في وداع شيخٍ صادق

تزدحم المشاعر وتختلط وتتشابك التوصيفات حتى لا يكاد المرء يجد ما يصلح لوصف هذا الرجل الذي رحل عن دنيانا قبل أيام. تعريفه بأنه أحد الرموز المؤسسة لجماعة «الإخوان المسلمين» في السودان يبدو قاصراً ومخلاً، فبرغم أن الرجل ظل وفياً حتى آخر أيامه لهذه الجماعة التي التقى مؤسسها وبايعه في مصر إبان إقامته هناك حين كان طالباً، إلا أن الرجل، كما يوصف من قبل كثيرين، كان أكبر من هذه الجماعة، بل أكبر من كل جماعة وتنظيم.
أتحدث هنا عن شيخ صادق عبد الله عبد الماجد الذي كان مختلفاً عن غيره من «الإسلاميين» في كل شيء. لم يكن مثل كثيرين مهووساً بالتحشيد والتجنيد وضم أكبر عدد من الناس والشباب للجماعة. كان بإمكانك أن تقابله لمرات وأن تجلس معه وتحاوره فيتحدث معك في مئة موضوع لا يكون من بينها الترويج لجماعة أو اتجاه، بما فيها جماعته.
لم يكن الإسلام الذي يحدثك عنه شيخ صادق منفصلاً عن الواقع أو مجرد نظريات لا علاقة لها بدقائق الحياة، بل كان يركز، وسواء في هذا من خلال أحاديثه أو مقالاته، على ما يمس الناس. كان شيخ صادق يولي اهتماماً كبيراً لقضايا تربية الشباب ومعالجة مشاكلهم وعلى نصحهم ومنعهم بشتى السبل من الانحراف سواء في ذلك الانحراف الأخلاقي أو الانحراف المقابل تجاه التشدد أو التطرف أو الإلحاد.
لم يرزق الشيخ بأبناء، لكن منزله كان مفتوحاً لأبنائه من الطلاب الذين كان بعضهم يسكن معه لفترات قصيرة أو طويلة مستفيداً من القرب من الشيخ ومن مكتبته المفتوحة ومناقشاته مع ضيوفه ومساهماً في قضاء حاجاته التي كان يصعب عليه قضاؤها وحيداً خاصة في سنواته الأخيرة مع مرضه وكبر سنه.
على ذكر موضوع المنزل، ربما كان القارئ يظن أن المقصود هو بيت كبير وفاخر وشبيه ببيوت رموز «الإسلاميين» التي يعرفونها في السودان، أو على الأقل بيوت الآخرين من الفاعلين في الساحة السياسة والذين يمتزج عندهم الدور السياسي بالاقتراب من السلطة والحصول على بعض الثروة. هذا الخيال ينتفي بمجرد اقترابك من ذلك المنزل المتواضع داخل أحد الأحياء الشعبية في مدينة «شمبات» وسوف ينتفي أكثر لو سنحت لك فرصة مقابلة ذلك الرجل الذي سيدهشك بتواضعه وبساطته وطريقة حديثه اللطيفة التي تزيل عن قلبك كل الأسوار وتجعلك تحس بالارتياح والرغبة في مواصلة الاستماع لما يقوله ويسرده رغم أنه سيقول لك في النهاية، ومهما كانت أراؤك وخبرتك في الحياة متواضعة، أنه استفاد كثيراً منك ومن أفكارك وأن من المهم أن تعود لزيارته وأن لا تحرمه من هذه الفوائد.
لأجل هذا كان بيت شيخ صادق هو المكان المفضل لكثير من طلبة الجامعات مع اختلاف اتجاهاتهم، فالبيت مفتوح والجلوس مع الشيخ لا يحتاج لمواعيد مسبقة أو إذن من السكرتارية، بل يكفي أن تأتي وتدق الباب وتدخل وأن تنتظر عودته إذا لم يكن موجوداً وإذا كان هناك مكان في غرفة الضيف فإن بإمكانك البقاء هناك حتى الصباح.
كان هذا الربط بين ما هو دعوي وما هو اجتماعي هو سر ذلك القبول الذي وجده الشيخ في حياته من قبل كثيرين أغلبهم من خارج إطار الجماعة، بل من خارج الوسط الإسلامي، فقد كان حديث الشيخ يمس أوتاراً مهمة لا يكاد يختلف عليها أحد، كالوتر الوطني وكيفية العودة بالسودان لسابق عهده حينما كان بلداً متقدماً على غيره وسباقاً في قضايا الثقافة والتطور المدني، وكالموضوعات المتعلقة بالتعليم والصحة وأولوية مكافحة الفساد ومعنى الماسونية التي كانت مصطلحاً جديداً وغير معروف بشكل كبير حينما بدأ الشيخ بالحديث عنها.
من الصفات المهمة التي تميز بها الشيخ والتي يجب ذكرها هنا لعل دعاة هذا الزمان يستفيدون منها هي أنه لم يكن منشغلاً بانتقاد الجماعات الدعوية الأخرى أو العاملين الآخرين في المجال الإسلامي، فلم يكن يضع ما يسمى في بعض أعراف الجماعات اليوم بالتصفية أو «الجرح والتعديل» على رأس أولويات عمله إلا إذا جاء ذلك في سياق حديث أو بذل رأي على هامش فكرة ما، أما أن يخصص وقتاً ومؤلفات ومحاضرات من أجل بيان خطأ قيادي ما أو جماعة فهذا مما لا يمكن أن نجده عنده وهو ما يعود لما ذكرناه آنفاً من كونه لا يعمل بنظرية «التسويق التجاري» التي تخبرك أن بضاعتنا هي الأجود والأكثر أصالة وأن بضائع الآخرين هي فاسدة أو أقل في جودتها. كان ما يهمه هو تحسين السلوك والأخلاق والانشغال بالتربية والاهتمام بالعبادات وتعميق روح التدين، وليس الانشغال بكسب مزيد من الأتباع والمؤيدين.
كان الشيخ كذلك متوازناً، فلم تكن أخلاقه العالية وحياؤه يمنعانه من المجاهرة بقول الحق وتبيان الباطل في المواقف التي يكون فيها السكوت غير مقبول، وكم دفع ثمن مواقفه تلك غالياً بسنوات من عمره قضاها بين السجن والنفي والإقصاء.
قال الداعية المعروف عبد الحي يوسف في رثائه إنه «كان يدعو إلى الله تعالى بلسان حاله قبل مقاله، وبالقدوة الحسنة قبل الموعظة الحسنة؛ فكان يترك أثرا صالحاً في نفس من خالطه أو جالسه أو صاحبه».
كلمات بليغة ولها مدلولها، خاصة في هذا الزمن الذي تحول فيه العمل الإسلامي، في كثير من أمثلته، لمجرد وسيلة للوجاهة أو الكسب السياسي أو المادي.
رحم الله شيخ صادق عبد الله وألهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.
كاتب سوداني

في وداع شيخٍ صادق

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية