التوزع الطائفي والقومي في العراق ليس وليد اللحظة، والاشتغال عليه وتأجيجه لاتقف وراءه المؤامرات الدولية كما يحلو للبعض تصويرالأمر، إنه تشكيل وتراكم تاريخي ممتد لقرون، الدولة الحديثة التي قامت في عشرينات القرن الماضي حاولت جاهدة خلق بوتقة جامعة تضم كل الهويات الفرعية الطائفية والدينية والإثنية والقبلية عبر خلق الهوية الوطنية في إطار ما يعرف في علم الاجتماع السياسي بالـ (دولة/أمة)، ونجحت المحاولة بشكل مقبول في ذلك، لكن المشروع انكفأ وتداعى لأسباب كثيرة لا مجال لتناولها هنا، وعاودت الهويات الطائفية ظهورها تدريجيا. لكنها شهدت اندفاعة أو فورة واضحة للعيان منذ حوالي ربع قرن، عندما فرض نظام صدام حسين في منتصف التسعينات ما عرف بالحملة الإيمانية التي أثارت نزعات طائفية حادة في مجتمع عاش ويعيش توازنا قلقا تجاه هذا الأمر نتيجة احتفاظه بسردياته التاريخية في هذا الشأن.
الدارس لمظاهر الطائفية في المجتمع العراقي يمكنه تلمس التوتر بوضوح من مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي التي تغرق مع كل مناسبة دينية أو حدث طائفي/سياسي بصراع محتدم، إذ تشهد صفحات «الفيسبوك» سعي ناشطين ومدونين إلى طرح رؤيتهم لمواضيع وشخصيات (تاريخية / دينية) ذات حساسية وتحظى بقدسية لدى طوائف المجتمع العراقي المختلفة. كما يحاول البعض إعادة قراءة التاريخ الديني مما يتسبب دائما بردود فعل عنيفة تتمثل عادة بالشتائم والتكفير وقد يصل الأمر للتحريض على القتل. وربما كانت النكتة التي تحكى عن (ملحد سني) و (ملحد شيعي) مجرد طرفة سوداء من مجتمعنا، إلا أنها تتحول يوما بعد آخر إلى حقيقة واقعة في عراقنا الطائفي، وهذا ما يمكن تلمسه في صفحات التواصل الاجتماعي من هجوم شخصيات تدعي العلمانية لكنها ومع أول خدش لأيقونات ورموز طائفتها تنزع عنها كل مدنيتها وعلمانيتها وترتد وحوشا طائفية كاسرة.
الطائفية كما هو معلوم مفهوم يتسم بالتنوع تبعا للزمان والمكان. والصراع بين طوائف المجتمعات متشابه في معطياته ومختلف في تفاصيله من مجتمع لآخر، والصراع الطائفي في العراق قائم على أساس الصراع بين الطوائف الإسلامية بشكل رئيس، أي صراع إسلامي – إسلامي بين الشيعة والسنة. وهنا يجدر أن نسأل، هل هو إذن صراع ديني؟ أي هل هو صراع يقوم على رؤية دينية مختلفة لكل مذهب؟ وهل يمكن أن تتعايش هذه المذاهب وتحتفظ بخصوصيتها في دولة واحدة؟ وما هو نمط الدول التي يمكن أن تتعايش فيها المذاهب المختلفة؟
شهد العراق عبر تاريخه الحديث صراعا طائفيا شديدا لأنه مثّل ساحة حرب وتنافس بين الدولة الصفوية وبعدها القاجارية في إيران والدولة العثمانية في تركيا، وبات المجتمع العراقي المنقسم إلى سنة وشيعة يمثل رجع الصدى لهذا الصراع. وقد حصلت محاولات تقريب قليلة وربما لم تكن مهمة بين المذاهب، أبرزها مبادرة نادر شاه افشار الملك القوي الذي حكم بلاد فارس في الفترة ( 1736 – 1747)، والذي حاول مد نفوذ مملكته إلى العراق أكثر من مرة في منتصف القرن الثامن عشر لكنه فشل في ذلك عسكريا. وفي خضم هذا الصراع عقد صلحا مع والي بغداد العثماني أحمد باشا وطلب عقد مؤتمر تقريب المذاهب حضره من بغداد أبرز علماء السنة الشيخ عبد الله السويدي وناظره عدد من علماء الشيعة من العراق وإيران وباكستان بحضور نادر شاه، وتمخض المؤتمرعما عرف بـ ( وثيقة النجف الكبرى ) الصادرة عام 1743م التي اعترف بموجبها لأول مرة بوجود مذهب فقهي خامس في الإسلام أطلق عليه اسم المذهب الجعفري نسبة إلى الإمام السادس لدى الشيعة جعفر الصادق (رض).
لقد تناول د.علي الوردي مؤتمر النجف بالكثير من النقد والتحليل معتبرا أمر التقريب بين الطوائف المختلفة لا يمكن أن يتم تحت تهديد سيف الملك، لأن الحال سيعود إلى ما كان عليه بمجرد زوال الخوف، وإنما يقوم التقريب على سياسات مجتمعية جادة وواقعية تعالج الاختلافات التاريخية بوعي وحذر. وقد حاول البعض تجميل الأمر ونكران وجود الخلاف أصلا، مثال ذلك ما نقله د.علي شريعتي عن الشيخ محمد تقي القمي السكرتير العام لدار التقريب ما نصه: «لو أمعنا النظر في جذور تسمية المذهبين السني والشيعي لاكتشفنا أنّ جميع المسلمين هم شيعة لأنهم جميعاً يُحبون آل بيت النبي الأكرم (ص)، وهم أيضاً سنة لأن جميع المسلمين يعتقدون بوجوب العمل بكل ما ثبت من طريق موثوق أنه صادر عن النبي الأكرم (ص)… وفي ضوء ذلك فنحن جميعاً سنة وشيعة وقرآنيون ومحمديون». وبحسب رأي الشيخ محمود شلتوت إمام الأزهر، فإن هذا التفريق هو من فعل الحاقدين من كلا الفريقين: حقد وضغينة هي من خصائص التشيع الصفوي والتسنن الأموي، وإلا فالتشيع العلوي والتسنن المحمدي بحسب شريعتي هما طريقان متلاقيان من يسير في أحدهما لا بد أن يأتي اليوم الذي يلتقي فيه مع صاحبه ليصبحا معاً وحدة واحدة.
وهذا الرأي عبارة عن إيهام للذات أو إيهام للآخر بأكاذيب لا تصمد أمام بشاعة الواقع. فأمر الإمامة عند الشيعة متعلق بالنص والتعيين الإلهي ومخالفته هو مخالفة للأمر الإلهي المنصوص عليه في اللوح المحفوظ. أما أمر الإمامة عند السنة فهو خلافة بشر لبشر. هو هم إنساني متعلق بالقدرة والإستطاعة والبيعة لذوي الشوكة والعزيمة. وهذان الأمران لا يلتقيان لا في الواقع ولا في تصورات الحالمين لأن أئمة الشيعة يرون أن «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» وفي رواية أخرى «مات ميتة كفر».
إن الأزمة العميقة التي يعيشها العراق اليوم سببها تعميق البنى الطائفية وتحولها من معطيات تاريخية يمكن تجاوزها إلى حدود حياتية متحجرة صعبة التجاوز، وذلك بسبب سيطرة أحزاب الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني على الأمر في العراق، ورغم كل ادعاءات هذه الأحزاب بأنها رافضة للطائفية وعابرة للتمثيل الطائفي إلا أن الواقع يشير إلى أنها لا تسطيع بأي حال من الأحوال تجاوز تخندقها الطائفي لأنها قائمة على معطى أسلامي – سياسي، وهذا المعطى لا يتواجد إلا بشكله الطائفي.
واليوم ونحن إزاء موسم تبديل جلود الأحزاب السياسية في العراق قبيل موسم الانتخابات، تجد كل أفاعي الصراع السياسي نزعت جلودها الطائفية ولبست ثوب «المدنية» المصطلح الذي انتشر في المشهد العراقي دون أن يعلم أحد مدى حدوده أو كنهه. وتلك مواربة أخرى ظهرت نتيجة خوف المتعاطين مع الشأن السياسي من التصريح بالمطالبة بنظام علماني يفصل الدين عن الدولة، ليحمي الدولة من تغول الإسلام السياسي الذي لابد أن يكون طائفيا، ويحمي قدسية الدين من التلوث بقذارة السياسة وفسادها الذي زكمت نتانته الأنوف.
المفارقة التي نعيشها اليوم (طائفيا) في العراق أن الأحزاب والتيارات التي قامت على أسس فقهية شيعية تطالب بـ «ولاية الفقيه» وسلطته غير المحدودة تطالب اليوم بتشكيل كتل عابرة للطائفية. وعندما تبحث في أدبيات هذه التيارات والأحزاب تجدها متمسكة وبشدة بكل طروحاتها الداعية لولاية الفقيه. إذن هل نبوب الدعوة إلى المدنية والكتل العابرة للطائفية في خانة الكذب والتدليس السياسي؟ أم إنها تقية ومطية يتم استعمالها في موسم الانتخابات فقط؟
إن أعتى الأحزاب العلمانية، التي عول المواطن على وضوح مشروعها وشجاعة كوادرها دخلت نفق الاتفاقات التكتيكية مع عباءة طائفية في محاولة لكسب عدد بائس من مقاعد البرلمان. أحزاب علمانية عريقة دخلت ائتلافا مع تيارات طائفية بأمتياز واعتقدت أنها ستركب ظهر الوحش وستمسك لجامه وأنها تمتلك القدرة على ترويضه وخلع عباءته الطائفية، دون أن تعي أن ركوبها القلق على ظهر الوحش الطائفي قد يطيح بها في لحظة لتتحول إلى فريسة يسهل البطش بها، لتعود أيام مطاردتها وقتل كوادرها بفتاوى المشايخ الدموية.
