فلسطين ـ اسرائيل: البديل – العدو

حجم الخط
4

هل يعتبر الفلسطينيون اسرائيل عدوا أم بديلا؟ وهل يعتبر الاسرائيليون فلسطين عدوا أم بديلا؟
هذا السؤال الجوهري، تحدد كل اجابة عليه، طبيعة السياسة التي يتوجب اعتمادها. والسياسة هنا تشمل كل مناحي الحياة، ابتداء بما يتصل منها بادوات ووسائل وأهداف الصراع بشكل مباشر، وانتهاء بكل ما له علاقة بالتعليم والتوجيه والاقتصاد والحياة المدنية بشكل عام.
صعوبة التوصل، بل أكثر دقة من ذلك: استحالة التوصل الى تفاهم فلسطيني فلسطيني، ينهي مرحلة انقسام العمل الفلسطيني، وتشرذم الساحة الفلسطينية، ينبع اساسا من الاختلاف البيّن في الاجابة على سؤال: هل اسرائيل بالنسبة لنا بديل عنا، فإما نحن وإما هي، وأن ما يمكن أن يكون على ارض فلسطين هو واحد فقط من الاثنين، فلسطين او اسرائيل، او انها، اي اسرائيل، عدو قاتلناه ونقاتله ونخوض معه صراعا دمويا مريرا ومتواصلا، ولكن لا بد له ان ينتهي يوما ما الى تسوية ما، قد تتطور لان تكون بين الجانبين علاقات متوترة او علاقات حسن جوار، او علاقات تعاون وتكامل، بل وربما تحالف ايضا؟
هذا الامر يستدعي بالضرورة، البحث والعثورعلى منصة مشرفة بما فيه الكفاية، لتبدو الصورة منها اكثر وضوحا، رغم انها تغطي تاريخا وزمانا أطول، وجغرافيا أوسع وأبعد، من حيث ما تسبره من أبعاد لكُنه وجوهر الصراع الفلسطيني الاسرئيلي، واوسع منه الصراع العربي الصهيوني.
لكن كثرة تشعبات هذا السؤال، وما قد تتعرض له الإجابة عليه من خطر الانزلاق الى تعقيدات، بسبب تعدد الاطراف، تستدعى حدا اقصى من التركيز. لذلك سأحصر البحث هنا في أوجه وأشكال وتبدلات جوهر هذا الصراع بين فلسطين بتجلياتها المتعددة من جهة، واسرائيل بتجلياتها المتعددة، هي الاخرى، من جهة ثانية. لافتين الى امكانية اعتبار ما نذهب اليه، عيّنة ونموذجا في دراسة ابعاد وجذور ومآلات هذا الصراع بين بقية اطرافه.
رأى الفلسطينيون في الحركة الصهيونية منذ انشائها عام 1896، ( وكذلك فيمن تستقدمهم من اليهود)، وطوال خمسة عقود من الزمن، لغاية عام 1948، عام النكبة الفلسطينية، بديلا عنهم، وليس مجرد عدو لهم، مثل الانتداب البريطاني او غيره من اعداء الشعب والأُمة. وتصرف الفلسطينيون خلال هذه المرحلة من الصراع تجاه كل القادمين اليهود الى فلسطين استنادا لقاعدة ان هؤلاء ليسوا مجرد عدو يمكن لك ان تحاربه فتهزمه أو يهزمك، ثم تتوصل معه الى تسوية مؤقتة او دائمة، وتبني معه علاقات عادية، كعدو سابق، او كجار مرغوب او غير مرغوب فيه. وحكمت هذا التصرف قناعة محقة، ان هؤلاء الصهاينة هم بالنسبة لنا البديل الذي يعني وجوده، (مجرد وجوده)، الغاء لوجودنا. وألا مكان على ارض فلسطين الا لواحد من