بيروت عاصمة الإباحتَين

حجم الخط
4

أصل بعد حديث غير اللبنانيين من أنصار بيروت (وهو ما أوجزته في مقالتي السابقة) إلى ما يلتقي عليه بصدد العاصمة اللبنانية مثقّفون لبنانيون لا يخلو صفّهم من اختلاف المشارب. هؤلاء ينتظمون في جوقة تترنّم بصوتٍ واحد، هي أيضاً، بما ينسبه غير اللبنانيين من فضائل لبيروت. هذا أوّلاً. على أنهم لا يخيّبون الأمل فيهم فيضيفون إلى أسباب التبجّح مواضيع من إبداعهم. ولا نستغني عن الإشارة، بادئ بدءٍ، إلى كونهم ينصبون جداراً صفيقاً ما بين المدينة التي تبقى عظيمةً في نظرهم والنظام السياسي الذي يشنّون عليه الغارات بلا تحفـّظ فينسبون إليه الموبقات كلّها بما فيها تلك التي تعصف بقبول البيروتيين ما تمليه إقامتهم سويّة وتعصف أيضاً بمقوّمات ما يريده أكثر هؤلاء المثقفين لأنفسهم من حياةٍ يومية رضيّة.
ولقد كان مني أن نوّهتُ، قبل سنوات عديدة، بمدارين للمدائح التي يزجيها هؤلاء المسبّحون بحمد بيروت لمدينتهم المحبوبة. فبيروت عندهم، من جهةٍ أولى، هي بيروتوس الرومان التي كان هؤلاء قد أنشأوا فيها مدرسة ذائعة الصيت للحقوق وأطلقوا عليها لقب «أمّ الشرائع». ويرى أعضاء جوقة بيروت من اللبنانيين أن المدينة يسعها أن تحمل أيضاً لقب عاصمة الحرّيات. غير أن في التزامن بين هاتين الصفتين أو في تساكنهما ـ إن جازت هذه العبارة ـ إشكالاً يبرز على الفور.
وذاك أننا إذا نظرنا في الأمر عن كثب ظهر لنا أن تعهّد الشرائع واقعة من وقائع التاريخ البيروتي القديم لم يبق منها في بيروت الزمن الحاضر كبير أثر. فإن المدينة، بما هي عاصمة للبنان، تبدو واجهة غير مناسبة لسلطة القانون إذ هي أقرب إلى أن تكون بيئة للتحلل منه. فإن القوانين التي تسود المدينة فعلاً لا تسودها بما هي قوانين الدولة أوّلاً. بل يسود منها ما يأذن للسلطة العامّة بسيادته هنا أو هناك سادةُ الموقع. ويسود، على الأخصّ، شرع لا يشترط فيه كمال التدوين هو شرع الجماعات المحليّة.
وما من ريب في أن حال القانون هذه تترك أثراً في حال المزيّة الأخرى التي يُنعم بها مثقّفونا على بيروت وهي مزيّة الحرّيات. فبالقياس إلى حجم البلاد، تضمّ العاصمة عدداً يعتبر ضخماً من دور الصحافة وقنوات التلفزة وإذاعات الـ»إف. إم». ولا ننسَ الجمعيات من ثقافية ومطلبية ومراكز الأبحاث وكذلك الجامعات. ولنُشرْ، ما دمنا في هذا المعرض، إلى كون النموّ الصاعق الذي يشهده القطاع الجامعي في اليلاد منذ نهاية الحرب اللبنانية (1975-1990) ظاهرة تبدو ملازمةً لإهدار ما كانت أقدم الجامعات قد راكمته من رأس مالٍ في مجال نوعية التعليم العالي. هذا وتشهد بيروت الكثير أيضاً من التظاهرات الثقافية المتنوعة على مدار السنة. ومع أن النشاط المسرحي يثير بتقطّعه قلقاً على ديمومة المؤسّسات المعنية به، فإن ما يحيي فصول السنوات البيروتية من عِجافٍ وسِمانٍ من العروض المسرحية وعروض الرقص لا يعدّ قليلاً فعلاً. وأما الحفلات الموسيقية والغنائية فهي أوفر نصيباً. ولنا أن نقول الشيء نفسه في معارض الفنون التشكيلية. وتجذب المهرجانات السينمائية جمهوراً وفيّاً لها. وأوفر عدداً من هذا كله ما ينظّم من ندوات ومحاضرات وما شاكل تقترحها المراكز ذات الاختصاص على جمهور المتردّدين عليها.
