حين نتحدث عن القمع فإنه يتبادر إلى ذهننا ذلك النوع من السيطرة، الذي تمارسه السلطة والمرتبط بكبت كل نشاط أو فكرة مناوئة، لكن هناك ما هو أقسى من ذلك، وهو ما يمكن تسميته بالقمع المجتمعي. هو أقسى لأنه لا ينتظر، كما السلطة، ولادة أفكار جديدة ليبدأ في قمعها، ولكنه يعمد إلى منع ولادة أي أفكار جديدة، سواء في ذلك مجال العادات أو العبادات.
في عصور الإسلام الأولى لم يكن هناك اهتمام بدراسة التاريخ، إلا على سبيل التحقق من الروايات المرتبطة بالسنة النبوية أو الدراسات الإسلامية. هذه الحالة من تجاهل علم التاريخ استمرت عبر الأجيال ويظهر تأثيرها السلبي بوضوح في تناقض واختلاف الروايات وعدم وجود منهج موضوعي متفق عليه للتأريخ، ليس فقط في الأزمنة القديمة، ولكن حتى في الوقت الراهن الذي كتب فيه تاريخنا المعاصر، إما على يد المستشرقين أو المستعمرين أو من تتلمذ على أيديهم. العلاقة بين التاريخ والقمع تبرز من خلال قصة العالم الأشهر في هذا المجال ابن جرير الطبري، الذي شكل كتابه «تاريخ الأمم والملوك» نقلة بارزة في مجال التوثيق للأحداث بسرده لقصة الخليقة منذ بدايتها وحتى قبيل وفاته في بداية القرن الرابع الهجري. كان الطبري بلا شك مثقفاً موسوعياً وأشهر جامع للروايات في التاريخ الإسلامي، حتى أنه عرف أيضاً بلقب شيخ المفسرين، إلا أن جهوده تلك لم تلق في عصره التقدير ولا التوقير اللائقين.
هذه القصة تعيدنا إلى تلك الرغبة العميقة عند المسلمين لاحتكار الصواب، ففي الذهن الجمعي هناك رأي وحيد صالح لأن يكون حقاً، أما غيره فهو الباطل المحض. ربما يعود ذلك للتفسير القاصر لحديث الفرقة الناجية الوحيدة، والذي يجعل البعض يحتكر النجاة ويدمغ الآخر، سواء كان جماعة أو فكرة، وسواء كان الاختلاف متعلقاً بجانب أساسي أو فرعي، بالخروج عن الصراط المستقيم.
المشكلة لا تنتهي هنا، بل في أن تلك الرؤية ينتج عنها في الغالب تعدٍ لفرض الرأي «الصحيح» بالقوة. نجد أنفسنا هنا أمام مفارقة تاريخية عجيبة هي أن الإمام أحمد بن حنبل، الذي عانى ما عانى في محنته الشهيرة من أجل الثبات على منهج السنة. ذلك الشيخ الذي تخلى عنه معظم أتباعه وسكت الغالب من علماء عصره عن نصرته، سيتحول بعد انتهاء المحنة، خاصة بعد وفاته وتحول أقواله وكتاباته إلى مذهب شهير، إلى إمام يتبارى الأتباع في الانتساب إليه ويتنافسون أيهم أقرب إلى فهمه ومدرسته. دخل الطبري بغداد بعد وفاة الإمام أحمد وقد كانت تلك هي بداية ظهور الحنبلية، وقبل الاحتفاء به تقدم إليه علماء الحنابلة بقصد امتحانه فسألوه أسئلة عن موقفه من منهج إمامهم، وعن تفسيره للمقام المحمود ولإجلاس النبي على العرش وعن غيرها من القضايا التفصيلية. كان واضحاً أن الغرض كان التوقف عند أي اختلاف من أجل تبرير الهجوم عليه وإظهاره بمظهر المخالف للسنة. وقد تحقق لأولئك ما أرادوا حينما أنشد الطبري قائلاً: سبحان من ليس له أنيس.. ولا له في عرشه جليس. اعتبرت هذه الكلمات انكاراً لإجلاس النبي على العرش وتحقيراً لمذهب الإمام أحمد بن حنبل، وانتشر في لحظات وفي عموم المدينة أن الطبري قد استهزأ بالإمام الأكبر، وهنا قام المئات وفي إحدى الروايات الألوف من الناس برمي الحجارة عليه حتى صارت على بابه، بحسب تعبير الرواة، كالتل العظيم.
