«الحرقة» والحدود

حجم الخط
2

التحولات المناخية التي عاشتها الكرة الأرضية كانت وراء التدهور الذي أنهك الاقتصاديات الزراعية الهشة لدول الساحل الإفريقي. ليكون الجفاف، زيادة على الوضع السياسي والأمني، على رأس الأسباب المؤدية للهجرة البشرية الكبيرة، التي عرفتها منطقة الساحل الإفريقي، نحو الشمال.
هجرة أبناء منطقة الساحل المتوجهين نحو الشمال، الذين تمكنوا بعد تضحيات بشرية كبيرة، من اجتياز الحاجز الأول أمامهم، المتمثل في كثبان الصحراء الكبرى، قبل وصولهم إلى الضفاف الجنوبية لضفة المتوسط، هجرة حولت عمليا دول الشمال الإفريقي الى منطقة عبور لأبناء الساحل، نحو أوروبا، بكل التداعيات التي افرزتها داخل هذه المجتمعات، التي لم تقطع تماما مع ماضيها العبودي، كما ظهر من الصور الملتقطة في ليبيا، وكما كان الحال مع العدوانية التي وجدها أبناء إفريقيا من أصحاب البشرة السمراء من إخوانهم «البيضان» في الجزائر والمغرب.
ما لم يكن في حسبان أبناء الساحل، وهم يتجهون نحو هذه الدول الغنية، في شمال إفريقيا، ووجدوه مجسدا أمامهم، أن هذه المنطقة تحولت إلى منطقة منتجة للهجرة هي الأخرى، وهي التي ظنوها مناطق عبور لهم، وحتى مرتع استقرار مؤقت.
لم تنتج الجزائر المهاجرين السريين، الذي يطلق عليهم «الحراقة» فقط، بل أنتجت لغة جديدة للتعبير عن هذه التحولات التي تعيشها، فقد أنتج المجتمع الجزائري وشبابه تحديدا، كما يقول عالم الاجتماع التونسي المرحوم عبد القادر زغل، مفاهيم جديدة خاصة بها، غير قابلة للترجمة إلى لغات أخرى، مثل الحيطيست (الشاب الواقف امام الحائط) والحقرة، كما ينطقها الجزائريون، بتفخيم القاف، وأخيرا الحرقة (الهجرة السرية). حرقة الشباب التي تحولت الى ظاهرة فعلية في المجتمع الجزائري، في المدة الأخيرة، وصل فيها الوضع الى تخوف، دول الجيران على الضفة الشمالية للمتوسط، كإسبانيا التي تكون قد ركبها الهلع، من حجم الهجرة السرية الجزائرية، التي فاقت المئات في أسبوع واحد، خلال هذا الشهر. هجرة تتم عن طريق قوارب صيد بسيطة، تستغل تحسن الجو في المتوسط للقيام بمغامرتها نحو الشمال.
فعلا فقد كانت التحولات المناخية هنا لصالح حرقة الشباب. فقد أثبتت الأرقام أن وتائر الهجرة السرية أو الحرقة، تتزايد بشكل لافت في أوقات تحسن الجو في المتوسط. جو جميل لا يستغله الحراق من أبناء الضفة الجنوبية فقط، بل كذلك السائح من أبناء الضفة الشمالية، الذي يمكن أن «يفرهد» بأسعار زهيدة، طول العام على شواطئ تونس والمغرب، وليس في فصل الصيف فقط، كما كان الحال منذ عقود.
«حرقة» الشباب الجزائري، التي يمكن القول إنها مرشحة للزيادة والتكاثر في السنوات الأخيرة، وليس إلى التقلص، إذا افترضنا ان أسبابها الاقتصادية، ستكون أكثر حضورا في السنوات المقبلة. فالوضع الاقتصادي للجزائر ومجمل منطقة الساحل، ليس مرشحا للتحسن على المدى المتوسط، على الأقل، وهو ما يجعل منطق الحرقة هو الغالب لسنوات عديدة مقبلة، حتى إن افترضنا تحسنا أمنيا وسياسيا في ليبيا، التي تمثل في الوقت الراهن حالة الدولة الفاشلة في المنطقة.
