كتبت مادلين أولبرايت أول وزيرة للخارجية الأمريكية (1997-2001) كتاب «الجبروت والجبار.. تأملات في السلطة والدين والشؤون الدولية» في وقت متأخر من حياتها، وكان أهم ما فيه هو التدليل على إيمانها بالله، وعلى انطلاقها في كل خياراتها، حتى تلك التي تبدو غريبة، من مبادئ مسيحية.
كذلك أرادت أولبرايت من خلال وضعها هذا الكتاب أن تربط بشكل لا يقبل الفصل بين الدين المسيحي، الذي تعتبره دين الولايات المتحدة ومنهجها وعوالم السياسة والدبلوماسية التي تضع طريقة للتعاطي مع الأطراف الأخرى المكونة لهذا العالم.
كان ذلك الكتاب الصادر عام 2006 أكثر بكثير من مجرد سيرة ذاتية، أو تجربة شخصية، ورغم أننا نجد الحديث عن الإيمان في كتابات ورسائل الكثير من القادة الأمريكيين، إلا أن كتاب «الجبروت والجبار» يعد من الأقوى والأكثر جرأة ومباشرة، ليس فقط مقارنة بمذكرات رفيقتيها هيلاري كلينتون وكونداليزا رايس اللتين تقلدتا المنصب المرموق نفسه، ولكن حتى مقارنة بمؤلفاتها الأخرى. هيلاري كلينتون على سبيل المثال بدت أكثر تحفظاً في حديثها عن الجانب الإيماني في حياتها، على الأقل في كتابها «خيارات صعبة»، ولعل السبب في ذلك يعود لطموح كلينتون الذي لا يحده سقف في لعب أدوار أكبر على الصعيد السياسي، ما جعلها تركز أكثر على الوقائع التي عاصرتها إبان ترؤسها للعبة الدبلوماسية الأمريكية، خاصة أنها كانت فترة خصبة ومليئة بالأحداث الكبرى، ومن بينها أحداث الربيع العربي.
تعمد مادلين أولبرايت على تقديم كتاب في شكل موعظة. ستحدثنا عن التاريخ الأمريكي بشكل يجعل منه تاريخاً مسيحياً صرفاً، وتستدل على ما تقول بالكثير من الأمثلة، وكأنها تذكّر من يحكمون الولايات المتحدة الآن، أو في المستقبل بأن أمامهم مسؤولية كبيرة، ليس فقط أمام الشعب «المؤمن بطبعه» الذي اختارهم ولكن أمام الخالق أيضاً.
هل يمكن وصف ذلك بالمسيحية السياسية على غرار تسمية «الإسلام السياسي» الشائعة؟ خاصة أن الأمر لا يقتصر، كما ستشرح لنا أولبرايت نفسها على شخصها هي، أو على الرئيس في عهدها بيل كلينتون، بل سيشمل معظم السياسيين والرؤساء الأمريكيين الذين أتيحت لهم فرص الظهور والحكم.
بحسب التجربة العملية ستتميز المسيحية السياسية بعدة صفات تجعلها مختلفة عن نظيرها «الإسلام السياسي». أول هذه الصفات أنها أكثر تستراً، حيث تعلن عن نفسها في مناسبات معينة فقط، إبان الانتخابات، أو إبان اللحظات الدينية، أو خلال اللقاءات التي تجمع أصحابها برموز البيت اليهودي. في تلك المناسبات فقط يتم تكثيف الحديث عن الدين كأهم مكون للثقافة، وأهم محرك ودافع للسياسة. في تلك المناسبات، خاصة تلك التي تجمع المتحدثين برموز اللوبي الصهيوني، سيتم التأكيد على الارتباط، وعلى نقاط الالتقاء بين الهويتين المسيحية واليهودية، باعتبار الأصل الواحد والمصير المشترك. بخلاف هذه اللحظات القصيرة يبدو الأمر وكأننا نعيش علمانية مادية لا علاقة لها بأصوات السماء. هذا «التستر» يصبح في كثير من الأحيان أشبه بـ»التقية» التي يعرف بها الشيعة، والتي تجعلهم أحياناً لا يتفوهون بكل ما يعتقدونه، مما يخلق تشويشاً لدى مستمعيهم. التشويش المقصود سيكون موجوداً لدى البسطاء من المتابعين الذين يرون في العالم الأول ذاك وفي الولايات المتحدة خاصة، قمة للديمقراطية العلمانية التي يتناقض تحققها مع وجود أي انحياز ظاهر لدين من الأديان أو عقيدة من العقائد.
