إنطاكيا ـ «القدس العربي»: يرى الكثير من المتابعين للثورة السورية أن الاختراق الأمني، وتغلغل النظام في بعض مفاصل الهيئات السياسية، واختراقه كذلك لبعض الفصائل العسكرية، تكاد تكون الأسباب الأهم فيما آلت إليه حال الثورة السورية من ضعف، وما آلت إليه هيئات المعارضة السياسية والعسكرية من فرقة وتشتت، وقد استفاد النظام السوري من قلة خبرة الفصائل العسكرية بمثل هذا النوع من الأعمال الأمنية، ومن العفوية التي انطلقت بها الثورة السورية، ليمارس على الثورة جميع أنواع الاختراق.
في وقت لاحق، برزت الحاجة للعمل الأمني كواحد من أهم التحديات التي تواجه فصائل الثورة السورية، فبعد سيطرة المعارضة المسلحة على مناطق واسعة، والاختراقات الكثيرة التي حصلت فيها، من اغتيالات، وتفجيرات، وعمليات خطف للثوار واقتيادهم إلى مناطق النظام، ظهرت محاولات عدة لضبط الأمن، في محاولة من الفصائل لحماية أفرادها ولضبط المناطق التي تسيطر عليها، وعملت الفصائل العسكرية في هذا المجال بشكل منفرد، ولم يكن هناك أي تنسيق، وما تزال معظم تلك التجارب غامضة إلى حد كبير، ومنفصلة عن التجارب التي نفذتها الفصائل الأخرى.
في الوقت الحالي، لكل فصيل عسكري كبير مؤسسة أمنية خاصة به، ومن أبرزهم «جبهة النصرة» و«جيش الإسلام»، وبعض الفصائل في الشمال والجنوب، لكن المعلومات المتوفرة عن هذه المؤسسات تكاد تكون معدومة، ولا يعرف بالضبط آلية عملها، أو الإنجازات التي تحققها.
الحاجة أدت إلى نشوء المؤسسات الأمنية
بعد سيطرة فصائل «الجيش الحر» على مناطق واسعة في مدينة حلب وريفها، انتشرت حالة من الفوضى الأمنية، وبرزت الحاجة إلى وجود جهة تكون مسؤولة عن ضبط جميع الجوانب الأمنية الخاصة بالمدنيين القاطنين في المناطق المحررة، والمقاتلين العاملين في الفصائل العسكرية، على حد سواء، ومع دخول فصائل «الجيش الحر» إلى مدينة حلب في منتصف العام 2012، تشكلت نواة لمؤسسة أمنية كان تسميتها في ذلك الوقت «هيئة أمن الثورة»، وكانت متخصصة بملاحقة الشبيحة الفارين إلى المناطق التي تمت السيطرة عليها، ومتابعة الخلايا النائمة المرتبطة بالنظام في مناطق سيطرة «الجيش الحر».
وكانت هيئة أمن الثورة ترتبط حينها مع قيادة «لواء التوحيد» بشكل مباشر (أبرز الفصائل العسكرية بحلب في ذلك الوقت)، وكان لديها سجن يتبع لها، وهو «سجن الراعي»، الواقع في بلدة الراعي على الحدود السورية التركية.
وبعد اندماج عدد من الفصائل، وتأسيس ما عرف بـ»الجبهة الإسلامية»، تم إلغاء عمل هيئة أمن الثورة وتشكيل ما سمي «المؤسسة الأمنية في حلب وريفها»، مع إعطائها صلاحيات واسعة.
يقول أبو عمر، وهو أحد أفراد المؤسسة الأمنية سابقاً: كان الهدف الأساسي من تشكيل تلك المؤسسة كان الحد من حالات السرقة في المناطق التي تسيطر عليها فصائل «الجبهة الإسلامية» في حلب، وملاحقة العسكريين الذين تثبت عليهم قضايا الفساد والسرقة، أو قضايا التخابر مع النظام السوري، بالإضافة إلى المتابعة الأمنية لبعض المشتبه بهم في المناطق ذاتها.
ويضيف قائلاً «كانت المؤسسة الأمنية في «الجبهة الإسلامية» تعمل في بعض الأحيان كذراع عسكرية للهيئة الشرعية في حلب، والتي كانت تعترف بها جميع الفصائل في الشمال السوري، بما فيها جبهة النصرة، حيث كانت تلقي القبض على المطلوبين وتقتادهم إلى المحكمة».
أضخم الحملات التي قامت بها المؤسسة الأمنية كانت في حي الميسر بمدينة حلب، حيث استطاعت أواخر العام 2013 أن تضبط خلية كبيرة تابعة للنظام السوري كانت على اتصال مع الأفرع الأمنية في حلب. وكانت هذه الخلية مكلفة من قبل الأمن التابع للنظام بإرسال مواقع المقرات العسكرية التابعة لفصائل المعارضة المسلحة في أحياء حلب، بالإضافة لزرع «شرائح» لتستهدفها الطائرات الحربية.