لم يكن الطبري يستطيع إيصال صوته للغوغاء المجتمعين خارج داره، إلا عبر الاعتكاف والتأليف ونقل أفكاره لمن يرغب في الاستماع إليه من التلاميذ، الذين نقلوا لاحقاً كلماته التي تفيض باحترام الإمام أحمد وما يمثله من تحرٍ لفهم السلف، وهو ما ظهر في كتابه «اختلاف الفقهاء»، الذي حرص فيه على شرح تعلية قيم التسامح والاختلاف وتقبل الآراء، الكتاب الذي لم ينسخ للأسف إلا بعد وفاته.
ابن الأثير يذكر شيئاً أكثر إيلاماً متعلقاً بوفاة الطبري في 310 هجرية، وهو أن العامة حاولت منع دفنه لأن مثله لا يستحق الدفن برأيهم، في حين اقترح آخرون أن يدفن في جنح الليل. من الصعب إيجاد نقطة الخلاف التي ولدت كل ذلك القدر من الكراهية. البعض، كابن الأثير، يرد سبب الخلاف لتجاهل الطبري للإمام أحمد عند حديثه عن الفقهاء وقوله عنه، إنه لم يكن فقيهاً وإنما كان محدثاً مما أثار حفيظة تلاميذ ابن حنبل.
في ذات الوقت برزت بضع أسماء منصفة كابن خزيمة، الذي كان يعرف في ذلك العصر بشيخ الإسلام، والذي قال حينما طالع كتاب «التفسير» للطبري: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من أبي جعفر، ولقد ظلمته الحنابلة. لكنه أيضاً كان العصر الذي أصبح فيه البربهاري شيخاً للحنابلة، وقد كان من الأسماء التي صنف بسببها ابن الأثير فصلاً سماه «فتنة الحنابلة في بغداد»، حيث شكل الحنابلة الذين اكتوى شيخهم بنار الظلم والكيد شرطة دينية موازية للشرطة الرسمية، بحجة الأمر بالمعروف ومحاربة الفسوق والبدع، وتوسعت هذه الشرطة حتى شكلت رعباً لأهل بغداد.
لم يكتف البربهاري بذلك، بل وضع منهجه في كتابه الشهير «شرح السنة» الذي اعتبر أن من آمن به بكل ما فيه فقد نجا وإلا كان، حتى لو أنكر حرفاً واحداً منه، من أصحاب الفرق الضالة، ثم لخّص منهج السلف بقوله: «إن الدين إنما هو بالتقليد» وقوله «قلّدهم واسترح»!
يقدم صاحب السنة نفسه كممثل وحيد لفقه الإمام أحمد ومنهجه، الذي هو منهج الصحابة والتابعين الذين أخذوه بدورهم من النبي الكريم الذي بلغ رسالة ربه عبر كتاب الله وسنته المباركة. هكذا يخلص للقول، وإن بطريقة غير مباشرة، أن كتابه ذاك مقدس لأنه منقول عمن نقلوا كلمات الله. البربهاري لم يكن نموذج التشدد الوحيد فقد أعلن أتباع أبي بكر المروزي الحنبلي الحرب، أعني الحرب الفعلية، على كل من ينكر إجلاس النبي على العرش، كتفسير وحيد للمقام المحمود في الآية، لاسيما أولئك الذين يعتبرون أن المقام المحمود ينحصر في الشفاعة. الغريب هنا ليس الحرب بين المسلمين بقدر ما يكمن الاستغراب في سبب الحرب والنزاع.
تمددت هذه الحالة الفوضوية واستسهال التكفير لتطال علماء كابن حبان الذي تحول في غمضة عين من شيخ خراسان إلى متهم بالزندقة لقوله إن النبوة إنما هي العلم والعقل وكان من أشهر من دافع عنه من المتأخرين الإمام الذهبي، الذي بعد شرحه لمكانة ابن حبان، قال إن الخلاف لا يستوجب التكفير، فقصد ابن حبان في الغالب لم يكن إنكاراً للنبوة وهو ما لا يقوله من يعرف الرجل، وإنما استعمل أسلوباً بلاغياً استعمله النبي قبله حين قال، إن «الحج عرفة» فهل كان ذلك حصراً للحج بعرفة أم تنبيهاً لأهمية الوقوف بعرفة كركن من أركان الحج؟ لكن في وقت الطبري وابن حبان لم يكن هناك وجود لمثل هذا المنطق، حيث علا صوت الفتنة على كل صوت.