من هنا تأتي أهمية هذه الشهادة لمادلين أولبرايت وغيرها من الشهادات المماثلة، ومن هنا يمكننا أن نفهم عصبية جورج بوش، وحديثه الذي يمزج الحرب على الإرهاب بالحروب الصليبية، كما أن بإمكاننا أن نفهم سر الشعبية التي حظي بها الرئيس الحالي دونالد ترامب، ولماذا يبالغ أحياناً في إثبات تدينه وولائه للكنيسة وللكتاب المقدس الذي يحض، بحسب فهمه، على القيام بالكثير من الإجراءات على الصعيد الدولي كمناصرة الكيان الصهيوني مثلاً وتمليكه أرضه المزعومة.
كان ترامب ثمرة للمزج بين الشعبوية، بمعنى المغالاة في القومية والدين، وهو امتزاج مدمر لأنه يصل بك بالضرورة إلى المعادلة الآتية: أبيض مسيحي في مقابل ملون غير مسيحي، وهو ما نجده عند اليمين الفرنسي مع زعيمه فرانسوا فيون، الذي استطاع في ظاهرة نادرة أن يحصل على الدعم المطلق للكنيسة الكاثوليكية إبان انتخابات العام الماضي، وإن كان لم يوفق آنذاك في الوصول إلى الرئاسة.
قلنا إن ذلك التستر والتقية على الطريقة الغربية، خاصة الأمريكية، كانت تجعل هذه النزعة للربط بين الدين والسياسة خفية، لكن هناك عاملاً آخر كان يجعل هذه النزعة غير مرئية بالعين المجردة، ومستوجبة لكثير من التأمل والتحليل، وهو ارتباط هذا التدين بالكثير من الحروب والقتل والتدمير، وكأن حب الرب وتنفيذ وصاياه يمر عبر طريق طويل مغطى بجثث الأبرياء. يذكّر هذا أيضاً بعالم الاقتصاد الشهير توماس مالتوس (1766-1834) الذي وضع نظرية عرفت باسمه، وأصبح بموجبها أحد الأركان المهمة في مجال المدرسة الاقتصادية الرأسمالية. مالتوس الذي كان متديناً هو الآخر، ومن خلال بحثه عن العلاقة بين تناقص الموارد اللاإرادي، والذي لا يمكنه أن يلحق بأي شكل من الأشكال، الزيادة السكانية المطردة، وجد نفسه يبرر ليس فقط الإجهاض وإجراءات إنقاص عدد السكان بكل ما فيها من قسوة، ولكن أيضاً الحروب وحتى الإبادات الجماعية، بحجة أنها قد تكون أقداراً ساقها الله للبشرية، من أجل خلق توازن بين عدد الناس والموارد المتوفرة لهم. هذه النظرية سوف ترفع العبء الأخلاقي فعلاً عن الكثير من المجرمين الذي سوف يقولون ببساطة: ربما كانت تلك هي إرادة الله حقاً ونحن لم نكن سوى أداة.
قبل الحرب الأمريكية على العراق كان هناك حصار خانق راح ضحيته ما يتجاوز المليون إنسان في معظم التقديرات. كل هذه التقوى وذلك الورع الذي أظهرته مادلين أولبرايت، من خلال كتابها، لم يمنعانها من أن تظهر بمظهر اللامبالي إزاء هذه المأساة، وحينما سألتها مراسلة برنامج 60 دقيقة في مقابلة شهيرة بثت بتاريخ 12/5/1996 عن وفاة نصف مليون طفل، نتيجة لبرنامج العقوبات الأمريكية على العراق، لم تملك إلا أن تقول العبارة التي وثقتها لاحقاً، بفخر، في مذكراتها المعنونة «السيدة وزيرة الخارجية»: «نعتقد أن ذلك كان يستحق هذا الثمن».
كاتب سوداني
د. مدى الفاتح
الحقيقة ان المسيحية هي احد مكونات الحضارة (الثقافة) الغربية و لكنها مكون ضعيف بالمقارنة من المكون اليوناني و الروماني و غيرها و هذا هو الفرق ما بين الشرق و الغرب. فالمكون الديني في حضارة (ثقافة) الشرق اقوى بكثير لان هذا المكون بدياناته اليهودية و المسيحية و الاسلام نشأ فيه بشكل طبيعي مؤسسا على الحضارات القديمة الفرعونية و ما بين النهرين.
الذي يجعل العامل الديني في امريكا اقوى منه في اوروبا هو ان الغطاء الديني ضروري كمبرر لاحتلال هذه البلاد و القضاء على اهلها وهو الملجأ اليوم لموازنة المادية المفرطة و كذلك تفشي الجريمة في المجتمع بسبب الاسراف في النظرية الرأسمالية و العنصرية.
بطبيعة الحال فان الخزان الانتخابي من الفئات قليلة الثقافة محدودة الدخل ( يقال ان نحو 40% من الناخبين الامريكيين هم كذلك) يمكن تحريكه بسهولة اكبر بالضرب على الوتر الديني.