التسقيط السياسي.. إحذر هنالك من يصورك

اتون الاحتراب الانتخابي يزيد نار الشائعات اشتعالا، تحت قدر التسقيط السياسي لتسلق سمعة عدد من المشاركين في العملية السياسية. هي ظاهرة ليست جديدة، لكن الحملة الشعواء التي انطلقت منتصف شهر ابريل الجاري بحق إحدى مرشحات قائمة ائتلاف النصر، الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي كانت غير مسبوقة، وأثارت من السجال والجدال على صفحات التواصل الاجتماعي ما لم تثره قضايا كبرى.
السؤال المحير هو لماذا كل هذه الضجة التي أثيرت بحق شخصية لم تكن مؤثرة في المعترك السياسي سابقا؟ وهل المقصود في عملية التسقيط هي شخصيا؟ أم قائمة رئيس الوزراء؟ وهل يمكن تقديم قراءة وتحليل علمي لسلوك الجمهور العراقي الذي تفاعل مع هذه الضجة؟
إن أول المؤشرات الذي يمكن أن نميزه من قراءة الضجة المشار لها هو، ان الفضائح الجنسية ما زالت تعد الأكثر تأثيرا في الشأن العام في مجتمعاتنا، بدليل أن الكثير من السياسيين الفاعلين في العملية السياسية ظهروا في تسجيلات تعد (فضائح) وطنية، عندما دعموا الإرهاب، أو نهبوا المال العام واعترفوا بذلك علنا في وسائل الإعلام، ولم يعتبر الرأي العام في مجتمعنا ذلك فضيحة. وقد شهدت الساحة العراقية فضائح سياسية من العيار الثقيل لم تؤثر على مسار الساسة الذين ما نزال نشاهدهم مستمرين في ممارسة أدوارهم السياسية القذرة بكل وقاحة، بينما يطيح فيلم مسرب لعلاقة حميمة لسيدة أكاديمية بمستقبلها، مع أول خطوة لها في المعترك السياسي.
ضربات ما بات يعرف بالجيوش الإلكترونية، التي جندتها مختلف الكتل السياسية المتنافسة في الانتخابات العراقية أصبحت أكثر شراسة، ولم يعد هنالك أي أعراف أو التزامات أو خطوط حمر في تعاطيها، وهنا لابد من توضيح ما أثير من ضجة حول فضيحة المرشحة على قائمة ائتلاف النصر، ولنحسب الأمر ببساطة عبر سؤال مباشر؟ من المتضرر من الفضيحة؟ ومن المستفيد منها؟ بالتأكيد ان المتضرر الاول من الفضيحة هو السيدة المعنية بالأمر وعائلتها، لانها أم لثلاثة ابناء واستاذة جامعية لها مكانتها الاجتماعية والعلمية، التي سوف تدمرها فضيحة من هذا النوع . بالمقابل هل أثرت الفضيحة على كتلتها الانتخابية؟ بالتأكيد لا. لأن السيدة المعنية ليست شخصية سياسية، ولا عضوا في حزب رئيس الوزراء لتتلطخ سمعة الحزب، كما إنها تنقلت سابقا بين عدد من الكتل الانتخابية منذ 2010 حيث ترشحت عن القائمة العراقية بقيادة إياد علاوي، وبعدها ترشحت عن ائتلاف العربية مع صالح المطلك عام 2014 وأخيرا مع حيدر العبادي بائتلاف النصر في الانتخابات الاخيرة، إذن هي شخصية تكنوقراطية تم استقطابها من عدة قوائم وكتل انتخابية، نتيجة شروط الكوتا النسائية المطلوبة في الترشيح، ومع أول صدى للفضيحة الأخيرة ظهر حسين درويش العادلي، المتحدث باسم ائتلاف النصر، معلنا استبعاد المرشحة المتهمة حيث قال: «إن لدى المفوضية شروطا وضوابط خاصة في الترشيح، وحين لا تنطبق على المرشح يتم استبعاده».
أما السؤال عمن المستفيد من إثارة هذه الفضيحة فهو سؤال لا يحتاج إلى كبير جهد للإجابة عليه، فبالتأكيد الكتل المنافسة لكتلة النصر، هي التي تقف وراء إطلاق وترويج هذه الفضيحة.
تعاطي الجمهور العراقي مع الأمر يستحق التوقف والتمعن والتحليل، الملاحظة الاولى كانت سرعة انتشار الفضيحة على صفحات التواصل الاجتماعي، بدون حتى التأكد البسيط من مصداقية الفيلم، وهذا امر طبيعي في التعاطي مع ما يعرف بسيكولوجية الفضيحة، إذ يشير المختصون إلى ما يعرف في علم النفس بسيكولوجية المتلصص في نشر فضائح الآخرين، وهذا سلوك يتدرج من كونه قد يكون طبيعيا عندما يتم في حدود الفضول العادي لدى أغلب الناس، حتى تحوله الى سلوك مرضي لدى البعض، فيغدو أقرب إلى هوس التلصص المرضي. وبناء شخصية المتلصص معروفة باستمتاعها بالتأليف والتوليف، فهو لا يرى الحقيقة كاملة، وإنما يرى أجزاء منها، فيقوم هو بإكمال الحلقات المفقودة من عنده، وهنا يمارس هواية القص والحكي والتأليف، وفي الحالة التي نناقشها نجد أنه تم تأليف قصص وسرد معلومات عن حياة المرشحة موضع الاتهام، وبنيت لها سيرة مشيطنة عبر ربطها برموز النظام السابق وعلاقاتها الجنسية مع ابن الرئيس الاسبق، لينتج نص كامل الشيطنة حسب هوى السارد، يبرر عبره ليس فقط الفضيحة بل المطالبة بقتل السيدة المتهمة حفاظا على قيم الشرف والوطنية! والمضحك المبكي في الأمر ان البعض صب لعناته على المتهمة فقط، لأنها أقامت علاقة حميمة مع شخص سعودي، لتتجلى سلوكيات العداء تجاه الآخر المختلف حتى في بنية الفضيحة التي ماتزال في طور الاتهام.
كما يشخص المختصون بعلم النفس الاجتماعي ثلاثة دوافع رئيسة في سلوك من ينشر الفضائح وهي، أولا ما يعرف بـ(الإسقاط) الذي هو آلية دفاعية يمكن ان يقوم الجمهور خلالها بتصدير كل سلبياته ونقائصه عبر إلباسها لطرف آخر ليشعر بعدها بالسعادة، إذ يرى هذا الطرف سيئاً أو مخطئاً بينما يرى نفسه بريئا وسويا فمثلاً: إذا كانت لدينا رغبة في الغدر والخيانة فنحن لا نحتمل رؤية هذه الرغبة في أنفسنا، وهنا يحدث التلصص لاقتناص موقف غدر أو خيانة عند آخر ثم نلقي ما في أنفسنا فوق رأسه ونستمتع بالحديث عن غدره وخيانته، وفي الوقت ذاته ننظر لأنفسنا ونشعر بأننا بخير إذ لم نفعل كما فعل.
