الإقطاع الفكري

حجم الخط
9

تسمع بأرقام مذهلة بالدولار ينالها روائيون عرب في معارض كتب ولجان تحكيم ومهمّات أخرى لم نكن نسمع بها سابقا. نسمع بتكليف كاتب بمهمة كتابة رواية عن شخصية مهمة، ينال مقابلها مبلغا محترما يفوق الأرقام التي كنا نتخيلها قبل سنوات. نسمع عن سعر المقالة التي تجاوزت الألف دولار.. نسمع بجوائز تكسر السكون الذي عاشته الرواية والأدب العربيين عموما بضجيج غير مسبوق النظير.
ثم نرى كتابا ينشطون في عواصم عربية طيلة السنة، يسافرون على حساب جهات ثقافية، يشاركون في نشاطات ثقافية كثيرة، ويبدو وزنهم أثقل مما نعتقد، حين نعرف أن تأثيراتهم في مسار الأدب ذات قيمة كبيرة، من دون أن نقتنع تماما بأنهم يستحقون ذلك.
نرى أرقام طبعات كتبهم التي تفوق العشرة والعشرين في ظرف قياسي تملأ رفوف المكتبات، ولن تفهم هل نحن مقبلون على زمن ازدهار الكتاب وخروج الأدباء من دوائر الفقر والعوز؟ أم أن هذه الظاهرة تخص أسماء معينة هي نفسها من تنال الجوائز هنا وهناك، وتفتتح معارض ومهرجانات وتشارك في ندوات وملتقيات محتكرة الساحات كلها على اتساعها.
يسأل البعض: هل هي لعبة ناشرين؟
وصراحة لا أعرف الجواب. فإلى زمن قريب كان النّاشر تاجرا كسولا لا يعرف كيف يسوّق الكتاب، بل إنه ظلّ يخجل من الترويج له، باعتبار الكتاب ليس بضاعة مثل البطاطا والكوسا! إلى أن مات كتاب وشعراء من الجوع… وما كان هذا سببا للقيام بحملات إعلانية وترويجية لتقريب الكتاب من القارئ، فقد كان النّاشر (من دون تعميم) يفضل أن يموت الكاتب في حادث مأساوي ما ويروج بموته لكتابه بنفسه على أن يهبط درجة من برجه العالي وينادي «يا الله ع البطاطا ..أقصد على الكتاب». أما إن مات الكاتب جوعا فذلك عزّ الطلب… خبر الموت وحده يبيع الكثير من نسخ كتبه، ثم لا يهم إن انطفأ بعد ذلك.
في جامعات تحترم نفسها، تدرس الروايات كوثائق تعطي حقائق كثيرة عن المجتمعات التي ولدت منها، ويبدو أن فقر النص أيضا يرتبط بمدى فقر كاتبه. كل أنواع الفقر يكشفها النص:
نوع التعليم الذي ناله في مدارس بلده.
نوع الحياة التي عاشها بين عائلته، وجيرانه وأصدقائه.
نوع النّساء اللواتي احتك بهن، وأحبهن وعاشرهن.
كل التفاصيل تطفو على السطح وليذهب أصحاب نظريات «موت المؤلف» وعلى رأسهم رولان بارت إلى ملكوت الأحلام.
الأدب بصمة صاحبها، وتلك الحروف والكلمات وتقنيات الوصف والسرد وحبك الحكاية لا يمكن تجريدها من كاتبها ولا من مجتمعه، ولا من ظروفه، ولا من مزاجه ومشاعره، كل شيء يصبح حبيس اللغة ويتحوّل إلى أحجية يلهو النقاد وأشباه النقاد والقراء والإعلاميون بالبحث عن مفاتيحها. أمّا تفضيل الكتاب عن بعضهم بعضا فيعود حتما لحيلة أو صدفة أو ضربة حظ أو خط عمل رسمه الكاتب لنفسه أو ناشره له. صحيح حين يحلّق النص خارج أسوار المخطوط ويتحوّل إلى كتاب يخرج عن سيطرة الكاتب نفسه، وقد يصبح نعمة عليه أو نقمة، وقد لا يكون شيئا ذا شأن، لكن هذا لا يعني أن تأويلاته صحيحة، فالنص حين نقرأه يلزمنا مجهر قلب ومخيلة، نخترق بهما رموز اللغة.