الاثنين: فإما نحن وإما هم. ولما كانت لدى الفلسطينيين قناعة كاملة بأنهم هم الاقوى، وأن انتصارهم على الصهاينة امر مؤكد، فانهم تشبثوا بهذه السياسة، رغم علامات فشل كثيرة مروا بها، وعلامات تغيير جذرية على موازين القوى بين طرفي الصراع، وأخطر من ذلك بكثير، موازين القوى بين القوى العالمية الكبرى المتحالفة مع كل واحد من طرفي الصراع، الامر الذي اوصل هذه المرحلة الى نهايتها الكارثية، بالنكبة والتشرد واللجوء.
على الجانب الآخر، حاولت الحركة الصهيونية، منذ بداية هذه المرحلة، ان تقنع الفلسطينيين، سواء بحسن نية او بخبث وبسوء نية، ألا مطامع لديها للنيل من حقوق الفلسطينيين، وأن في ارض فلسطين مكانا لاهلها و»للقادمين الجدد»، وأن إمكانية التعاون والتعايش بين الجانبين ممكنة ومفيدة لكليهما.
إلا ان احداث عام 1948، التي حملت للفلسطينيين نكبتهم، ومكنت الحركة الصهيونية من اعلان قيام دولتها اسرائيل، شكّلت بداية لمرحلة ملتبسة، استمرت الى ما بعد عام النكسة 1967 بقليل، وتحديدا لغاية عام 1974، يوم اعلن الفلسطينيون من خلال برنامج النقاط العشر، الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني، الذي تضمن ما يعني السعي لاقامة الدولة الفلسطينية، «على اي شبر يتم تحريره او جلاء الاحتلال عنه»، بما يعنيه ذلك، بكلمات اكثر وضوحا، ان اسرائيل هي العدو، وان بالامكان ان تقوم على ارض فلسطين دولتان. لكن عندما وصل الفلسطينيون الى حيث كانت الحركة الصهيونية لغاية عام النكبة، انسحبت الحركة الصهيونية، في مرحلة تجليها كدولة اسرائيل، الى حيث كان الفلسطينيون لغاية عام اعلان قيام دولة اسرائيل.
بهذا البعد للصراع الفلســـطيني الاسرائيلي، فان م.ت.ف. تكون بنقلها لاسرائيل، من خانة البديل لفلسطين، الى خانة العدو لفلسطين، قد دشّنت مرحلة جديدة، اضطُرت اسرائيل الى الانجرار اليها، متخلية عن انكارها لوجود الشعب الفلسطيني، وعن خرافات سياسة الوطن البديل، وعن تجريم اللقاء مع م.ت.ف. ومعتبرة ان فلسطين واسرائيل عدوين، وليس اي من الجانبين بديلا للآخر.
من هنا، فان اقرار اتفاق اوسلو، يعتبر نهاية لمرحلة من الصراع، ولكن الاهم من ذلك، وبكثير، هو انه بداية لمرحلة جديدة من الصراع. إن عدم ادراك اي جهة فلسطينية لهذه الحقيقة، وكذلك اي سياسة فلسطينية لا تستوعب هذا الدرس وتبني عليه، لا يمكن الا ان يعودا بالضرر على مجمل القضية الفلسطينية. ليس من مصلحة الفلسطينيين تمكين اسرائيل من الافلات من خانة العدو، والعودة الى خانة البديل، كونها الطرف المستفيد من ذلك، جراء كونها الطرف الاقوى. وليس من مصلحة الفلسطينيين التعامل مع اسرائيل بأي صفة غير صفة انها العدو المحتل. هي العدو، وليس «الطرف الآخر».

