لعبة «الأغلبية الحكومية» في المغرب

في السياسة في المغرب ثمة ورقة مهمة في صناعة التوازنات كما في تعديلها، في بناء التوافقات كما في استعادة السلطوية للمبادرة، ورقة اسمها الأغلبية الحكومية.
ملخصها: تقطيع انتخابي تحتل فيه المدينة – منبت السياسة ومصدرها – موقعا هامشيا بالمقارنة مع البادية (الأرياف)، ونظام انتخابي، لا يضمن لأي حزب – خرج من رحم الشعب بعيدا عن الإدارة والسلطة – أن ينال الأغلبية، وحكومة لا تتشكل، مهما كان الحزب المتصدر للانتخابات – وطنيا أو ديمقراطيا أو إسلاميا – دون الأحزاب التي تمثل تجلي الدولة في الحكومة.
تبدأ قصة السياسة في المغرب بالبحث عن الأغلبية، فلا يفتأ الحزب المتصدر للانتخابات ينتشي بانتصاره، حتى يدخل في دينامية تفاوضية تلزمه تكتيكات النخب المطلوبة للتحالف لتشكيل الحكومة بترك نتائج الانتخابات جانبا، والتنازل عن القطاعات الماسكة بمراكز الثروة والسلطة والإيديولوجيا، وصناعة توافق على قاعدة أن العائد الانتخابي – بسبب لعبة الأغلبية – يسمح لك فقط بالتطبيع السياسي مع الدولة، وخوض معركة نيل الثقة، والإمساك ببعض القطاعات تحت وابل من الضغط والطرق الإعلامي الكثيف، حتى إذا تشكلت الأغلبية، ونالت الحكومة الثقة، تبدأ مكونات الأغلبية في معركة إنهاك المتصدر للانتخابات، وممارسة المعارضة من الداخل للتمهيد لتعديل حكومي أو إخراج حزب وإدخال آخر، يتم من خلاله تعديل موازين القوى لغير فائدة متصدر الانتخابات.
حدث هذا مع حكومة عبد الرحمان اليوسفي، التي لعب فيها بعض الحلفاء دورا في إجهاض تجربة التناوب من الداخل، فحصل تعديل حكومي سنة 2000 وصف بأنه تقني، لكنه في الجوهر أخرج بعض الرموز الوطنية، وأطلق صافرة الإجهاز على حكومة التناوب التي انتهت عمليا سنة 2002.
وحصل الشيء نفسه مع حكومة عباس الفاسي، في سنة 2009، بدخول حزب الحركة الشعبية إلى حكومته، بعد أن كان التجمع الوطني للأحرار حليفا لأحزاب الكتلة في حكومته الأولى، وصارت حكومته بعد ذلك تضم حزبين من أحزاب الإدارة.
صحيح أن حكومة بنكيران، لم تتعب كثيرا في جمع أغلبيتها، وتكونت من أقل تركيبة حزبية عرفها التاريخ السياسي المغربي منذ البدء في المسلسل الديمقراطي، وخرجت، بسبب ضغط الاستقرار السياسي والاجتماعي، عن قاعدة الصناعة، بدخول حزب وحيد محسوب على الإدارة إلى جانب مكونين من مكونات الكتلة الديمقراطية، لكن ذلك لم يطل، إذ سرعان ما تحركت ورقة الأغلبية الحكومية، وقام حزب الاستقلال بقيادة حميد شباط بدور – لفت فيما بعد إلى بعض خلفياته- في مساعدة السلطوية على استعادة المبادرة، من خلال التمهيد لتعديل حكومي قاس، استمرت فيه المفاوضات لأزيد من ثمانية أشهر، نتج عنها إزاحة الحزب المتصدر للانتخابات من بعض المواقع، وإدخال حزب إداري جديد للتوليفة الحكومية مقابل إخراج حزب وطني تواطأت قيادته وقتها مع تكتيكات السلطوية لإحداث تعديل في موازين القوى.
حكومة بنكيران الثالثة (2016)، التي لم تر النور، وانتهت إلى إعفائه، لعبت ورقة الأغلبية الدور الحاسم في ترتيب هذه النتيجة. في البدء تمت مماطلة رئيس الحكومة في الاستجابة لبدء المشاورات، بحجة الاستحقاقات التنظيمية لحزب الأحرار، وتفاجأ المشهد السياسي برهن الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، والاتحاد الاشتراكي مصيرها بمصير حزب الأحرار المقرب من الدولة، حتى إذا انتهت هذه الاستحقاقات، وتصدر عزيز أخنوش رئاسة الأحرار، مارس هذا الرباعي ضغطا على بنكيران، بدأ بتكتيك إخراج حزب الاستقلال، وأعقبه بتكتيك توسيع مكونات الأغلبية بحجة الحاجة لأغلبية عددية مريحة، والحاجة لمساهمات أحزاب لها دورها في الدفاع عن القضية الوطنية، لينتهي الأمر بعد رفض بنكيران الاستجابة لهذا التكتيك بالإعفاء من مهمته كرئيس للحكومة.