طبعا يجب ألا ننسى أن النصوص التي لم تأخذ حقها كثيرة، وهذا يحدث حتى بين القارئ ونفسه، حين يضع كاتبا سقفا لنفسه ثم فجأة ينهار ذلك السقف حين يكتشف كاتبا آخر يتفوق عليه، أو حين يكتشف أن كاتبه المفضل كذب عليه وارتدى قناعا جميلا ليستحوذ على مشاعره، حين يكتشف أنه مجرّد أداة لتمجيد مؤلف، وأن المؤلف مجرّد أداة لصنع بضاعة تملأ الأدمغة الفارغة، أو حين تتضح له الصورة أن الناشر خدعه أيضا وباعه شيئا يناسب خواءه، أو حين يقف عند حقيقة أخرى مرعبة وهي، أن الكتابة صناعة ممكنة، وأنّها تحتاج لعدة معينة لتحويل أي اسم إلى نجم يتصدر قوائم المبيعات، خاصة في سوقنا الخام، أمام قارئنا الخام أيضا، الذي لم يدخل عوالم الأدب باكرا، ولم يتعاطَ مع النص كمنتج إبداعي بل كنوع من التسالي، أي نوع من الحيل اليوم تقف خلف هذه المعادلة التي يجتمع فيها طرفان متناقضان تماما ولا منطق في اجتماعهما؟
أيضا لا إجابات، لأن وضع الكاتب في العالم كله نفسه تقريبا، فاليوم لم يعد بمقدور الكاتب أن يعيش من مداخيل كتبه حتى في عقر المجتمعات التي تقرأ، وأغلب الكتاب يعملون في وظائف بعيدة تماما عن الكتابة ليوفروا قوتهم، حتى الإحصاءات تقول إن عشرة في المئة فقط من الكتاب يتقاضون مبالغ جيدة شهريا من ناشريهم، في بلدان مثل فرنسا وبريطانيا، أما البقية فقد لا يرون عشر هذا المبلغ في الشهر، ما يلزمهم بالعمل في مهن مختلفة وممارسة الكتابة في وقت الفراغ.
في إحصائيات أخرى تبين أن وضع الكتاب الرجال أفضل بكثير من وضع الكاتبات، وأن مردود كل منهما مختلف حتى في حالات النجاح، لكن الأسوأ في قوائم الأرقام التي عنيت بوضع الكتاب في العالم، فقد تبين أن عدد الكتاب في تزايد مستمر ومستوى فقرهم أيضا.
ويتفق أغلب القراء على أن مشكلتهم الأولى التي تصادفهم عند القراءة هي الوقت، وفي تحقيق طريف ضحكت وأنا أقرأ تفاصيله ورد أن القارئ الغربي تأخر بزمن مقداره تسع دقائق وهو يقرأ… يا للهول إن كانت التسع دقائق مهمة لقارئ في أوروبا أو أمريكا فإن قراءنا يلزمهم تسعة أشهر لاقتناء كتاب وقراءته إن أمكن في باقي أشهر السنة، وهذه ليست مزحة، إن تذكرتم أن أكثر جملة تسمعونها حين تسألون شخصا ماذا يقرأ حاليا؟ هي: «من زمان ما قريت».
ما الحل إذن؟
نحن أمام معضلة كبرى… فإما تقوم دار نشر كاملة على اسم أو اثنين، وصورة الأدب العربي على عدد لا يتجاوز العشرة أسماء، وتحصر سمعتنا كلها في محتوى عناوين تعد على أصابع اليد الواحدة، وإما نُقاس على بكائيات تلامس كتابا يعيشون في الظل مع نصوصهم حتى إن كانت دُررا، وما يزيدهم تعاسة وضربة في الصميم قرصنة كتبهم ونشرها بالمجان عبر مواقع لا تلاحق، يعتبرها القارئ حقا له، ويعتبرها الكاتب سلخا حقيقيا له. وإن كان الحل واضحا ويجب أن يقوم به اتحاد الناشرين العرب، حسب مفهومي البسيط لواقع الكتاب في السوق العربية، فإن الصورة الراسخة حاليا التي ستبقى لمزيد من السنوات هي صورة هذا «الإقطاع الفكري»، الذي أنجب كتّابا يشبهون جبابرة الموت، كلما أطلوا على الساحة غطوا تلك الأقلام الفقيرة التي تنزف في عتمة فرضت عليهم، وظروف تكسرهم كل يوم… وهذا حال يشبه كل شيء نعيشه اليوم على جميع الصعد.