٭ كاتب فلسطيني

عماد شقور

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    حين يقع الاحتلال تختفي لغة المصالح من المناضلين
    فالكلام عن أنه لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة غير صحيح مع الاحتلال والا أعتبر خيانة للوطن وللقيم
    المحتل يبقى عدوا ما لم يتخلى عن احتلاله
    ويجب مقاومته بشتى السبل والامكانيات
    وعدم اعطاءه الأمان أو الاستقرار

    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول علي القزق/ سفير فلسطيني سابق:

    مع إحترامي لصديقي عماد فإن الإدعاء أن الفلسطينيين كانوا يقولون أنه “لا مكان على أرض فلسطين إلاَّ لواحد من إثنين: فإما نحن وإما هم” وأن الصهاينة كانوا يحاولون إقناع الفلسطينيين بالتعايش هو قلب للحقيقة رأساّ على عقب. الحقيقة هي أن الفلسطينيين هم من كان يدعو للتعايش في دولة واحدة والصهاينة هم من كان يعمل على الإستيلاء على كل فلسطين وطرد شعبها منها، وهناك العديد من الدلائل والحقائق التاريخية التي تثبت ذلك، والتي سوف أكتفي في مثالين على ذلك:

    في 29/9/1947 إستمعت لجنة هيئة الأمم المتحدة المخصصة للقضية الفلسطينية برئاسة وزير الخارجية الأسترالي السيد إيفات إلى السيد جمال الحسيني، نائب رئيس اللجنة العربية العليا لفلسطين، حيث قال في بيان حدد فيه الخطوط العريضة للموقف العربي قائلاً “العرب في فلسطين عازمون على معارضة أي خطة تنص على الفصل أو التقسيم بكل الوسائل المتاحة لهم، أو تلك التي من شأنها أن تعطي الأقلية وضع خاص مميز.” ودعى البيان بدل ذلك إلى: “قيام دولة عربية حرة مستقلة على كامل الأراضي الفلسطينية، تحترم حقوق الإنسان، والحريات الأساسية والمساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، وتحمي الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الأقليات في حين تضمن حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة.”
    وجاء في تقرير اليونسكوب المؤرخ في 3/9/1947 إلى الجمعية العمومية لهيئة الأمم أن “ممثلي الدول العربية في بيروت قدموا العديد من نفس المقترحات الدستورية لتشكيل الحكومة المقبلة في فلسطين، مشابهة لتلك التي تقدمت بها وفود الدول العربية إلى مؤتمر فلسطين في لندن في أيلول/سبتمبر 1946. بإختصار، فقد شملت تلك التوصيات: أن فلسطين يجب أن تكون دولة واحدة، مع دستور ديموقراطي ومجلس تشريعي منتخب، أن ينص الدستور، من جملة أمور، على ضمان حرمة الأماكن المقدسة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وفقاً للوضع الراهن، وضمان الحقوق المدنية بشكل كامل لجميع المواطنين، وحماية الحقوق الدينة والثقافية للجالية اليهودية.”
    في الجانب الآخر فقد شرح بن غوريون بصراحة تامة أهداف المنظمة الصهيونية في رسالة أرسلها إلى إبنه آموس، يبرر له فيها أسباب قبول فكرة تقسيم فلسطين حسب تقرير لجنة بيل في تموز / يوليو 1947، وعزمهم بطرد الفلسطينيين قائلاً:
    “سوف ندخل إلى الدولة كل ما نستطيع من اليهود. إننا نعتقد بشدة أن بإمكاننا جلب أكثر من مليوني يهودي…سوف ننظم قوة دفاع متطورة – جيش خارق، حيث لا يوجد لدي أدنى شك أنه سوف يكون واحد من أفضل الجيوش في العالم. عند ذلك فإنني متأكد أننا لن نفشل في الإستيطان في الأجزاء المتبقية من البلاد، من خلال الإتفاق والتفاهم مع جيراننا العرب، أو من خلال وسائل أخرى…إن مقدرتنا على التوغل في البلاد سوف تزداد إذا كان لدينا دولة. قوتنا تجاه العرب سوف تزداد. إحتمالات البناء والتضاعف سوف تتوسع على وجه السرعة القصوى. كلما زادت قوة اليهود في البلاد، كلما لا حظ العرب بأنه لا فائدة وليس بالإمكان الصمود أمامنا. يجب علينا طرد العرب وأخذ مكانهم…إنني واثق أن إقامة دولة يهودية، حتى لو كانت على جزء من البلاد، سوف تمكننا من تنفيذ هذه المهمة…”
    وقال رئيس دائرة الإستعمار في الوكالة اليهودية جوزيف ويتز عام 1940 أنه وقادة صهاينة آخرين توصلوا إلى أنه “بين أنفسنا، يجب أن يكون واضحاً أنه لا يوجد مكان في البلاد للشعبين. الحل الوحيد هو أن تكون إيريتز إسرائيل… بدون العرب، ولا يوجد هناك أي طريقة أخرى غير ترحيل العرب من هنا إلى الدول المجاورة -ترحيلهم كلهم- لا قرية ولا قبيلة يجب أن تبقى.”
    أما بالنسبة لأوسلو والدولة الواحدة والدولتين فلهذا حديث آخر.

  3. يقول علي القزق/ سفير فلسطيني سابق:

    عفواً تصحيح لتاريخ رسالة بن غوريون لإبنه كانت في تموز / يوليو 1937 وليس 1947.

    عذراً للخطأ المطبعي

  4. يقول عماد- دبي:

    صديقي العزيز علي قزق،
    لم يرد في المقال تعبير “دولة واحدة”. ورد تعبير “تعايش” .
    ويمكن ان يتم التعايش في دولة ثنائية القومية، كما يمكن ان يتم بين دولتين متجاورتين.
    القبول المعلن،بقرار التقسيم يوم ٢٩/١١/١٩٤٧، واكثر من ذلك الاحتفال بالقرار يعني الإقرار المعلن بقبول وجود الاخر. هذا سياسيا، اما موضوع النوايا والمخططات والرسائل الشخصية للابناء وللاحفاد ولغيرهم، فذلك امر اخر.

اشترك في قائمتنا البريدية