كذلك هنالك دافع نفسي آخر هو (التعميم) فإذا كان شخص ما يرتشي ويشعر من وقت لآخر بعذاب الضمير، لذلك فهو يتلصص على مرتشين آخرين ربما يكونون أكبر وأسبق منه في الرشوة، فيتحدث عنهم ويوحي لسامعه بأن سلوك الرشوة موجود لدى كل الناس، بل لدى كل الشعوب، وبهذا يقول لسان حاله «لا تقلق يا عزيزي فكلنا مرتشون» وكلنا في الهم سواء. أما الدافع النفسي الثالث فهو (الشماتة) وهو الشعور بالسعادة لما لحق بالآخرين من أذى، لما قد يحمله البعض تجاه الآخر من مشاعر الغيرة أو الحسد أو الكراهية، وفي موضع الفضيحة الجنسية للمرشحة، ينظر الجمهور إلى الطبقة السياسية بنوع من الخلط والتركيب والتداخل للعوامل النفسية الاجتماعية أعلاه.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل انطلق خيال المحللين للحادثة عاليا، وحلقوا في سماء نظرية المؤامرة، وربطوا الفيديو المسرب بنشاط شبكات مخابراتية تريد اختراق العملية السياسية، عبر تصوير فيديو بشكل سري لمرشحة للانتخابات على قائمة رئيس الوزراء، فقد تم اختيار السيدة بعناية فائقة، وكانت هدفا هشا لدوائر مخابرات اقليمية، ومن ثم تم استدراجها تحت أي ذريعة، الى مثل موقف كهذا ليتم تجنيدها عبر تهديدها بالفضيحة، وهو نوع من السلوك المخابراتي المعروف، لكن أصحاب نظرية المؤامرة هذه لم يخبرونا ما هي أهمية تجنيد مرشحة للانتخابات؟ ولا لماذا تم نشر الفيديو الان؟ وواضح جدا أن من نشر الفيديو هو الشخص المشارك فيه!
كما نشرت عدة صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، على اثر الفضيحة، معلومات تقنية تشرح إمكانية تزوير الفيديويات في ما يعرف ببرامج «التزوير العميق deep fake»، التي يمكن بواسطتها لصق وجه الشخص الذي نختاره على جسد في وضع مخل مثل جسد ممثلة بورنو، وقد كان هذا النوع من البرامج غاليا ولا يستطيع تنفيذه الا المختصون، بينما الآن بات هذا النوع من البرامج شائعا وفي متناول الهواة، وبات الأمر خطيرا، ويجب أن يعرف كل من يروج فيديوات فضائحية أنه قد يكون هو أو أحد أفراد عائلته ضحية تصوير حقيقي، أو مفبرك وعندها يكون هدفا للابتزاز.. لذلك يجب أن نضع هذا الأمر في بالنا قبل أن نتخذ قرارنا في الطريقة التي سنتعامل بها مع هذا النوع من الفضائح.
كاتب عراقي