الانشقاق الطائفي العميق الذي يقسم مجتمعات مثل المجتمع العراقي سيبقى عاملا رئيسيا في شلل أي عمل مجتمعي وسياسي حقيقي إذا لم يتم التعامل بجدية ووضوح معه. والتعامل الجاد والواضح لا يقوم إلا على أساس إرساء العلمانية بشكل كامل، ومحاربة كل المحرضين الذين يلعبون بوعي البسطاء ويفهمونهم أن العلمانية كفر وإلحاد، وأنها تحارب التدين وتريد أن تقضي على التمسك بالشرائع. فلا ديمقراطية حقيقية ولا بناء سياسي سليم سيقوم في العراق دون إرساء أسس العمل السياسي على أساس مبدأ تكافؤ الفرص العلماني دون تمييز على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس، وأن كل ما عدا ذلك هو محض هراء.
كاتب عراقي
صادق الطائي
لا يوجد خلاف جوهري بين السُنة والشيعة بالعراق
ولكن يوجد خلاف مع الشيعة المدافعين عن المحتل الإيراني !
الوطنية مفقودة بالعراق بسبب تبعية البعض من الشيعة للولي الفقيه بطهران
ولا حول ولا قوة الا بالله
الاختلاف بين في الرؤيا بين الاديان و حتى ضمن الدين الواحد موجودة دائما في عالمنا
ولكن بين المذهب الشيعي و السني ،هو ليس فقط اختلاف رؤيا ولكن كان هناك 3 حروب بينهما ، وهي:
حرب صفين و حرب الجمل و واقعه كربلاء
و العرب منتمين الى دينهم في الدرجه الاولى ، و تاريخه ايضا ،،و ضمن هذا التاريخ هو الصراع الدموي بين اهل القبله ، ولايزال هذا الصراع مستمرا ولا اعتقد انه سينتهي ، طالما بقى تدريس الدين في مناهجنا و نعلمه لاطفالنا و نربيهم عليه ايضا
مقال عميق ، يبعث على الحزن لما حلّ بالعراق ، و القلق على المستقبل .
و لكن الإتعاظ بالماضي القريب و البعيد و أخطاءه ، فقط ما يحمي مستقبل العراق .
الأخطاء القاتلة و الدموية التي أدت الى الخراب جائت جرّاء ما يدعى الإديولوجيا و الأفكار ….معظمها أما طوباوية و غيبية ، أو غير واقعية و مثالية ، لا تحرث حرث و لا تفري الأرض عن نبع .
عشنا لعشرات السنين و لم نكن نعرف من المسلم أو المسيحي ، و من الشيعي أو السني …و ذاك كان أمراً حسناً ، و لكن في نفس الوقت كان هناك غول آخر يضرم و يشأم ، جائت به مجموعات و أحزاب أخرى .
ما جئت به أيها السيد الكاتب في أسطرك الأخيرة ما علينا كعراقيين أن نعمل عليه : الدين لله و الوطن للجميع ، و إرساء دولة القانون الذي لا يفرق بين أحد ، و لا يسمح لأحدِ أن يأخذ القانون بيده ، بل يضرب بيدٍ من حديد على مثل هؤلاء .
و يعود الدين بين المرء و ربه .
الخلاف اولا و آخرا هو خلاف سياسي او فلنقل ان الخلاف السياسي يعمق و يقوي الخلاف المذهبي..
و الخلاف السياسي هو خلاف اقليات على السلطة او بالاحرى على المنافع المتأتية من السلطة و هذا الخلاف السياسي تقودة اقليات
الحل بالحرية و الديموقراطية
يبدو ان اخونا الكروي لا يعرف الفرق بين المذهب السني والشيعي وهل هناك فرق جوهري او لا ,الامامة يا اخونا هي الفرق الجوهري وانت تعرف ذلك جيدا,فكما هناك شيعة يدافعون عن ايران هنالك سنة يدافعون عن تركيا واخرون عن السعودية لطائفية هي الطائفية مرض ابتلى به العراق منذ ان وجد معاوية وعلي والحسين ويزيد ,متى ما تركنا التاريخ وصراعاته وراءنا بعد ذلك نستطيع العيش مع بعض متحابين وبدون ضغينة او لنقل متى ما ابعدنا الدين عن السياسة على الاقل