وعن الأعمال الأخرى لتلك الخلية يشرح أبو عمر لـ «القدس العربي»، «بالإضافة لإرسال مواقع المقرات العسكرية وزرع شرائح دلالة للطائرات، قامت تلك الخلية باختطاف عدد من العسكريين التابعين للجيش الحر، وذلك عن طريق شبكة من النساء، بعد أن قمن باستدراج العسكريين، ومن ثم تخديرهم ونقلهم إلى مناطق النظام عبر سيارات الإسعاف».
وعن مصير الخلية يضيف «تم إلقاء القبض على الخلية كاملة، ومن ثم إحالتها إلى المحكمة العسكرية التابعة للواء التوحيد، وشخصياً لا أعرف مصيرهم أو ما حل بهم بالضبط».
كما نجحت المؤسسة الأمنية في الكشف عن منفذي عملية تفجير سيارة مفخخة في الساحة العامة ببلدة حريتان، تلك العملية التي أثارت جدلاً كبيراً، وتم توجيه الاتهام بها لأطراف عدة، قبل أن تكشف المؤسسة الأمنية هوية المنفِذَين، وتعلن ارتباطهما بالنظام السوري.
كذلك تمكنت من إلقاء القبض على أعداد كبيرة من المخبرين المرتبطين بالنظام السوري وبتنظيم الدولة، وأيضاً على أعداد كبيرة من اللصوص الذين يمتهنون سرقة السيارات والبيوت.
يرى عدد من المهتمين بالشأن السوري أن عمل المؤسسة الأمنية كان له دور كبير في الحد من مظاهر السرقة والانفلات الأمني في حلب وريفها، كما أن القبض على المخبرين ساهم كثيراً في رفع حالة الأمان في المناطق المحررة، وخصوصاً الريف الشمالي لحلب.
عدم وجود مرجعية محددة للمؤسسة الأمنية
على الرغم من نجاحها بما أوكل إليها، إلا أن البعض وجه انتقادات لاذعة لعمل المؤسسة الأمنية، واصفين عملها بأنه «استنساخ لأساليب النظام»، متهمينها بعدم وضع مرجعية قانونية محددة لعملها، ومتهمينها كذلك بالقيام بعمليات الاعتقال التعسفي لبعض الأشخاص.
عدم الاعتماد على محكمة واحدة ومخصصة بشكل دائم، كان أيضاً واحداً من الانتقادات الموجهة للمؤسسة الأمنية، فقد استبدلت المحاكم الشرعية والهيئات القضائية المعتمدة لمرات عديدة، وكانت كل محكمة تقوم بإلغاء الهيئات وطرق العمل القديمة، وتستحدث هيئات وطرق عمل جديدة.
كما وجه ناشطون انتقادات لأشخاص كانوا يعملون في المؤسسة الأمنية، متهمينهم باستغلال المنصب وارتكاب التجاوزات بدون رقيب أو حسيب، بالإضافة لاتهام المؤسسة الأمنية بعدم القدرة على تطبيق القانون على الفاسدين أصحاب النفوذ في حلب، سواء كانوا عسكريين من أفراد الفصائل المسلحة، أو مدنيين من ذوي العلاقات الواسعة.
وأثار عمل المؤسسة الأمنية في نهاية العام 2015 موجة جدل واسعة، وضاق الأهالي ذرعاً بها، واعتبروها مؤسسة على الضعفاء فقط، ما قاد في نهاية المطاف إلى إلغاء عملها.
هيئة التنسيق والمتابعة
يعتبر مكتب التنسيق والمتابعة، الذي تم استحداثه في العام 2013 ، وكان يتبع بشكل مباشر لقيادة الفصائل العسكرية، واحداً من التجارب المهمة، وكان عمله يعتبر موازياً ومكملاً لعمل المؤسسة الأمنية في حلب.
يقول باسم الحلبي، وهو رئيس مكتب التنسيق والمتابعة، إن المكتب نجح وحقق الكثير من الإنجازات المهمة، مشيراً إلى أن أسلوب عمله كان أشبه بعمل المؤسسات الاستخباراتية، وكانت سرية العمل عاملاً مهماً في نجاحه، ويضيف: «كان المكتب يعمل على فتح قنوات اتصال بين الفصائل العسكرية في المدن السورية، ومهمته الأبرز كانت التواصل مع الفصائل العسكرية في مختلف المحافظات لمتابعة الأشخاص المطلوبين الفارين من منطقة إلى أخرى، بالإضافة لتبادل أسماء من يثبت تورطهم في جرائم ضد المدنيين، والذين فروا من منطقتهم إلى منطقة أخرى خوفاً من المحاسبة».
ويتابع حديثه قائلاً «أحد أهم اختصاصات المكتب كان تأمين انشقاق العسكريين من جيش النظام وتأمين وصولهم إلى محافظاتهم، وضمان عدم التعرض لهم من قبل الفصائل العسكرية الأخرى عند انتقالهم إلى مناطق نفوذها».
