لك علاقة طويلة مع إيطاليا، لكن حبك لها يزداد. تكتشف ذلك كلما زرتها، وفي كل مرة هناك شيء جديد. إيطاليا لا تنتهي، ولن يستطيع عاشقها الوصول إلى كل ينابيع جمالها، حتى لو سكنها طوال حياته، لأنها ببساطة أيضاً تتجدد على الدوام، فما بات يشغل العالم من آثارها، ومسارات حضارتها، يختفي تحته أو جواره ما قد يفوقه قدرة على إثارة دهشتنا، والوقوع في حبها ثانية، كما لو أننا نلتقيها الآن.
في ساحاتها تكتشف نهر عشاقها الذي لا يكفّ عن التدفق طوال العام. يأتي الربيع، ويتبعه الصيف، الخريف، والشتاء، ويبقى عشاقها الفصل الخامس الذي لا تذبل فيه وردة ولا تهجره شمس أو مطر أو ذهب الخريف. وفي إيطاليا تكتشف أنك تشبه نفسك، لأن كل من حولك، يملكون ملامح وجهك، وإن اختلفت ملامحهم قليلاً، إنهم يشبهون ملامح قلبك.
وفي إيطاليا يمكن أن تنسى كل شيء، إلا الحب، فهي تستحضره في كل ما تقع عليه عيناك، ولذا ستكتشف أنك، من دون أن تنتبه، ستستحضر وجهاً ما، حباً ما، تتمناه أن يكون رفيق رحلتك، فإيطاليا وجدت دائماً للقسمة على قلبين، وقليلة هي البلاد التي قد تشعرك بذلك، هل أقول فلسطين أيضاً، سأقول فلسطين أيضاً.
وفي إيطاليا ليس ثمة مسافة بين خفقة أجنحة الحمام في الساحات العامة، وبين رفيف أجنحة قلبك.
بلاد تدعوك للرقص، ولن تتردد، مهما كان التكلس قد كبّل قدميك؛ وتدعوك للحب حتى وأنت على يقين من أن قلبك يعيش في المنفى منذ سنوات لا عدد لها، بعيداً عنك؛ وتدعوك لاكتشاف عينيك من جديد، حين تكتشف أنهما عاشتا جائعتين بدون أن تنتبها، أو تنتبه، وأنت تلقي بهما في بحر جمال يخفق من شمالها إلى جنوبها.
ستكتشف سرّ ولع السينما بها، وولع الشعر والفن بها، وولع الأدب بها، بشمسها وهوائها ونسائها وامتدادات حقول زيتونها وكرومها.
وفي إيطاليا ستكتشف حكايات حب إيطالية كثيرة، ولدت وكبرت، أمام الحواجز العسكرية الصهيونية، لأولئك المتضامنين مع فلسطين، الذين يأتون لتقديم الدعم بكل أشكاله لفلسطين وشعبها، وفي إيطاليا ستسمع نواباً على وشك الانفجار، فعلاً، لا مجازاً، وهم يتحدثون عن ذلك الإذلال اليومي الذي تمارسه الفاشية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، في كل بقعة من فلسطين.
وفي إيطاليا، ستكتشف أن الناس تبكي وهي تسمع قصائدنا، كما لا يبكي بشر في أي مكان آخر.
تقرأ وترى الناس تبكي، ولا تعرف هل تبكي تأثراً بترجمة القصيدة الأولى التي سمعتها، أم تأثراً بإيقاع القصيدة التي لم تحن ترجمتها بعد.
لقد قرأتَ في مدن كثيرة في هذا العالم، ولكن لم يسبق لك أن رأيتَ أناساً ينهارون بكاء بسبب قصيدة، أناساً لهم حضورهم الثقافي والاجتماعي المؤثر، أناساً ناضجين تماماً، أناساً رأوا الكثير من الأهوال في حياتهم الطويلة، أناساً بلا أقنعة، بل لا يكرهون شيئاً كالأقنعة، يتركون أرواحهم حرة كما ولدت، وصافية، ترحل مع الشعر حيثما رحل، وتبكي على أطفالنا، كما لو أنها تراهم يذبحون.
كل عام تزورها، مدعوًّا، مرة أو مرتين، ولكنك تكتشف صدقاً مختلفاً، مثل ذلك الذي يبديه طلبة بعد الأمسية، إذ يدعونك للبقاء قليلاً، وتكتشف في النهاية أنهم شكلوا طابوراً طويلاً، ليوقّع أكثر من مائتي طالبة وطالب وثيقة! يتعهدون فيها لك، ولشعبك: تأكد أننا معكم، ولن نسمح بأن يكون الشعب الفلسطيني وحيداً. ومن هؤلاء الطلبة، إلى مديرة مدرسة جلست لتقدمكَ، وما إن وصل الحوار للحواجز الصهيونية، وعدد أطفالنا الأسرى في سجونهم، والذين سجنوا من قبل، والذين استشهدوا، والحياة التي قد تكون الثمن الذي تدفعه طالبة صغيرة أو طالب، في المسافة الممتدة بين تلويحة الأم لهما، بيدها وقلبها، حتى وصولهما لمقعدهما المدرسي؛ وحين تتحدث عن الأمهات اللواتي يفقدن أطفالهن على الحواجز. تسمعك المديرة وتبكي كأنها طفلة على صدر أمها من دون أن تحس بأي حرج أمام مئات من أعين طلبتها الذين تابعوا اللقاء، ببساطة من يعرفون أن البشر بحاجة إلى كل شيء في موقف كهذا إلا الأقنعة.