مع الدكتور سعد الدين العثماني، وبعد أن قبل في حكومته هذه الفسيفساء الواسعة التي تجعله يسبح في بحر الرباعي، تحركت مرة أخرى لعبة الأغلبية، فصار عزيز أخنوش، الذي أسندت إليه وزارة الفلاحة، يتحدث عن امتلاكه لمشروع لأزمة التعليم والصحة في المغرب، ويتطاول على موقع رئيس الحكومة، وعلى صلاحيات وزراء آخرين، ويتحدث في زمن غير انتخابي عن فوز حزبه المرتقب في انتخابات 2021، ويتكلف مقربون جدا من الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي (يونس مجاهد) بكتابة مقالات تحمل تهما ثقيلة لحزب رئيس الحكومة وبعض حلفائه من القوى الديمقراطية.
لعبة فهم من تكتيكاتها أن زمن حكومة العثماني ربما لن يمتد إلى 2021، وأن هناك استباقا للزمن من أجل إجراء الاستحقاق الانتخابي قبل أن تحدث متغيرات تدخل الدفء على جسد حزب العدالة والتنمية الذي أنهكه تشكيل الحكومة وتداعياتها على الداخل الحزبي.
بنكيران، ربما كان أسرع إلى فهم هذه التكتيكات، ولذلك، بادر لإعادة الروح لحزبه، بتصريحات توجه فيها بشكل مباشر إلى زعامة الأحرار، محاولا بعث رسالة سياسية، مضمونها أن المعركة الانتخابية لإسقاط عزيز أخنوش، ستكون أيسر بكثير من معركة إسقاط قيادة الأصالة والمعاصرة، ذلك أن عطب قيادة الأحرار هو الجمع بين المال والسلطة، وهو العنوان السياسي، الذي يمكن أن ينسف كل السيناريو الذي يتم الاشتغال عليه بوتيرة سريعة لإنهاء تجربة العدالة والتنمية.
مرة أخرى، يتم استعمال ورقة الأغلبية الحكومية لاحتواء هذه التصريحات، من خلال التوقيع على ميثاقها الذي تحنط لمدة عشرة أشهر، ولم يكن هناك أدنى مؤشر يرجح قرب إخراجه، بل كل شيء كان يسير في اتجاه معاكس، حتى أن رئيس الحكومة، المعروف بهدوئه واعتداله ومرونته الشديدة، خرج على غير عادته، في خطاب قوي نسبيا، في مؤتمر شبيبة حزبه، للجواب عن حليفه في الأغلبية الحكومية، والتأكيد على غراره بأن حزبه سيفوز في الانتخابات سنة 2021. بعد أيام من تصريحات بنكيران ينسى الجميع تصريحات أخنوش وجولاته الانتخابية، كما ولو أنه لم يتطاول يوما على موقع رئاسة الحكومة، ولا على صلاحيات وزراء خارج قواعد اللياقة الحكومية. ينسى الجميع ذلك، ويتداعون لالتقاط صورة جماعية، تظهر تماسك الأغلبية الحكومية في مشهد يكشف أشكالا أخرى للعب بورقة الأغلبية الحكومية.

٭ كاتب وباحث مغربي

لعبة «الأغلبية الحكومية» في المغرب

بلال التليدي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبد الكريم البيضاوي.:

    قبل الخوض في أي كلام عن الأحزاب السياسية المغربية يجب التحدث أولا عن : هل لهذه الأحزاب برامج ومطالب سياسية واضحة تسعى تطبيقها في حال فوزها, كما الحال لدى الأحزاب السياسية الأوروبية مثلا ؟ بالطبع لا وجود لذلك إطلاقا ؟ إذن مالفائدة ؟ أهل كانت هناك سياسة بنكيران تختلف عن زميله عباس الفاسي وحزب الإستقلال ومن سبقه ؟ برأيي لا.
    للأسف , سياسة تقاسم الغنائم لعبة يلعبها الكثيرون والناس على دراية واسعة بالموضوع.

اشترك في قائمتنا البريدية