الطبري لاحقه اتهام آخر وهو أن كتابه كان مليئاً بالروايات عن الشيعة وغيرهم، وفيه الكثير من القصص التي في سندها إشكال وتلك حقيقة، لكن أولئك لم يقرأوا ما قاله الطبري نفسه عن منهجه في البحث، الذي ينحصر في تجميع الروايات على علاتها حيث أن الوقت لا يكفي لمن يحمل هم مشروع موسوعي كمشروعه ليتحقق من كل رواية وتفصيل ولكنه يضع القصص إلى جانب مصادرها كما نفعل اليوم في البحوث العلمية ويترك للقارئ ولطلاب العلم مهمة البحث فيها والتحقق من سلامتها، وفي هذا يقول القولة التي نستخدمها كثيراً اليوم: العهدة على الراوي.
لماذا يسرد أحاديث الشيعة ورواياتهم؟ هل كان رافضياً؟ هذا هو السؤال الذي طرح بقوة لقرون، وهو لا ينم إلا عن جهل صاحبه الذي لم يكلف نفسه مشقة القراءة التي يمكن أن توضح له حقيقة عقيدة ومنهج صاحبها. ما حدث هو أن الطبري استند على المرويات القليلة التي كانت متاحة في عصره وقد كانت للأسف في غالبها للشيعة، الذين اهتموا أكثر من أبناء السنة بالتأريخ والتوثيق للأحداث التي رووها بشكل يدعم وجهة نظرهم، التي تنتقص من الصحابة ومن شخصيات كمعاوية وغيره، لكن الطبري وهو يعد كتابه الكبير الأشبه بالمكتبة الشاملة لم يكن يملك خياراً سوى جمع ما تحصل عليه مع التنبيه لضرورة إخضاعه للتحقيق والتدقيق.
هناك درس يمكن الاستفادة منه هنا وهو: إن كان الاهتمام بالقرآن والحديث هو الأصل الذي لا حياة بدونه، إلا أن قصر الجهود على الاشتغال بهذا العلم وتجاهل ما سواه، كما حدث مع تجاهلنا القديم لعلوم التاريخ بدعوى الانشغال بالعلوم الشرعية، ذلك القصر المخل وغير المطلوب، أدخل على أمتنا مفاسد عظيمة قديماً كما سردنا أعلاه وحديثاً، حيث تهتم أجيال بما تسميه علوماً شرعية اهتماماً يجعلها تنفصل عن حاضرها وواقعها. هذا الانفصال يجعل من الصعب عليها أن تفهم أن علوماً كالتاريخ والأدب والاجتماع وغيرها من العلوم النظرية أو التطبيقية قد تكون هي الأخرى «علوماً شرعية»!
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح
شكراً لك يا دكتور مدى على إلقائك الضوء على أول من جمع السنة بكتاب
الأحاديث الواردة بكتاب الطبري غير محققة بزمانه فقد جمع الغث والسمين
رحم الله الإمام الطبري
ولا حول ولا قوة الا بالله
العنف يولد العنف.
للاسف فانه يمكن كتابة كتب كاملة عن هذه المآسي. و لكن هذه لم تكن فقط قاصرة على المسلمين و في الدين الاسلامي فقد شهدت المسيجية وخاصة في اوروبا مثلها.
و المفارقة فعلا ان ابن حنبل الذي تعرض للقمع اثناء مجد المعتزلة كان اتباعه هم الاشد عنفا ضد خصومهم فيما بعد. كأنما مدرسة العنف هي الباقية. و يمكن ان يقال هذا عن ابن تيمية الذي مات كمدا في السجن و عنف منهج اتباعه بعده الى سيد قطب في العصر الحالي.