في إيطاليا، وكما حدث منذ أسابيع قليلة، يترك رئيس البلدية الانتخابات الدائرة، ويأتي إلى الأمسية الشعرية، وهو المرشح، ليحضر الأمسية ويعلن تضامنه مع فلسطين، وشعبها، وتضامنه مع تلك الإيطالية المتضامنة مع فلسطين، التي تخوض الانتخابات، وتواجه بأقبح هجوم ضدها من الصهاينة، لا لشيء، إلا لأنها مع فلسطين، وحرية فلسطين، وشعب فلسطين؛ لأنها مع العدالة، وحق البشر في طفولتهم، وحق الأمهات في أبنائهن، وضد قانون الغطرسة الذي يمنح البنادق الصهيونية الحق في دمهم، ويمنح الجرافة الحق في سحق البيوت وإعدام الأشجار، وحق الكلاب في نهش اللحم الفلسطيني كما تريد، بحريّة، الكلاب التي تخرَّجت من مدارس القتل، مدارس القتلة.
في إيطاليا تستعيد نفسك، وأنت تكتشف تلك المنزلة العالية التي تتربع عليها فلسطين في قلوب أحفاد دافينشي، وبيراندلو، وغرامشي، ودينو بوتزاتي، ومايكل آنجلو، وفلنيني، وبازوليني، وتورناتوري، وفيسكونتي….
وبعد:
في تلكَ المدينةِ الطيبةِ البعيدة
في ساحةٍ مليئةٍ بالعشبْ
كلُّ الأشياء كانت تغني
وكان الناسُ يرقصون
قال: اذهبْ واطلبِ المهرةَ للرقص
كنت خجولاً
قال: إذا خسرَ الشعراءُ
لن يربحَ العالمْ
إبراهيم نصر الله
أخي إبراهيم نصرالله،تحية صباح ومساء.
أنت،على ضفة شمالالمتوسط ،كما جنوبه ،آناس ﻻ،يحتاجون أقنعة،بساطة وطيبة وعفوية، مثال،اليونان وإسبانيا لم تعترف بغزاة
فلسطين،إﻻ بعد إعتراف العرب ،صدق أو ﻻ تصدق ،في حين يتحايل البعض اليوم من تحت الطاولة وفوقها لمصافحة أيدي ملطخة بالدماء، هل هذا مؤشر موجة قادمة ،ينتصر فيها اﻹنساني على ما قبله ? في قارة دفعت 60 مليون ضحايا لحربين
عالميتن آكلت اﻷخضر واليابس ،وهي اليوم تصنع تجربة جديدة على مستوى العالم ،رغم تفلت بعض دعاة الكراهية والعنصرية.
ماذا لو إستعاد العرب ،في ربيعهم ،حقيقتهم المسلوبة كرامة وحرية وحقوق عفية فاعلة ومؤثرة في صنع إرادتها ومستقبلها?
هولاء الناس ما زالت فيهم فطرة سليمة يتاثرون لماسي الاخرين ويستهجنون الظلم والعدوان لانه لم يتم استبلادهم بالقهر والاستعباد كما الحال في البلاد العربية حيث التسلط والحكم الفردي اصاب بالشلل حتي عواطف الناس . ولو تحركت مشاعرهم فلا يقوون علي التعبير عنها من شدة فرقهم من طغيان السلطة. هذه الخيرة التي لا تدري من فرط غباءها ان قوتها تكمن في تمكين شعوبها من ادوات ممارسة الحرية واشراكها في تدبير الشان العام.
أنا أعيش في إيطاليا, لا أوافق على غالبية هذا النص المفعم بالعاطفية والرومانسية كعادتنا نحن العرب. العاطفية والرومانسية لا يطعمان خبزاً. الطليان مثلهم مثل أي شعب أوروبي اللهم باستثناء أهل صقلية التي فعلاً ينطبق عليهم بعض هذا الكلام الذي في المقال فهم أنصاف عرب كما يقولون عن أنفسهم. لا تنسى يا إبراهيم أن رئيس الوزراء ورئيس الدولة كلاهما من أشد الداعمين للكيان الصهيوني ومنذ بضعة أيام كان المجرم النتن ياهووه في روما. الطليان عن جد مجانين وهم يستعلمون كلمة ” كرزي” كثيراً وفيهم الصالح والطالح. في الواقع في بلادنا مثل يقول ” كل الحق عالطليان!” ولا أدري لماذا الطليان ولكن بدأت أفهم معناه بعد أن عشت في إيطاليا. هل تعلم أن بعض الطيارين رفضوا الطيران خلال مباراتهم مع السويد – وكنت في المطار وقتها- هل تصدق ذلك, بالفعل كل الحق عالطليان؟!
رائع … كأني أقرأ احد كتبك … لكنه كتاب كبير بصفحات وكلمات قليلة … وبنفس الوقت ممتع .