ويجب الانتباه إلى أنَّ لله حدوده، فلا تقربوها، ولكن يجب أن يتم وضع في الاعتبار عدم سؤال أهل نجد عن الربا، ولا أهل اليمن عن القات، ولا الصوفي عن الطرب، ولا الشيعي عن اللطم أو جلد الذات، ولا موظف الدولة البيروقراطي عن الواسطة أو الرشوة.

    وتناقض مثقفي دولة “الحداثة” يبدأ من وجهة نظري عندما يأتي على ذكر قول “شاعرا خارج السرب”، والسبب لأنّ ثقافة الـ أنا لا تعترف بوجود إلاّ الـ أنا، فعن أي سرب أو جماعة أو حتى هيكل لغوي وشعري التزم به شعراء دولة “الحداثة”، والذين كانوا السبب في انقراض الكثير من اللغات، الذي حذّر تقرير اليونسكو عليه، والمأساة بحجة الإبداع وهو إلى الابتداع أقرب على الأقل في لغة العرب، التي في طبيعتها تتجاوز حدود دولة “الحداثة” بكل أنواعها الملكية والجمهورية بل وحتى الجماهيرية.

    والذي تبين جهل المثقف والسياسي بذلك، ومن هنا كانوا هم اساس جلّ المشاكل اللغوية على الأقل من وجهة نظري.

    ما رأيكم دام فضلكم؟

اشترك في قائمتنا البريدية