قال المفكر المغربي محمد إقبال عروي، «إنّ تذوق الجمال يحتاج إلى تغيير في مناهج التّعليم وفلسفة التربية في مجتمعاتنا». وجاء كلامه هذا في سياق مقابلة تلفزيونية ممتازة تناولت موضوعا جد حساس حول جماليات النص القرآني، مع إلقاء نظرة على علم الجمال وما يزخر به التراث العربي من قيم جمالية، وكانت في كلامه دعوة لطيفة وذكية لإعادة قراءة تراثنا من منظور جمالية التّلقي.
وقد تذكرت وأنا أتابع حديث المفكر عروي القليل مما قرأته لعالم النّفس مصطفى سويف حول علم النّفس الإبداعي، وما كشفه لنا من خيوط متينة رابطة بين العلم والفن، وأن هذه المتلازمة هي التي تصنع الأمم المتحضرة.
أن يقفز اسم مصطفى سويف من عمق ذاكرتي وأنا أصغي لمحمد إقبال عروي ليس سوى واحدة من المحفِّزات الفكرية، التي تنشط الذاكرة وتربط بين عناصر متشابهة في بناء الأفراد والجماعات وانبثاق ما يسمى بمجتمعات متميزة وأخرى لا، إذ كثيرا ما أجد الترابط بين أفكار مفكر من المشرق وآخر من المغرب تصب في نظرية واحدة لا يمكن إشباعها وقطف ثمارها إلاّ حين تجمع لإكمال بعضها بعضا.
و كثيرا ما قرأت تعليقات قرائي المحترمين الذين يتميزون بمستوى فكري عالٍ أبهرتني بحجم الإضافات العميقة، التي يثرون بها مقالاتي، ما يجعل تلك المكملات جزءا مستمرا للفكرة المطروحة لا تقليلا من قيمتها. وهذا ما يلزمنا لجعل الفكرة تستمر حتى تبلغ مرحلة تجسيدها على أرض الواقع.
فكرة عروي تقوم على تأمل الجمال الذي يزخر به الكون الرّباني، من خلال قراءة القرآن، وبهذا فهو يدعو لقراءات تأملية للنص القرآني، وقد أعطى نماذج من الآيات التي تذهب بنا بعيدا في ما خلقه الله من عوالم لا نراها، لارتباطنا في قراءاتنا بالمعنى الضيق للكلمة، وبالتفاسير التي بقيت محصورة بالملفوظات المفرغة من روحانيتها واستئصالها لأهداف فقهية محضة عن معناها الجمالي، مع أنّ هذا المعنى له تأثير أعظم وأمتن في النفس البشرية.
لكن ما أشار إليه أيضا في إطار هذا اللقاء الجميل هو أن فعل القراءة عندنا لم ينبش الصور الجمالية لا في النّص القرآني ولا في نصوص أخرى وأهمها النّص الأدبي، ما جعل الأدب يفشل في ملامسة روح أجيال بأكملها وحوّل العلاقة بين مجتمعاتنا وبين الكتاب علاقة عدائية مبنية على الرّفض المسبق ما دامت نصوصا لا ترقى للنص القرآني الرّباني وبالتالي لا فائدة منها للإنسان بحكم غريب لا نعرف من أصدره، وكيف نال من نفوس شعوبنا جيلا بعد جيل. فاعتبر القرآن دستورا يجب التعامل معه كوثيقة قوانين مع أنّه أكثر النصوص نبضا بالحياة وتجددا عند كل قراءة له، حتى أنه عبر الأزمنة والأمكنة بمحتواه الإعجازي.
فكرة أن نبحث في جماليات النص وصلتنا متأخرة وهي فكرة بلاغية قديمة انطفأت بسبب الحروب ودخول العالم العربي في أنفاق مظلمة تبعت تلك الحروب والانتكاسات وانشغال الفرد بأمور مادية كثيرة، حتى أعاد الغرب تدويرها بطريقة معاصرة فدخلت إلينا من أبواب الجامعات من جديد بحلّة هضمها العقل المعاصر وتبناها وعمل على توسيع دوائرها.
