ماذا يقترح المتحذلقون والساخرون؟

حجم الخط
4

لا يمكن أن تلوم البعض عندما يصابون بخيبة الأمل والشعور باليأس أمام الأوضاع المأساوية المفجعة المجنونة التي يعيشها وطنهم العربي، بل نتفهم عندما تقود تلك الخيبات البعض إلى الرغبة في اعتزال حياتهم العامة والانكفاء داخل قوقعة الحياة الخاصة. فالمصائب والانتكاسات كثيرة، والآلام عميقة لا تطاق، ثم إن الشعور بضياع الجهود وبعقم التضحيات التي بذلوها طيلة حياتهم في سبيل الصالح العام يولد عند البعض مشاعر الشماتة والرغبة في الانتقام.
النتيجة هي انقلاب هؤلاء من مثقفين ومناضلين ملتزمين بقضايا أمتهم إلى متحذلقين وساخرين مستخفين بكل شعار وفكر وممارسة، يتمسك بهم القابضون على الجمر، والمصرون على ألا يموتوا إلا وهم واقفون ومرفوعو الرأس. ولكن، هل حقا أن الوصول إلى تلك الحالة من اليأس والشعور بأن الأحزاب والحكومات والجيوش قد خذلتهم يستدعي الكفر بكل شيء؟ فالنضال من أجل أي نوع من الوحدة العربية، سواء أكانت جزئية أو شاملة، هو مراهقة سياسية يجب أن نخرج منها. والحديث عن الفكر الاشتراكي هو هذر طوباوي تخطاه الزمن وأثبتت استحالة تحقيقه في الواقع تجربة الاتحاد السوفييتي السابق، عبر سبعين سنة من المحاولات.
أما رفض ومقاومة الوجود الصهيوني الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، فهو نوع من العبث الطفولي العاجز في السياسة، الذي يجهل كيف يتعامل مع الواقع الدولي، ويتعامى عن رؤية الإمكانيات الصهيونية التكنولوجية والسياسية والعسكرية الهائلة المدعومة من دولة عظمى. وأما المطالبة بالاستقلال القومي وحرية الأوطان ورفض التدخلات الأجنبية وهيمنتها على مفاصل الحياة العربية، فإنه دليل على الجهل بمتطلبات العولمة الاقتصادية وتعقيدات تشابك المصالح المتبادلة بين الدول.
إنه إذن رفض لكل أفكار وشعارات وأهداف كل الأيديولوجيات التي طرحت على نطاق عربي واسع خلال القرن العشرين، سواء أكانت الأيديولوجية القومية العربية بشتى تنظيماتها السياسية، أم كانت الإسلامية السياسية بمختلف طروحاتها، أم كانت الماركسية بكل أنواع مسمياتها، أم حتى الليبرالية الكلاسيكية التي تزيحها بقوة وإصرار النيوليبرالية البراغماتية العولمية التي تجتاح عالمنا وعصرنا الحالي. إن الرفض لكل فكر أيديولوجي شامل، حتى ولو كان متماسكا، والانتقال إلى التعامل مع ما تأتي به الأيام بصور تجزيئية لا ترابط بينها، والانصياع لحقائق الواقع بدون موازين قيمية وسياسية أو وطنية أو قومية، هو الذي تطالب تلك الجماعات بممارسته، وتعتبره دليلا على انتقالنا إلى العقلانية والنضج السياسي. حسنا، هذا هو منطقهم، فلنسأل عن معاني ونتائج ذلك المنطق.
أولاَ، نحن نفترض أنهم يتكلمون بصفتهم أصحاب معرفة وثقافة، فما هي صفات ومهمات المثقفين عبر التاريخ الإنساني كله؟ هذا موضوع كبير وواسع، ولكن يمكن اختصاره في أن المثقفين عبّروا دوما عن ضمير المجتمع، واندمجوا فكرا وممارسة في قضايا المصير العام، وهيأوا المجتمعات للقبول بالتغيرات المجتمعية الكبرى، من خلال لعب أدوار المجددين الفكريين والمصلحين الاجتماعيين في آن، ولعبوا كلما تطلب الأمر، أدوار حاملي المعرفة والدعاة والمناضلين، وانتهى بعضهم إلى تحمل مرارات التهميش والسجون أو حتى الشهادة. فهل تستطيع جماعة المتحذلقين والساخرين من ثوابت الأمة وأحلامها، والداعين إلى استسلامها لقدرها ولجلاديها ولمستبيحي ثرواتها، أن تدعي بأنها تتكلم كجماعة مثقفة، إذ هل تنطبق عليهم أي من تلك الصفات ويلتزمون بأي من تلك المسؤوليات؟ فاذا كانت صفة المثقف لا تنطبق عليهم، فبأي صفة يتحدثون؟ وهل نلام إن بدأنا نشم في أقوالهم ومواقفهم رائحة خدمة هذه الجهة الأجنبية أو تلك السلطة المحلية؟
ثانيا، لنفترض حسن النية ولنعذر الضعف الإنساني في هؤلاء، ولنطرح السؤال التالي: ما الذي يقترحونه بديلا عن تلك الثوابت في الأيديولوجيات العربية المختلفة؟ هل يقترحون القبول بتجزئة الأمة العربية الحالي إلى دويلات ودول عاجزة أو متناحرة أو محتلة أو فقيرة؟ هل حقا أن التفكير في نوع اتحادي عملي ومعقول وتدرجي هو ممارسة للمراهقة السياسية؟ ألا يرون ان العالم كله يتجه إلى تكوين تكتلات اقتصادية أو سياسية أو أمنية قادرة على السباحة في بحار العالم الحالي الهائجة والمليئة بكل أنواع الأخطار؟ هل أن المناداة بنظام عدالة اجتماعية تقود إلى توزيع عادل للثروة، وبناء للكرامة الإنسانية في كل مواطن، وتوسيع أكبر للطبقة المتوسطة، وقضاء على الفقر المدقع، هي حديث عن أفكار بالية ما عادت صالحة لعصرنا العولمي الرأسمالي المتوحش؟ هل يريدون التضحية بحقوق وأحلام وتطلعات مشروعة لاثني عشر مليون فلسطيني عربي باسم الواقعية السياسية في التعامل مع الفكر والممارسات والجرائم الصهيونية؟ وماذا عن مشروع إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل؟ هل سيقبلونه بدون مقاومة له ولحامليه وداعميه؟ ما الذي يقترحونه لإيقاف التدخلات والاحتلالات والابتزازات والنهب للثروات التي تمارسها القوى الاستعمارية بحق الوطن العربي كله؟ هل يرضيهم انتقال الحل والعقد لكل قضية عربية إلى يد الآخرين، وموت الجامعة العربية البطيء، وتمزيق كل تجمع إقليمي عربي؟ ما الذي يقترحونه لمواجهة هذا الوضع المأساوي في حياة كل العرب؟
لن نقبل بسماع قهقهات هؤلاء المتحذلقين ولعبهم بالنار، واستخفافهم بكل ثوابت مطروحة لإخراج هذه الأمة من تخلفها التاريخي، ومن ضعفها المذل وهي تنتظر الموت. إذا كانت لديهم أفكار أفضل، تحمي هذه الأمة وتخرجها من الجحيم الذي تعيشه، فليقدمونها، وإلا فليسكتوا وليدعوا الآخرين ليقبضوا على الجمر. ما يوجع القلب أننا أصبحنا نعيش في عصر عربي لا يتصف بتواضع مثقفيه، وإنما بصلف بعضهم إلى حدود الجنون والانتحار.
كاتب بحريني