سبق لي أن قرأت كتاب الروائي الكبير يوسف إدريس “اللاهوت العربي و أصول العنف الديني” و هو كتاب قيم وهام أثار إنتباهي لمسألة إرتباط الدين أو بالأحرى التأويلات اللاهوتية بالعنف و سعي متبنيها إلى فرض الرأي بالقوة بدل المحاججة و التسامح في الإختلاف و الإجتهاد . و قد أبدع مفكرنا الكبير في التأكيد على أن البلاد العربية كانت تربة خصبة لنمو و تطور اللاهوت العربي و دخوله -أحيانا – منعرجات خطيرة شكلت سببا رئيسيا في تنامي العنف الديني …ليكمل بذلك مشروعا فكريا نجد أصداءه في إبداعاته الروائية ( النبطي – غزازيل)يميط من خلاله اللثام عن كون بلاد العرب منذ تاريخ بعيد كانت مجالا خصبا لتطور اللاهوت و بروز التيارات المتشددة التي تحاول عنوة فرض تأويلها للنص الديني .و الحقيقة أنني -وأثناء قراءتي للكتاب- كنت أستحضر ما وقع في تاريخنا الاسلامي خصوصا بعد وفاة الرسول الأكرم و إشتداد الخلاف بين أنصار على كرم الله وجهه و معاوية رضي الله عنه من إنزلاقات منهجية خطيرة ( الخوارج المعتزلة و غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى) و وجدت أن هذا الإختلاف لانفصل عن ما وقع من إنزلاقات مماثلة في الديبن المسيحي خصوصا في القرنين الرابع و الخامس الميلادي ( المجمع المسكوني في نيقية وقراراته الحاسمة ) .و ليس كل دين سواءا اكان سماويا او وضعيا ببعيد عن مثل هذه الفتن و الصدامات الفكرية .لكن يتوجب دائما أن نحارب الفكر المتشدد و المتطرف بكل أشكاله و األوانه و أن نعمل على نشر قيم التسامح و الإلتزام بمبادئ الإسلام السمحة و تشجيع إعمال العقل و النقد البناء و الحوار المنفتح
*د مدى شكرا جزيلا لما خطت يمينك الموضوع هام شيق ولدي الملاحظات التالية :
*يقوم جملة من طللة العلم اليوم بدراسات وبحوث لانتخاب منهج النقد التاريخي رواية ومتنا استعانة ببعض الضوابط المعروفة والدقيقة جدا في علم الحديث الشريف مع فروق بالطبع من حيث كون الحديث الشريف ضوابط روايته اشد واكثر حزما ومخافظة
*الامام الطبري رحمه الله تعالى كان علما لم ينصف ووصل الامر الى اتهامه رحمه الله بالتشيع !! ولهذا اسباب اذكر منها :
1-ان هناك تشابها بالاسماء بينه وبين مؤلف شيعي في الاسم وتقارب في اسم المؤلف فالامام الطبري الذي نعرفه هو ابو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالطبري صاحب كتاب تاريخ الامم والملوك والمؤلف الشيعي اسمه ابو حعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري وكتابه هو تاريخ الرسل والملوك فهما يتشابهان في الكنية (ابو جعفر ) وفي اللقب (الطبري ويشتركان في الاسم الاول والثاني محمد بن جرير ويتشابهان كثيرا في اسم المؤلف
2السبب الثاني ان الطبري رحمه الله تعالى قد ذكر الروايات المسندة لحديث غدير خم الذي يحتج به الاخوة الامامية على احقية علي بالولاية والنص عليه والطبري رحمه الله تعالى التزم منهج جمع الروايات بحسب طريقة رواية الاخاديث في حديث غدير خم لان احد الحنابلة كان له راي في نقد ورفض حديث الغدير بالقول ان عليا بن ابي طالب عليه السلام كان في اليمن عندما كان النبي بالقرب من خم في طريق عودته من حجة الوداع والطبري فعل هذا من باب الامانة العلمية التي هي جزء من التقوى والدين ودحض هذه الدعوى لان فيها انقاصا وتضييعا لمنقبة من مناقب امامي وسيدي وقرة عيني علي بن ابي طالب كرم الله وجهه وعليه السلام