و من بين ذلك القديم ما يزخر به كتاب «نهج البلاغة» وما يحويه من جماليات القول للإمام علي رضي الله عليه. أما الأقرب إلينا زمنيا من ذلك القديم القيّم، فهو ما تركه لنا عبد القاهر الجرجاني خاصة في مؤلفيه «دلائل الإعجاز» وكتاب «أسرار البلاغة»، وهما من أعمدة الكتب التي عنيت بجماليات اللغة وتدرّس في الجامعات العربية وغيرها ببالغ الأهمية.
ما يعنينا الآن هو أين أخفقنا حتى أفرغت حياتنا من كل المفاهيم الجمالية؟ ما الذي حوّلنا إلى مجتمعات تأكل لتعيش؟ تركض خلف لقمة العيش ولا تهتم بأدنى مغذيات الرّوح لتحسين طريقة حياتها وتخفف من حجم المنغصّات التي تتخبّط فيها؟
يقول إيليا أبو ماضي «والذي نفسه بغير جمال … لا يرى في الوجود شيئا جميلا» وهذا شق من الجواب عن الأسئلة المطروحة، أما الشق الثاني فيكمن في مقولة دانتي: «الجمال يوقظ الرّوح»..
أرواحنا الميتة المكتئبة المظلمة نتاج تربية قاسية مفرغة من الجمال، بدءا من العائلة إلى المدرسة إلى المحيط الذي لا يعرف سوى ملء قائمة الممنوعات علينا بطريقة قمعية قاتلة. فهل يمكن أن نغير مناهجنا التّعليمية ونفوسنا خاوية من أي مكوّن جمالي؟ أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟
في التجربة الإماراتية نجحت المنظومة التّربوية في قلب الموازين وتحسين مستوى التّعليم وبناء الفرد الإماراتي تكوينا يضاهي ما بلغته الشعوب المتقدمة، وذلك استنادا إلى الخبرات المستقدمة للإمارات. وهذا في حدّ ذاته ينبئنا بأن التّجربة ناجحة ويمكن تحقيقها. إذن ما ينقصنا هو معالجة الرّفض لإقامة الإصلاحات، لأن أغلب مجتمعاتنا ترى أن الاستفادة من أي خبرة أجنبية ليست سوى نوع من الخيانة للذات، وتقليد للغرب الغريب عنا في عاداته وتقاليده، وهذا ما يذهب إليه المحافظون الذين جمّدوا العقول وأوقفوا الزّمن في نقطة واحدة عندنا، حتى أصبحنا نشعر بتقدم العالم حولنا وأننا نعود للخلف.
طبعا نحن لا ندرك أننا لسنا بعيدين عن التجديد والإصلاح، وأننا على سبيل المثال نقدم على شراء بضائع غربية كثيرة بعد الترويج لها بإعلان جيد، يقدم لنا أي منتوج مستورد بجماليات عالية. السيدة الجميلة التي تنشر غسيلها النّاصع البياض على شرفة جميلة مع كلمتين بليغتين مع مقطوعة موسيقية خفيفة تخطف السمع، كلها عناصر جمالية جمعت بطريقة ذكية للتأثير على المشاهد الذي تقنعه هذه المعطيات بالشكل الجميل الذي قدمت به فيهب لشراء المنتوج.
لماذا نحب الجنة ونكره النّار؟
تميل كفّة عواطفنا نحو الجهة التي قُدِّمت لنا بمدلولات جمالية أكثر. وهذا كل ما نحتاج إليه في ثورة تعليمية حقيقية، تتجاوز مرحلة «فكّ الخط» وكل المراحل القاتمة التي تبحث عن طعن الآخر في عقيدته أو في معتقداته السياسية. أمّا فلسفة التربية فقد تحتاج لمجهودات أكبر، فكثيرا ما سمعنا أساتذة يرددون أنهم جيل تربّى بالعصا وأنّهم أفضل من الأجيال التي يتحاورون معها فهل هذه حقيقة أم اعتراف بالفشل في التّحاور مع الآخر؟ فقد أثبتت الدراسات العلمية أن الحوار فن من فنون التعامل بين الناس، وأنه كلما انبثق من ذائقة إبداعية ومعايير جمالية كان أكثر نجاحا في إيصال الفكرة.