وعن الأمور الأخرى التي يهتم بها المكتب يقول لـ «القدس العربي»: «عمل المكتب على أمور مهمة أخرى، منها متابعة العسكريين المنشقين بعد انشقاقهم، وجمع معلومات أمنية كاملة عنهم، ومراقبة تحركاتهم، بما يضمن عدم ارتباطهم بأمن النظام، بالإضافة لجمع المعلومات عن المشبوهين وإعطائها للفصائل العسكرية، بما يضمن عدم ظلم أي متهم ما لم يثبت عليه شيء».
ويتابع «كثيراً ما تواصلت معنا فصائل من محافظات سورية أخرى للاستفسار عن الوضع الأمني لبعض المنشقين والمدنيين المشبوهين الذين انخرطوا في صفوف تلك الفصائل، وذلك خشية من التعرض للاختراق، ونجحنا بالتنسيق معهم من القبض على حالات اختراق عدة، فيما ثبت براءة بعضهم الآخر».
مع نهاية العام 2016 أعلن رئيس المؤسسة الأمنية «مضر النجار» الاستقالة من منصبه، وتبع ذلك إنهاء عمل المؤسسة الأمنية، وانتهت بذلك تجربة من التجارب الأمنية المهمة في الثورة السورية، لكن عمل مكتب التنسيق والمتابعة لا يزال مستمراً، ويقول باسم الحلبي: «مكتب التنسيق لديه الكثير من الأعمال حتى الآن، لكنه غير مدعوم من أي فصيل عسكري، وليس لديه أي تمويل، وما زال بوسعنا أن ننجز أعمالاً مهمة حتى الآن، لكن العجز المادي وضعف تنسيق الفصائل فيما بينها عطّل عملنا، وجعله مقتصراً على بعض الأعمال الفردية، كتأمين انشقاق بعض العناصر، أو ملاحقة بعض المتهمين بالتعامل مع نظام الأسد».
الفراغ الأمني واختراق تنظيم «الدولة» لمناطق سيطرة المعارضة
أثار اختراق تنظيم «الدولة» لمناطق سيطرة المعارضة المسلحة خلال الأسبوع الماضي جدلاً واسعاً حول قدرة فصائل المعارضة المسلحة على ضبط الوضع الأمني في مناطق نفوذها، حيث قام التنظيم بزرع خلايا تابعة له من بعض المدنيين والمسلحين داخل العديد من قرى الريف الشمالي، ما سهل عليه الدخول إلى قريتي كلجبرين وكفركلبين، وقطع الطريق بين مارع واعزاز، وبالتالي حصار مدينة مارع بشكل كامل.
هذا الاختراق الأمني من قبل تنظيم «الدولة» للمعارضة المسلحة ليس الأول من نوعه، فقد سبق له في منتصف العام 2014 أن اخترق اجتماعاً للقادة العسكريين في بلدة الراعي، حيث نجح بإدخال عنصر انتحاري إلى الاجتماع، وتمكن من تفجير نفسه وسط مجموعة من أبرز القادة العسكريين في ريف حلب الشمالي، ما أثار بلبلة كبيرة في صفوف الفصائل العسكرية في المنطقة، ودفعها للانسحاب من مناطق واسعة، وسط حالة من الفوضى أثارها التفجير.
شهادات المدنيين المقيمين في مناطق سيطرة تنظيم «الدولة» تتحدث عن نجاح التنظيم بضبط الحالة الامنية، والحد من الاختراقات، وإيقاف عمليات السرقة أو الاعتداء على المدنيين في المدن والقرى التي يسيطر عليها، وذلك عن طريق تطبيقه لأساليب قاسية، كتنفيذه للحدود في الساحات العامة على من يتسببون بالاختراقات الأمنية، أو يقومون بالسرقات والاعتداءات المشابهة.
هذا ويعطي تنظيم «الدولة» عمل مؤسساته الأمنية الأولوية على كل الهيئات التي قام باستحداثها في مناطق نفوذه، مما عزز استقرار هذه المناطق، وقلل من العمليات الأمنية ضد مجموعاته وعناصره المنتشرين في مناطق واسعة من سوريا، بينما تبقى العمليات الأمنية لفصائل المعارضة المسلحة تجري بشكل انفرادي وبمجموعات صغيرة، مما يؤدي لضياع الجهود الأمنية، وعدم استثمارها بالشكل الامثل، ويتسبب أيضاً بكثرة الاختراقات، وانتشار الاغتيالات والسرقات في بعض المناطق.
الجدير بالذكر أن الفترة الماضية كانت حافلة بالعديد من عمليات الاختراق الأمني لمناطق نفوذ المعارضة المسلحة، كان أبرزها اغتيال قياديين في صفوفها، وتفجير سيارات بالقرب من مقرات عسكرية.
ياسين رائد الحلبي وفاضل الحمصي