5-السبب الخامس لاتهامه يرجع الى انه رحمه الله تعالى اكثر من الرواية عن ابو مخنف لوط بن يحيى وهو شيعي وليست هذه المشكلة فقط فهو كما يقول الامام الذهبي عمدة علماء الجرح والتعديل عنه اخباري تالف متهم بكثرة الكذب والرفض ! (التشيع المتشدد الذي يحكم على الصحابة الكرام بالردة والنفاق ) حيث اورد عنه في تاريخه نحوا من 587 رواية
*وبالنظر في مقدمة الكتاب نجد انه رحمه الله لم يرتكب خطا عظيما اذ فعل فلوط بن يحي ليس الاخباري التالف الوحيد الذي روى عنه الامام الطبري بل انه روى ايضا عن الكلبي وابنه هشام والواقدي من الاخباريين المتهمين بالتلاعب بالنقل ولكن يشفع للطبري في ذللك انه اسند كل رواية تاريخية وسلسلها برواتها وقال انه لا يتحمل مسؤولية عدم صحة الرواية بل يتحمل الراوي ولهذا يتوجب عند التعامل مع كتاب بن جرير ان ننتبه الى ان القاريء الذي يتعامل معه يجب ان يكون ضليعا خبيرا بعلم الرواية والنقد بدلا من ان يرتكب الخلط والاسلوب الامي في التعامل مع مصنف تاريخي كتب وارخ حتى للفتنة زمن علي ومعاوية فياخذ منه الشيء ويرويه على انه حقيقة برغم ان السند مطعون في صدق رواته قتهم ودوافعهم التي تؤثر بالطبع في اسلوب رواية الاحداث والمعنى انا انقل بالاسناد وانتم ابحثوا صحة السند لكن لا تصححوا كل ما نقلت الا بعد البحث في السند والرواية
*اخيرا يجدر القول ان السادة الحنابلة شكر الله لهم ولكل ذي علم سعيه اعاد كبارهم والراسخون في العلم منهم للامام الطبري شيءا هاما من حقه الذي اجتاحه عوام الحنابلة زمان المقتدر ومنهم ابن الجوزي الحنبلي في كتابه المنتظم كما فعل الشيء نفسه المفسر والمحدث المعروف ابن كثير رحمه الله تعالى عليه ويجدر بنا هنا ان نلاحظ الفرق بين سلوك العلماء الراقي وبين ما فعله محمد بن داوود منتقما من الامام بعد المناظرة ومن العلم والحكمة ونفاذ البصر والبصيرة ان لا يؤخذ كلام الاقران ببعضهم اي لا ناخذ كلاما كيديا من محمد بن داوود في الطبري رحمه الله خصوصا وان الدوافع تنافسية فيها غضب وانتقام للذات ودافع يكفي لان يرد خصوصا وان التهمة لا دليل عليها وان عقيدة الامام الطبري في فروعها واصولهاوعلىىمذهب اهل السنة والجماعة كما نقل الكبار من اهل العلم رحمهم الله تعالى
*الفت النظر ان هناك جهودا علمية جبارة ومشكورة باتت تهتم بالتاريخ ونقدت روايات الطبري ومنها كتاب صحيح وضعيف تاريخ الطبري لمحمد بن طاهر البرزنجي
*ومنها ما انتقد مروياته في الجانب الاكثر اشكالا واختلاطا واحتمالا للكذب في الروايات وهي فترة الفتنة والقرون الثلاثة الاولى من تاريخ الاسلام والتي تنتظم روايات الفتنة في الجمل وصفين زمن الامام علي والحكم الاموي ومن هذه المؤلفات التي تناولت نقد فترة من الفترات التي ارخ لها الامام في كتابه (مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري دراسة نقدية مقارنة ) للدكتور محمد غيث وايضا كتاب تاريخ الدولة الاموية للدكتور مصطفى العش الذي عني بهذه الفترةةعند الطبري وعند غيره ومارس نقد الرواية والمتن
اخيرا يوجد ملاحظتان د مدى الفاتح احب ان ادلي بهما برايي :
*اتفق معك د مدى ان الاهتمام بتوثيق الرواية الحديثية كان كبيرا ومركزا وحاء على حساب الرواية التاريخية لاسباب موضوعية اولها