يمكنك أن تحمل العصا وتنهال بها على ابنك حتى لا يكذب مرة أخرى، وبإمكانك أن تجلسه قربك وتحكي له قصّة عن الكذابين ومصيرهم السيء في الحياة. إلى يومنا هذا نصدق ونحب قصص كليلة ودمنة وقصص لافونتين ومكتباتنا لا تخلو من كم هائل من القصص، أما إن كان سعرها عاليا وصعبة المنال فإن شبكة الإنترنت ثرية بمختلف القصص التي يسكن أغلبها قعر ذاكرتنا!
ليس صحيحا أننا جيل تمت تربيته بالعصا، وليس صحيحا أن أنفسنا مليئة بالقبح، جميعنا يحمل في قلبه مضمونا جماليا ما، وقرائن إبداعية بمعايير مختلفة، وكل ما نحتاج إليه هو فك قيودها وإطلاق سراحها لنعيش حياة أجمل.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب
* مقال ( جميل ) اسم على مسمى..( يتكلم عن الجمال ).
* لكن للأسف الجمال الحقيقي مفقود وفي جميع المجالات..؟!
* معظمنا ينساق ( للقشور ) ونهمل الباطن..للأسف الشديد.
* ( جمال الروح ) مصطلح نتغنى به .. لكن على أرض الواقع
نعمل العكس تماما..؟!
* مثال بسيط : عندنا ف الأردن مثل دارج ( بيضة ولو مجنونة )؟!
المقصود لما الشاب يريد الزواج تقوم والدته
بالبحث عن ( العروس ) وأول شرط أن تكون ( بيضاء )؟!
* سلام
لا توجد ثقافة على وجه الأرض أكثر جمالا و أناقة من الحضارة العربية الإسلامية، تنوعها و غناها، و قدرتها العالية على المرونة و التجدد المستمر ( دون المساس بروحها)، يجعلونها الأعمق و الأجمل على الإطلاق، لكن، تيارات و حركات كثيرة تناوبت على ااساحة على امتداد آلاف السنين، و خاصة بعد معركة حطين (هنا أستمد الفكرة من المفكر الكبير مالك بن نبي)، ضيّقت كثيرا و لجمت ب”عنف” آليات و تجسدات الجمال في عالمنا الإسلامي..والموضوع طويل و يحتاج لمناقشة أطول..تحياتي.
شكراً أستاذة بروين حبيب على جمال المقال الرائع . ليت هذا المقال يكون ورقة تدرس في المعاهد المتخصصة .
سيدتي، من اﻵخر،اﻷساس اﻹباحة ،وليس فرض القيود المكبلة للحرية،التي
فطرنا عليها،والمجتمعات الشمولية ،بالغت في قوائم الممنوعات والمحظورات مما
تسبب في تصحير وجفاف الحياة اﻹجتماعية،وحتى البيئة المدرسية،بعقلية
التحريم والتحليل ،فعيد ميلاد الطفل ،تجد من يعترض،وإﻹختلاط حتى الصف
الرابع،قضية…وهلم جرا.إذا كان العالم قرية ،فإما أن تكون فيها أو خارجها.
مقال جميل وفعلا يجب ان يطرح كورقة نقاش في التربيه في مدارسنا. تربينا سابقا على دروس الفنون ولكن اليوم تم ابطالها لضرورة التخصص في المواضيع العلميه ولكن النفوس ازدادات قساوة نتيجة لذلك.