شاعرة وإعلامية من البحرين

الإقطاع الفكري

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول للأسف الشديد ، عربي:

    كتابا الماضي منهم من توفى وهو مدفون في الفقرا أصلا
    هل كانوا يجمعون مقالاتهم الصحفية ليملئو صفحات كتاب من أجل التربح المادي .. هل كانوا يكتبون انجازاتهم الحيواتية اليومية
    وسفراتهم السياحية المستدامة في انحاء العالم
    كتابا العصر الحالي يفعلون ذلك لكسب المال
    عن أي كتب تتحدثين كتب الطهي وتفسير الاحلام أم كتب الطب البديل والاعشاب الطبيعية للشيخ فلان الفلاني
    أم كتب الأبراج وقارئة الفنجان أم كتب القص والنسخ !
    عندما يكون هناك كتاب يستحق القراءة حينها ستعلمي أنه تم منعه ومصادرته أما كتب الاسفاف والتسويف فهي تملئ ارفف المكتبات ومعارض اقتصادية يطلق عليها اسم معرض الكتاب !!
    لا اعمم ولكن للأسف الشديد هذأ مانراه

  2. يقول Hassan:

    الإقطاع يبدأ من العائلة حيث يعمل أفراد جميعهم أيام الإحتلال الفرنسي من أجل تأمين دراسة فرد واحد من العائلة. أبناؤه يدرسون ويصلون أعلى المراتب فمنهم من يصل إلى درجة مستشارا عند ملك والحال أن والده إن لم يحصل العلم بفضل تلك العائة ما وصل ذاك الإبن إلى تلك المرتبة.
    ثمة من يكتب ” عامودا ” في جريدة ويتقاضى أوالا طائلة شهريا. وبالمقابل هناك من يكتب بتطوع وله تأثير في السياسات. أما عن كتاب اليوم فمعظمهم يكتب من أجل المال مهما كان محتوى الكتاب. والجمعيات والنوادي ” الأدبية هي حكر على فئات تدمر كل نبوغ في الكتابة للشباب وتطمس كل فكر جديد لذلك الركود هو السائد إضافة إلى عزوف العرب والعداوة بين المتجذرة بين مكونات المجتمع العربي والقراءة. ومن قرأ منهم يضيف على شمال إسمه حرف ” د ” ثم نقطة أو ” أ ” او ” أ . د . ” حتى يعلم من يقرأ له أنه يُقلب فكرا لـ دكتور أو لـ أستاذ أو لـ أستاذ دكتور وأن يسلم القارئ بما يقوله الذي هو في النهاية كاتب يعيش في برجه.. .

  3. يقول سامح // الاردن:

    * أحيانا أشفق ع ( الكاتب ) العربي وخاصة أنني أشاهد
    اجيال ( الطلاب ) بالعافية يفتحون كتبهم للمذاكرة
    أثناء ( الامتحانات ) فقط..؟؟؟
    * الكاتب مظلوم في الوطن العربي أعانه الله .
    سلام

  4. يقول سامح // الاردن:

    * مجرد معلومة عابرة ..
    * هل تعلم عزيزي القاريء ان دخل بائع ( الفلافل )
    في أي حارة عندنا اكبر من دخل الكاتب ..؟؟؟
    * أيها الكاتب العربي لك الله ونصيحة لله
    لزيادة دخلك توكل ع الله و ( بيع فلافل )..
    سلام

  5. يقول الدكتورجمال البدري:

    تحياتي لقلمك الأنيق يادكتورة بروين حبيب…ما شاء الله كلّما تقدّم بك العمرتزدادين ألقاً.أوكما نقول بالعراق ؛ سجادة كاشان الفارسية ؛ كلّما
    تقادم بها الزمن زادت ألقاً على ألق.{ قل : أعوذ بربّ الفلق…ومن شرّحاسد إذا حسد }.لقد تابعت حضورك الأنيق والجميل في دبيّ دارالحيّ ؛
    في الحفل مع الفنان العراقي ( دراغ ) بمناسبة الذكرى ( 18 ) لرحيل الشاعرالكبيرنزارقباني رحمه الله ؛ تألقتِ وأنت ملكة جمال الحفل من دون
    منازع.لقد كنت وفيّة لأستاذك نزارقباني ؛ لأنّ رسالتك للدكتوراه كانت بشأن شعره الرائع والبديع.فهوكان عمرابن أبي ربيعة ( المعاصر).
    أما موضوع المقال ( الإقطاع الفكري ) فالقاريء الكريم من الأردن السّيد سامح ؛ ( أختصرالموقف ) برمته ؛ وكلمات تعليقه ( ثورة ) على واقع مريرللكاتب العربيّ.وما ورد في مقالك عين الصواب والتشخيص.شكراً.