التسقيط السياسي.. إحذر هنالك من يصورك

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود:

    أعتقد بأن الفيديو مع الأسف حقيقي ! والسؤال هو : لماذا لا يتم فحصه من مختصين ؟ ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول اكرم حبيب:

    السيد الطائي المحترم
    اعتقد بان الخلل في الفهم الاجتماعي القاصر للشرف والعفة
    فهناك عهر الامانة وعهر الكلام وعهر المواقف وغيرها كثير
    وان كان الشريط قيد البحث ومن تحليلكم لايضر بالدرجة الاساس الا بصاحبه
    لكن الانواع السابقة ضررها على الجميع وهي كانت سببا في ماسي اجتماعية ووطنية
    مع احترامي

  3. يقول د. اثير الشيخلي - العراق:

    يبقى السؤال الأهم ، ما الفائدة المجنية من نشر هذا الشريط ؟!
    .
    سواء أكان حقيقياً أم لا ؟!
    .
    إن كان حقيقياً فقد أضر فقط بصاحبته و فضحها و اسقطها وعائلتها اجتماعياً
    و لم يكن له تأثير كبير على القائمة التي تنتمي اليها ، رغم انها هي ، اي القائمة و رئيسها (الذي هو رئيس الوزراء الحالي ) ما يبدو انهما المستهدفان ، و لكن كما اشار المقال ، ضعف مركز المرشحة في القائمة وعدم وجود تأثير سياسي لها ،كما ان استبعادها من القائمة بعد انتشار الفضيحة ، قلل من هذا التأثير الى الحد الادنى !
    .
    و إن لم يكن الشريط حقيقياً و مركباً صوتاً و صورة بالطريقة التي اشار اليها المقال ، فذلك سيضر بسمعة المستهدفة لاشك ، و سيؤذيها و عائلتها اجتماعياً ، لحين اثبات براءتها ، و سيتطلب هذا الاثبات ومحو الصورة المشينة التي تكونت ، الكثير من الوقت و الجهد ، بعد وقوع الضرر ، وهذا للأسف من طبائع الاشياء و الفضائح ، بسهولة نشر الاتهام ، و لكن من الصعوبة ازالة الضرر حتى لو ثبتت البراءة!
    .
    بغض النظر عن صحة او عدم صحة الشريط ، فإن انتشار مثل هذه الثقافة الحقيرة في المجتمع العراقي ، ذات دلالة على الانحطاط الاخلاقي و الديني و الاجتماعي الذي وصله المجتمع في العقود الأخيرة ، و سبق هذا الشريط ، شريط آخر قيل انه لمرشحة اخرى ، و ايضاً بغض النظر عن مدى صحته ، فإن ما ظهر في ذلك الشريط من قرف و انحطاط و اسلوب تباهي في التصوير ، و قيل انه لزوج و و زوجته ، و كأن ذلك سيبرر تصوير مثل هكذا شريط ومن ثم نشره ، يشير ذلك كله الى انتشار نوع من شذوذ الدياثة في المجتمع ، باتت تتقبله فئات منها من يحسب على طبقات مثقفة للأسف الشديد ، و انتشر مؤخراً ما يشير الى وجود حفلات تبادل للزوجات في قاعات تحجز لهذا الغرض و بشكل مكشوف للمشاركين فيه،وباوضاع واساليب تترفع عنها البهائم و الحيوانات !
    .
    مجرد قبول انتشار مثل هذه الفضائح بل الترويج لها و تبادلها ، دليل على خلل بنيوي شديد اصاب مفاصل و اساسات المجتمع العراقي الذي اشتهر بانه مجتمع محافظ الى حد كبير ، كان الى زمن قريب، يستنكر تدخين المرأة في العلن! او مشي فتى وفتاة بطريقة متلاصقة في الشارع أو ارتداء كلا الرجل او المرأة ملابس كاشفة لا يتقبلها المجتمع.
    .
    ثقافة الفساد التي ضربت المجتمع و انكشاف المتاجرين بالدين الذي طرحوا انفسهم حراساً للفضيلة،انتجت للأسف جيلأً لا مبالياً ضرب القيم في صميمها!

  4. يقول خليل ابورزق:

    مقال ممتع و يلقي بعض الضوء على سلوكيات اجتماعية صغيرة او كبيرة في السياسة او غيرها
    اما في حالة الانتخابات العراقية فالوضع مأساوي حقا بسبب المحاصصة وولاء الاحزاب للخارج و عمليات الانتقام و القتل و التدمير و التشريد و السرقة الواسعة. و يبدو ان الشعب قد يأس من مناقشة القضايا الكبرى فانحط اهتمامه على التفاهات. و اخشى ان اهمية هذه الحادثة الجنسية و مثيلاتها مؤشر خطير يدل على فساد النخب السياسية من قبيل ان الطيور على اشكالها تقع

  5. يقول سلام عادل(المانيا):

    المستفيد هم كل الوجوه السياسية القديمة التي كرهها المجتمع والناخب بسبب فسادهم وسرقتهم للمال العام وتدمير البلد في كل النواحي فكان لا بد من فضيحة جنسية يتسلى بها المجتمع لاننا لا يهمنا في الانسان سوى الشرف بمعناه الجنسي لو صح التعبير فالسارق والفاسد والمجرم القاتل والمرتشي والكاذب وغيرها من السلوكيات كلها في نظر المجتمع العراقي والعربي عموما هينة مقابل فضيحة جنسية ولهذا نرى نظرة العراقيين وغيرهم من العرب لالاوربيين نظرة دونية لانهم لا يجدون فيهم سوى الجنس بينمت السلوكيات الاخرى التي تبني مجتمعاتهم وتميزهم لا يرونها فيهم لاننا لا نملكها.

اشترك في قائمتنا البريدية