تحياتي لجميلة القلم وحسناء الكلم الدكتورة بروين حبيب لمقالك ( الجمال إنْ حكى ).وإنْ تفيد الشكّ بين الظنّ واليقين ؛ عكس ( إذا ) ظرف للمستقبل المتحقق ( عاجلاً أم آجلاً ).والجمال وردّ في النصّ القرآني بلفظه : ( جمال ) لمرّة واحدة في سورة النحل الآية ( 6 ) : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون }.فقرن سبحانه الجمال بالرزق الكريم.والجمال مصدر: الجميل والفعل جَمُل.وهوالحسن والبهاء والزينة النضرة.ويكون في الفعل والخلق ويقع على الصوروالمعاني ؛ ومنه الحديث الشريف : { إنّ الله جميل ؛ يحبّ الجمال }.أيْ حسن الأفعال ؛ كامل الأوصاف ؛ قال أبوذؤيب :
جمالك أيّها القلب القريحُ ستلقى منْ تحبّ فتستريحُ
وعلاقة الجمال بالرزق في أصل الفعل ( جمل ) والجمل هوالذكرمن الإبل ؛ ويكنّى به الرجل عند العرب.والإبل يقال لها الجِمال والجامل فهي أصل ( المال ) عندهم.لاحظ علاقة الجمال بالمال ؛ هي أصل في العربية ؛ لذا قرنها القرآن في اللفظ والمعنى والصورة والدلالة ذات الحركة.أما مكامن الجمال في لغة القرآن ؛ فنجدها في البلاغة ؛ بعلومها الثلاثة : البديع والمعاني والبيان.بل إنّ البلاغة مفتاح الجمال العربيّ ؛ لأنّ فيها الكثيرمن المجاز؛ وهوزينة القول والكلم في مجالس الناس ؛ كزينة العروس ليلة الجهاز.وقيل إنّ إبليس خدع آدم وحواء بشجرة الخلد ؛ كناية للجمال والشباب النضرالدائم ؛ وهذا محال إلا في جنـّة الله الحيّ القيّوم.ولهذا قال سيدي رسول الله : { إنّ الجنّة لا تدخلها عجوز}(عن الترمذي).لأنّ جميع أهل الجنـّة من الشباب والشواب وهم( الذكوروالإناث ).أيْ من الآيلين إلى نضرة النعيم وإنْ كانوا في الدنيا العجائزالشماط كالشياطين الشواط.أدام الله المتعال نعمة الجمال على النساء والرجال في كلّ الأحوال.
استكمالاً لما عرضنا آنفاً..نضيف فقرة موجزة بشأن الجمال القرآني.في سورة الزمرالآية (67) يقول البديع : { وما قدروا الله حقّ قدره ؛ والأرض قبضته يوم القيامة والسّماوات مطويّات بيمينه ؛ سبحانه وتعالى عما يشركون }.طبعاً السابقون فسرّوا النصّ بعيداً إلى عالم الغيب ؛ فيما هوفي عالم الإنسان ؛ لأنّ القرآن أنزله الله إلى الحياة الدنيا للناس ؛ لا لغيرهم من الأجناس ؛ لبناء حضارة مؤمنة الأساس.بدليل قوله : { وكان الإنسان أكثرشيء جدلاً }(الكهف 54).ولنقف فقط عند قول الله :{ والسّماوات مطويّات بيمينه }.هي ليست السّماوات السبع العُلا…بل هوالطواف سبعاً حول الكعبة..فمن أسماء الكعبة أيضاً { السّماء } كونها باب الأعمال المرفوعة إلى السّماء العُلا ؛ فإنّ الطواف حولها سبعاً قال فيهنّ المعنى جمعاً عدداً :{ والسّماوات }.والطواف يبتدأ وينتهي عند الحجرالأسود.والحجرالأسود كما في الحديث النبويّ : { يمين الله في الأرض }(عن الطبراني). وجاءت الباء للاصاق الحقيقي { بيمينه } لتدلّ على التصاق الحجربجدارالكعبة ؛ ولوسرق لفترة ثمّ عاد…ولأنّ الطواف حول البيت الحرام دائري كالترس المطويّ..قال الرحمن الذي علّم البيان { مطويّات } كناية الاستدارة سبعاً. إذاً : ففي هذه الكلمات الثلاث اجتمع جمال علوم البلاغة الثلاثة مرّة واحدة : البيان والبديع والمعاني.إنه شيء فوق الجمال يمكننا تسمّيته معارج الجمال.إنّ زيادة نسبة الجمال بين الشعوب يعني زيادة في نسبة الإيمان والمحبة والسّلام الصحيح.فهل تكن ماهية (الجـمال إنْ حكى) ضد الإرهاب اليوم البلسم للجراح.لنتعلّم ياصاح؟