  6. يقول سامح // الاردن:

    * حياك الله اخي الدكتور( جمال البدري )وبارك الله في صحتك
    * من فترة كنت اعرف شخص يملك ( مكتبة )
    لبيع الكتب القديمة من جميع التخصصات وفجأة
    قلبها ( سوبر ماركت ) .. ولما سألته عن السبب
    قال : أصلا كنت غبي لما فتحت مكتبة.؟؟؟
    لازم فهمت من زمان ان الناس بطلت تقرأ
    وهمها تملأ ( البطون ) فقط..!؟
    * فعلا : الله يعوض ..
    * يا شباب من يقرأ حاليا ( كتاب ) كل شهر
    ع الأقل يعتبر نفسه بطل ..
    سلام

  7. يقول عبد الحميد فيفي:

    لا وقت لقراءة كتاب كل شهر يا أخ سامح، بالكاد نقرأ كتابا كل شهرين و أحيانا ثلاثة.
    لا نجد الوقت لا للتلفزيون و لا للزيارات العائلية و لا للرياضة
    لقمة العيش مرة

  8. يقول د. سامي عبد الستار الشيخلي سويسرا:

    لقد أصبت بعض أجزاء كبد الحقيقة المُعتمة في سوق الكتاب العربي ناشره وكاتبه وقارؤه المسكين (فيندر ان يقرأ ! ولكن ماذا يقرأ ؟ وإذا قرأ كتابا من أي نوع ومع من سيتحدث عن محتواه بنقاش علمي أو أدبي أو غيره؟ فإذا تحدث مع زملائه فيدعونه بالمُتَفلسِف في رؤسنا) في الغرب طبقة كبيرة تقرأ وتتابع ما يصدر من جديد ونقاشات عنه. وفي سويسرا والمانيا توجد جمعيات للكتاب تدافع عن حقوقهم وتقدم لهم دعما ماليا وإعلاميا حتى يقف على قدميه أو يُكلف مؤسسة إعلامية كاتبا بالكتابة عن سياسي وأمثاله لقاء مبلغ محترم. في عالم الشرق الغاطس في مشاكله توجد طبقة ضيقة تقرأ . معلومة مهمة كل كتاب صادر في البلاد العربية يُقرأ في دوائر الاختصاص في أوروبا وتابعيها يُحلل محتواه ويُستفاد منه في فهم مشاكل المجتمع بأبعاده لكي تُرصد مُتغيرات السوق الاجتماعي بابعاده ويترجم المهم منه الى لغاتهم لقرائته بدقة ومناقشة محتواه السياسي وغيره. ويوجد دعم خفي لشرائح من كتاب وأشباه كتاب للكتابة عن مشاكل مجتمعهم لرصد دراسة مُتغيراتها الداخلية. فبالفلوس تُشترى العروس والروؤس (المُستباحة للبيع في كل مجال) فواقع “الإقطاع الفكري” في الشرق العربي وغيره مُستباح في حضارة عالمنا الدارسة لكل مجال لإستغلاله بعِلم وتخطيط للربح والسيادة عليه. فهذا سوق العبيد يزداد بالعرض لهدف ويُنتخب منهم للطلب. لاحظي كثرة الترجمات ومؤثراتها على القارئ العادي(مما يؤسف له قلة دوائر تحليل نوعية الكتب ومؤثراتها على ما ذكرتيه في مقالك النقدي لواقع مريض قبل أن نولد مع تحياتي.

  9. يقول لطيفة حليم المغرب كندا:

    مقال قيم يستحق التقدير الكاتبة استطاعت ان تقلب مهرجانات و ندوات ودور النشر وجواءز
    باحثة متجسدة عن سر هذه النجاحات

اشترك في قائمتنا البريدية