لا أحد يعلم كل شيء

كنت ما زلت حينها طالباً في الجامعة حينما دخلت على أستاذ اللسانيات السوداني الأمين أبو منقة حاملاً معي مسألة لغوية. ما حدث هو أن ذلك العالم الجليل أجابني ببساطة قائلاً إنه لا يعرف الإجابة. نظر بعدها إليّ وكأنه يعلم الافتراض الذي كان يدور في ذهني، والذي مفاده أن هذه المسألة لا يمكن أن تكون غائبة عن مثله وسرعان ما ابتسم قائلاً لي وكأنه يجيب على أفكاري: «لا تصدق أن بإمكان أحد أن يعلم كل شيء».
لم تقدم لي هذه الإجابة بطبيعة الحال حلاً لمسألتي اللغوية الصغيرة التي كنت أحملها، ولكنها فتحت لي أبواباً كثيرة من الناحية المعرفية، فالأمر لا يتعلق فقط بالموافقة أو رفض الإجابة عن سؤال معين كما نتصور، ولكن هناك احتمالاً ثالثاً يظل موجوداً دائماً وهو، أن ذلك المُساءل أو المسؤول قد يكون جاهلاً بالإجابة عما سئل عنه، فلا أحد يمكن أن يؤتى كل العلم. من ناحية أخرى، فإن الإجابة بلا أعلم أو لا أدري لا تنقص من قدر أو مكانة أي شخص، بل إنها وفي جميع الأحوال أفضل من الإفتاء بغير علم والتنظير بلا هدى.
لكن مثل هذه المواقف لا تتكرر كثيراً في حياتنا، رغم إدراكنا أن الكبار في تاريخنا كانوا لا يتحرجون من قول لا أدري في المسائل التي لم يكونوا متأكدين منها، بل إن الإمام مالك نفسه والمعروف بمكانته في الإفتاء لدرجة ترديدنا عبارة «لا يفتى ومالك في المدينة» كان لا يتحرج من قول لا أدري، أو قول «إنني لا أحسن هذه المسألة» على حد ما نقل عنه وورد في سيرته وأخباره.
أما اليوم فنحن نعيش في عصر استسهال الفتوى. لا أعني فقط أن كثيرين ظهروا متبرعين بتقديم الفتاوى الدينية على المنابر والمنصات الإعلامية، وهي ظاهرة موجودة ولا شك، ولكنني أعني أن الأمر يمتد لما هو أكثر من ذلك، ليشمل التنظير في جميع المجالات، فبإمكان دارس الإنسانيات أن ينظّر في الهندسة، كما أن بإمكان دارس الهندسة أن ينظر في الطب، في حين يجتمع الجميع على التنظير والفتوى في مجالات السياسة أو الاقتصاد، أو ما ارتبط بهما أو بغيرهما من قضايا.
لنأخذ مثالاً ما يحدث إبان الهجمات الإرهابية، في تلك اللحظات العصيبة وفي الوقت الذي ينتظر فيه الإعلام الغربي وضوح المشهد وتتبع بصمات الجريمة يسارع أهل الإفتاء عندنا بتوجيه أصابع الاتهام والتعامل مع الفرضيات التي تحتمل الخطأ والصواب على أنها حقيقة، بل أكثر من ذلك يسارع كثيرون إلى الإدانة والضغط في سبيل القيام بإجراءات ضد هذه الجهة أو تلك. في مقابل ذلك نكتشف أن الشرطة والأجهزة الأمنية في الدول الغربية لا تتحرج من إعلان أنها لا تعلم تفاصيل ما جرى. المسؤولون هناك لا يستجيبون للضغط وهم في كثير من الحالات لا يفعلون سوى ممارسة حقهم في رفض التعليق، انتظاراً لما تسفر عنه التحقيقات والشواهد. لا يعتبر إعلان الجهل هنا فضيحة، فليس المطلوب من المسؤول أن يكون محيطاً بكل شيء وعالماً بالغيب. الفضيحة الحقيقية هي حين يتم تبني إحدى الفرضيات بشكل رسمي وقبل تبيّن الوقائع ثم يكتشف بعد ساعات أو أيام أنها مخالفة بشكل تام لما حدث فعلاً، وأنها لم تكن سوى من نسج خيال المؤلف الذي لا يمت للواقع بصلة.