ويُتّخذ مناخ الحرّية تعليلاً لا ريب في وجاهته الظاهرة لهذا الفوران الثقافي الذي عرف صعوداً وهبوطاً، والحقّ يقال، ولكن المدينة أثبتت براعةً في بعثه كلّما تركت لها مراحل الاضطراب المتكرّر فسحة كافية من الزمن للعودة إليه. بل إنه يجوز القول أن الأنشطة الثقافية تفلح، إلى حدّ ما، في مزاولة نوع من التجاهل العجيب لما تشهده البلاد في معظم الأوقات من توتّر سياسي واجتماعي. وهذا توتّرٌ ينذر، إذا هو أسفر عن اضطراب في حبل الأمن، بردع المشاهدين الممكنين لمسرحية من المسرحيات أو الجمهور المحتمل لمهرجان موسيقي. يتواصل الإعداد على الرغم مما يجري. ويَصْلُح التمويل الخارجي الذي يسهم إسهاماً طاغياً في تغذية هذا النوع من النشاط تفسيراً لجانب من مثابرة أصحاب المشروعات الثقافية على تحدّي العقبات. ولكن الحاجة إلى البقاء في قيد الحياة، مهما يكن من شيء، هي ما يفسّر الباقي.
وأما السؤال المؤرّق هنا فيتعلّق بجواز الفصل في التحليل ما بين أشياء يضطرّ لبنانيون كثيرون إلى الفصل بينها نفسيّاً ليتمكنوا من مواصلة العمل والتنفّس. بيروت عاصمة يحضر فيها لبنان كلّه. وهي قد أفلحت، بحكم موازين التعدّد اللبناني، في تجنّب ما ساد بلاد الشرق الأدنى من مركزية تسلّطية. على أن هذا الإنجاز تحصّل لقاء ترك مكوّنات البلاد كلٍّ لشيطانه الطائفي. وهذا الأخير ضعيف المقاومة لإرادة العرّاب الخارجي الذي يخصّه بالعون والمساندة. وما يظهر من قبيل المجال العمومي، وقد حفظته المدينة واستبقت فيه تفكّكاً يشبه تفكّكها، لا ينجو من الضمور، بطبيعة الحال، في آونة التوتّر. فهو يجنح إلى الاختناق بمقدار ما ترتدّ المدينة إلى نسيج المتضادّات الأوّلية الذي هو نسيجها.
فهل حرّية الخلق البيروتية متميّزة حقّاً، لجهة اصلها وشروط إمكانها، عن إمكان القتل في بيروت دون التعرّض لإزعاج فعلي، وهذا على الرغم من ظواهر قد تشي بخلاف ذلك؟ والقتل هنا قتلُ سياسيٍّ أصبح لا يطاق أو صحافيٍّ أصبح لا يُعْجِب. وأمّا سعة الحيلة التي يبديها المثقّفون المغرمون ببيروت فلا تعدو حدود الفنّ البدائي المتمثّل في التظاهر بفصل ما لا يُفْصَل. هل تكفي حفلات الموسيقى التراثية (شرقيةً كانت أم غربية) لتمويه طوفان البغضاء والعنف الذي تنشره وسائط الإعلام وتصدي له شبكات التواصل؟ وهل يكفي العزل الذهني للحياة الثقافية عن آفات أصبحت غير قابلة للعلاج يشتكيها النظام السياسي وعن حال التضعضع المتقدّم التي تقيم فيها سلطة القانون لدحض وحدة الأصل الجامعة لهذا كلّه؟ وهل فقدان الضمانات الواقعية اللازمة للمضيّ قدماً في أيّ مشروع، وإن يكن قصير الأجل، وهل نُذُر العودة إلى العنف الأهلي غير التعبير الآخر عن «الحرّية» نفسها التي تتنفّسها المشروعات الإبداعية في بيروت؟
وإذا تبدّى، عند إمعان النظر، أن تلك الحرّية ذات الحدّين بعيدة كلّ البعد عن تلك التي تكفلها القوانين في بلاد ديمقراطية وأنها أقرب إلى أن تكون ثمرةً لمَواتٍ متقدّمٍ في القوانين فهل يستقيم الاستمرار في إطلاق اسم «الحرّية» عليها؟ لا مَراءَ في أن امرأةً تعود وحدها إلى مسكنها في وسط الليل وهي سكرى بما أصغت إليه من موسيقى رفيعة لا تخشى على سلامتها في بيروت ما تخشاه في نابولي أو في ديترويت. فبيروت، في التفاصيل، مدينةٌ يعوّل عادةً على الأمان فيها.
غير أن بيروت تستبدّ بها بلا انقطاع نوازع التدمير الذاتي الواسع النطاق ويبقى عليها أن تسهر باستمرار على لجم غريزة الموت المتوثّبة فيها.
أفلا يكون الأصحّ، والحالة هذه، أن نطلق اسم «الإباحة»، عوض اسم «الحرّية»، على هذه المَلَكة التي تتلازم فيها القدرة على القتل والقدرة على إنشاء الجمال… وأن نرى في بيروت عاصمةً لإباحتين؟
كاتب لبناني

أحمد بيضون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ابو عبد الله السودان:

    صدقت يبن بيضون يبن المدينة العريقة والعائلة العريقة لكن في الحقيقة ا تتحملوت جزء من المسؤلية و وشكرا

  2. يقول غاندي حنا ناصر - كوريا الجنوبيه -سوول:

    أحبها..
    أموت بها..
    هي من أعطتني من أمومتها….من أنوثتها……. من شهدها
    وعلمتني الكثير من الأشياء…وغطتني من حر الصيف
    وبرد الشتاء…ومن الأمطار والثلوج…والرياح الهوجاء
    برداءها الناعم و البيضاء….حبيبتي لها وفائي
    لها ولائي…جمالها كجمال مريم العذراء
    سحرها كسحر الشمس….وهي تخرج ساعة الفجر من الماء
    رسمها الكثير من الرسامين في لوحاتهم….بالفيروز والاحجار والالوان
    على الخشب والصلصال والفسيفساء….وكتب الشعراء
    في حبها الكثير من قصائد الغزل….والمدح والثناء
    وكل الذين زاروها من رحالة….ومكتشفين ومستشرقين ومستعمرين
    اكدوا بانها عروسة الشرق…..وعربية الأسارير في كل الأشياء
    بدمها العسلي… ولونها الحنطاوي….وشعرها الكحلي …ويدها الخضراء
    وبانها قصيدة من المطر….رسمها القباني بالحروف
    على أوراق الكستناء…..وبانها أرض الزهور والرياحين والحناء
    وبان مائها وجداولها….وحقولها وعصافيرها ومدنها
    أجمل ماخلقه رب السماء….وبان نسائها اجمل النساء.
    هي معبد للعشاق حتى الفناء…هي منبع الثوار من أجل الحب
    .والسلام والوئام والصفاء…حين أكون امام جمال بيروت
    تصبح الدنيا كزهرة كاردينيا…في كف امرأة من الزمرد والياقوت
    يسافر بيَ الخيال الى مدن الهمس…والنور والعشق وعواصم النسا
    وغابات العنبر والزعتر والعنب والتوت…ويصبح الوطن العربي
    رغم الخراب والكبت….رغم الخوف والصمت
    جسد واحد… دم واحد…لسان واحد… صوت واحد…شعب واحد..!
    في قلب امرأة تسمى بيروت….أحبها كحبي لله
    أعشقها كعشقي للشمس والقمر….أحبها مثلما أحب بغداد..حتى الموت
    حين أكون أمام سحر بيروت الطبيعة….والنهر والرمال والشطآن
    والزهر والمطر والألوان….يتغير شكل احساسي ووجداني
    ويتغير لون وشكل وتضاريس….الأكوان
    حتى الشمس والقمر في حالة…..الخسوف والكسوف والدوران
    وتختفي رونق وبريق ولمعان….الجوزاء… والكوثر … والفرقد
    من سماء الرحمن…وتختبىء في عتمة سواد عين
    حبيبتي وحبيبة لبنان…ويتغير لون السماء
    من أزرق الى أخضر….ولون البحر من أزرق
    الى أحمر كالأرجوان…وانا وجميع من في الشرق
    في دهشة وذهول وهذيان…امام سحر وجمال حبيبتي
    وحبيبة لبنان
    كم أحبها مثلما أحب القدس وبغداد
    حتى الشغف والإدمان
    ( الى الفنان العظيم خالد الشيخ الف تحيه)

    العائد الى يافا
    لاجىء فلسطين

  3. يقول عبدالله:

    بيروت تشم بها عبق الحرية وعراقة التاريخ الممزوج بلحضارة

  4. يقول Ahmad ismaeil. Holland:

    والله معها كل الحق السيدة ماجدة الرومي عندما تقول في اغنيتها يا بيروت يا ست الدنيا يا بيروت،وايضاً الشاعر الكبير نزار قباني قال ليس هناك في الدنيا مدينة تشبه بيروت،وانا صدقاً والله والعظيم عندي و بالنسبة لي بيروت هي اهم و اجمل مدينة في العالم،انا من سوريا لكن عشت في بيروت طفولتي كانت في بيروت،في بيروت تعلمت القرأة والكتابة،و وعشت كل الحرب الاهلية في بيروت،تحاصرنا في منطقة برج حمود النبعة قبل ان تسقط،و تحاصرنا في بيروت الغربية اثناء الاجتياح الاسرائيلي و دمرّ منزلنا بلكامل في بيروت،والشعب اللبناني هو شعب حي كما قالت الصحافة الالمانية عندما زارت بيروت اثناء الحرب. و هذا ما تعلمته انا في بيروت من الشعب اللبناني.

اشترك في قائمتنا البريدية