منطق يفرض موضوعيا تحول بلدان شمال إفريقيا إلى منطقة عبور وربما استقرار، هي التي تقع بين أغنى بلدان العالم (أوروبا) وأفقرها على الإطلاق (بلدان الساحل) ما يحمُل مسؤوليات على هذه الدول التي لن يقبل منها في المستقبل التهرب والادعاء بأنها لم تكن على علم، أو أنها لم تحضر نفسها لهذه الظاهرة الجديدة عليها. «حرقة» لفهمها وتفسيرها يجب عدم البقاء عند المستوى الاقتصادي، على أهميته، فالمستويات الفكرية والنظرة إلى الآخر وإلى الحدود والوطنية لدى الأجيال الشابة، يمكن أن تكون ذات قيمة تفسيرية كبيرة. فإذا كان الرئيس الفرنسي الشاب، يمكن أن يدعي، أنه ليس مسؤولا عن ماضي فرنسا الاستعماري، هو الشاب الثلاثيني، فإن الكثير من شباب أبناء الضفة الجنوبية، بمن فيهم الجزائريون وأبناء الساحل، يمكن ان يتحدثوا عن أنفسهم ونظرتهم إلى الآخر وأوروبا القريبة تحديدا، بأسلوب جديد، كما فعل ماكرون، يمكن أن يقولوا مثلا، إنهم لم يعودوا ينظرون إلى الحدود الدولية وإلى الوطن والوطنية بالنظرة نفسها التي كان يملكها آباؤهم وإنهم، يمكن ان يتجاوزا مسألة الحدود وكل ما تفرضه من تقييد على حركتهم، لأنهم من أبناء العالم – القرية، كما يعيشونه يوميا، على قنوات التلفزيون والإنترنت والتواصل الاجتماعي.
جيل يختلف عن جيلنا نحن، الذين هرولنا نحو بلداننا، بمجرد الانتهاء من الدراسة في دار الغرب. فقد كنا لا نتصور كقاعدة عامة، أن نحقق مشاريعنا المهنية والأسرية، خارج بلداننا وحدودنا الوطنية، رغم أن الظرف الذي درسنا فيه وتواصلنا فيه مع أوروبا، كان لا تُفرض فيه لا تأشيرة ولا تُرفض فيه بطاقة إقامة. زمن كنا فيه كجيل أقرب فكريا وحتى سياسيا لأوروبا، في تنوعها. عكس الجيل الشاب «الحراق» هذا الذي أصبح أكثر تحفظا على أوروبا الثقافية والدينية، من دون ان يمنعه هذا التحفظ، على القيام بالمستحيل للانتقال للعيش فيها وربط مصيره الفردي والأسري بها. فهم من أبناء جيل، لم يعد من الوارد بالنسبة له احترام الحدود الدولية وتقديسها، كما كانت تفعل الأجيال الكبيرة في السن، فبلده الفعلي، هو مكان رزقه وتحقيق ذاته، وليس تلك الرقعة الجغرافية التي ولد فيها وترعرع فيها، كما كانت تقول له الكتب المدرسية وهي تنشد، موطني، موطني، فيه سكني.
كاتب جزائري

«الحرقة» والحدود

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول hamouza algerie:

    بارك الله فيك يا دكتور مقال يستحق القراءة،كما أنه يشخص فعلا الوضع القائم والذي لا يبشر بخير،
    وهو ما يتطلب التفكير الجدي في تغيير هذا الوضع ولو بالاستنكار.

  2. يقول العربي بنوالي الجزائر:

    تحليل رائع للظاهرةو على السلطات الحاكمة في شمال افريقيا اخذه يعين الاعتبار

اشترك في قائمتنا البريدية