أحد الأصدقاء من المتخصصين في العلاقات الدولية، وممن لهم إسهامات مقدرة في هذا المجال يشكو من مطاردة عدد من الصحافيين له ومطالبتهم إياه بالتعليق على موضوع سد النهضة الإثيوبي، الذي يعتبر بالنسبة للكثيرين في المنطقة قضية أساسية ومحورية. فشل هذا الصديق في تبيان الفكرة البسيطة التي مفادها أن هذا الموضوع يقع خارج نطاق تخصصه، وأنه لا يملك حوله معلومات تؤهله للتحليل والتقييم، وأن ما يعتبره هؤلاء الصحافيون والمحررون إجابات سهلة عن أسئلة قصيرة تتمحور حول المستفيد من قيام السد، وما إذا كان يحمل أي آثار سلبية عند أو بعد إنشائه لهذه الدولة أو تلك، أن كل ذلك ليس في الواقع سوى أسئلة معقدة تحتاج لحكم خبير محنك.
سد النهضة مثال جيد للملف الشائك الذي يختلط فيه ما هو أكاديمي بما هو سياسي. في الغالب كان ذلك المحرّر الذي يلاحق هذا الصديق يهدف للضغط عليه من أجل تقديم إفادات تخدم وجهة نظر المنبر الذي يتبع له، والذي ينحاز في الغالب، لأسباب سياسية أو عاطفية، ضد أو مع رؤية هذا الطرف أو ذاك.
لماذا يرفض كثير من الخبراء الإجابة عن مثل هذا السؤال؟ وهل تعد الحساسية السياسية السبب الوحيد لذلك؟ الحساسية السياسية والخشية من أن يحسب الخبير على أحد الأطراف واردة ولا شك، فهناك الكثير من التجاذبات في المنطقة والكثير من الماء العكر الذي يجذب الفاشل من الصيادين. في مثل هذه الظروف يصبح من الصعب إقناع السياسيين المتشددين أو الإعلاميين المتشنجين بأن الآراء المقدمة هي مجرد وجهات نظر فنية أو علمية، لا علاقة لها بكل تلك الحساسيات والتجاذبات.
مع قناعتنا بكل ذلك فإننا نعود للقول بأن ما سبق ليس في أي حال السبب الوحيد، فبعيداً عن الجدليات السياسية والأيديولوجية قد يعود السبب في رفض التطرق لموضوع معين لعدم الإلمام بإجابته. من السهل طبعاً ترديد العبارات الشائعة أو الشعبوية التي تأخذ ثوباً علمياً، والتي تلاقي الكثير من القبول والصدى، لكن الفقراء فقط من المتخصصين يرضون أن يكونوا أبواقاً تردد ما هو شائع أو ما هو مقبول.
أهمية الموضوع أيضاً نسبية، فكون موضوع ما أصبح ذا أهمية إعلامية أو سياسية أو قضية من قضايا الرأي العام، هذا لا يجعلها على القدر ذاته من الأهمية بالنسبة للجميع، ولا يجعل من الواجب على كل من هب ودب أن يخوض فيها بغض النظر عما يملك حولها من معلومات.
الصورة تصبح أكثر قتامة حينما يملأ السطحيون الدنيا صراخاً وضجيجاً مساهمين في تكثير وتعميق الفوضى التي تجرف الكثير من الحقائق في طريقها والتي يكون أول ضحاياها هم أولئك الذين يحاولون شق طريق منهجي وتقديم طروحات موضوعية.
كاتب سوداني

لا أحد يعلم كل شيء

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود:

    الوحيد الذي يعلم بكل شيئ هو من خلق كل شيئ وهو الله الخالق سبحانه وتعالى – ولا حول ولا قوة الا بالله

اشترك في قائمتنا البريدية