ماذا يقترح المتحذلقون والساخرون؟

د. علي محمد فخرو

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول رجا فرنجية - كندا:

    الشكر والتحية للدكتور علي محمد فخرو على مقاله اليوم الذي يفند به واقع حالنا المؤلم. نعم: “لن نقبل بسماع قهقهات هؤلاء المتحذلقين ولعبهم بالنار، واستخفافهم بكل ثوابت مطروحة لإخراج هذه الأمة من تخلفها التاريخي، ومن ضعفها المذل وهي تنتظر الموت. إذا كانت لديهم أفكار أفضل، تحمي هذه الأمة وتخرجها من الجحيم الذي تعيشه، فليقدمونها، وإلا فليسكتوا وليدعوا الآخرين ليقبضوا على الجمر”.

  2. يقول رزق الله:

    المقال على قدر كبير من الاهمية لكن من سيفهم مضامينه هم هؤلاء الذين سميتهم بالمتحذلقين وليس من الوصل الامة الى ما هي عليه بالتعاون مع اعداء هذه الامة ومن لا يعرف بان بقاء هذه الامة ان بقي وقت يكون باعادة الاعتبار لها باعتراف العرب بانهم عربا وكلهم مع بعض وليس بمحاربة بعضهم البعض كما هو حاصل اذن ما دخل المتحذلقين يانهيار الامة ؟! العربي سمه كما تشاء ئيبقى عربيا ومحطموا الامة معروفون واستسلموا لا لشيئ الا لينتقموا من هذه الامة . وهذا ما سيحصل .الديك يصيح ولا (يطلع ) الضوء . ودمتم

  3. يقول خليل ابورزق:

    حياكم الله استاذنا الكريم و بارك الله فيكم
    اقتصر حديثكم على المتحذلقين و الساخرين الذين يثبطون المناضلين. و لكن الكم الاكبر هو ممن يسعون الى مكاسب فردية او فئوية بالانحياز الى القوى الكبرى و تجاهل الحق و العدل و الشرف عن علم و سبق اصرار بحجة الموضوعية و العملية.
    ان قضية فلسطين بالذات هي من الوضوح بحيث يفرز الموقف منها ما بين السوي و الخبيث خاصة بالنسبة للعرب. مثلها في ذلك مثل الموقف من الكذب و الصدق او من الامانة و الخيانة او من الوفاء و الغدراو من العدل و الظلم او الشرف و النذالة.
    و الخطر الاسرائيلي ليس فقط ضد الفلسطينيين و لكنه مصمم كامتداد للغرب للسيطرة على الشرق كله سياسيا و اقتصاديا. بل ان اغلب تقسيمات العالم العربي الماضية و اللاحقة كانت و ما زالت من اجل هذا الكيان الخبيث. و يكفي وضوحا ما يتم الترويج له اليوم من تحالف التكنولوجيا الاسرائيلية مع المال العربي

  4. يقول علي النويلاتي:

    المثقف الحقيقي في رأيي هو الملتزم بقضايا شعبه وأمته وحقوقها والذي لا يحيد عنها مهما كان الثمن، وهو ما يفرقه عن المنافقين والإنتهازيين والمزيفين الذين يفتشون عن مبررات لتغطية نفاقهم. فحتى المنهزمين والضعفاء الذين لا يستطيعون قول كلمة حق أمام سلطان جائر، لا يمكن أن يخونوا مبادئهم والتخلي عن حقوق شعبهم وأمتهم.

اشترك في قائمتنا البريدية