1-ان الحديث الشريف لم يبدا تدوينه الا في القرن الثاني (اعان الله ذاكرتي المصابة بالزهايمر المبكر والمخردقة برصاص احداث المنكقة على التذكر صوابا ) حيث كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم نهى عن تدوين حديثه كي لا تختلط وثاءق الحديث الشريف بالقرءان العظيم الذي نقل متواترا بالحفظ اكثر من الكتابة بسبب ان الكتبة كانوا قلة طبعا في امة امية هي الامة العربية التي تعتمد على ذاكرتها في كل شيء وكان الكتبة اغلبهم تجارا او مرموقين وكثيري اسفار فبدا الاهتمام بالحديث متاخرا من حيث تدوين النص الحديثي بسند من سلسلة رواته الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جهد مضن في زمن لا وساءل اتصال فيه وفيه تناثر للصحابة والتابعين على رقعة الفتح الاسلامي المجيد ما كان يتطلب سفرا ونضالا لتوثيق حديث النبي الكريم وترافق الامر مع وجود حركة وضع للاحاديث بدوافع سياسية ومذهبية وقبلية ما فرض ضرورة نشوء ما يعرف بعلم الجرح والتعديل اي علم رجال الحديث واصول الرواية الذي يبحث في تاريخ كل راو في اي سلسلة رواة ميلادا ووفاة وتوجها مذهبيا وعقاءديا وفقهيا (لبحث دوافع الراوي للكذب تحيزا او معاداة لجهة ما ) وبحثت في قوة حفظ الراوي وفي تقواه على ما اشتهر به وجمعت الاقوال فيه احتاج هذا الى جهد مركز وشكل اولوية لان السنة هي الدين ! وهي شارحة كتاب الله تعالى ومبينة محكمه ومتشابهه فاستهلك هذا جهد النخب العلمية واحتاج دهرا ليصلنا ما وصلنا من الاسلام عبر السنة في حين ان اغلب الناس شهدوا احداث تاريخ الاسلام في القرون الثلاثة الاولى التي قد لا تزيد عن اربهة اجيال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم فلم تكن الحاجة ملحة لان ابطال الاحداث اصلا على قيد الحياة والاهتمام بالتاريخ ينصب اولا على ما قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالنسبة لمؤرخ كالطبري او اي مؤرخ قبله او بعده بقليل الطبري ولد في منتصف القرن الثالث الهجري وعاش حتى اواءل الرابع (224-310) فلهذا لم تكن اولوية خصوصا وان مرحلته قريبة زمنيا من فجر الاسلام وابطال الاحداث على قيد الحياة ولهذا طغى الاهتمام بالسنة على الاهتمام بالتاريخ لانه كان نوعا من الترف العلمي نسبة لعلوم الشريعة الاخرى في زمان الطبري حيث انصب الاهتمام على علم الكلام وعلوم العقيدة وغيرها مع دخول سكان البلاد المفتوحة الاتين من خلفيات ثقافية متعددة في الاسلام واندلاع النقاش العلمي ونشاط حركة الترجمة والنقل العلمي من الثقافات المختلفة فاحتاج هذا الى اهتمام مركز على العلوم التي تعالجزمشاكل زماننا بخلاف عصرنا الذي يشكل اشكال النظر التاريخي الى احداث البيعة والفتنة صفين والجمل والنزاعات زمن الامويبن عاملا هاما في تقريب وجهات النظر ومحاولة اجتراح طريق موضوعي لنقد الاحداث التي شقت الامة الى سنة وشيعة على نحو متجرد عن العداء والانحياز لاي رؤية مهما كانت شااءعة ودارجة ومسلمة فالعلماء داءما منهجهم بعيد عن التعصب والغوغاءية الشوارعية في معالجة المساءل الحساسة
اختم كلامي سيد مدى بملاحظة ان سبب قلة ما كتبه العلامة المفسر والمؤرخ ابن جرير الطبري في السنوات الثمان الاخيرة لحياته ما بين 302 الى 310 يرجع الى انه عاش زمن المقتدر الخليفة الصبي ان شءت وكان زمن فوضى والطبري كان محتاجا الى حماية الدولة العباسية فلم ينتقدها كما يجب كما فعل في العصر الاموي وايضا لانه قريب من خيث المعاصرة للعباسيين ولانه كتن زمان غوغاء فيه تامر وانقلابات واؤكد واشد على يدك د مدى في ضرورة الاهتمام بالعلوم التي هي اصلا في الشريعة الاسلامية يعتبر تعلمها فرضا كفاءيا (اذا قام به البعض على نحو يسد ثغرة هذا العلم باقتدار وتميز ) سقط عن الباقين هذا الفرض وبعض الغلوم اذا اهمل قد يكون فرض عين ايصا وهذا ينتظم علوم الطب والفيزياء والكيمياء والذرة وغيرها ومنها اليوم التاريخ الذي استدعاه دهاة السياسة من مرقده ونفخوا في صور بعثه ولم يختاروا الا تشققاته وانشقاقاته لتقتل الامة بعضها باسم علي ومعاوية وعاءشة وزينب عليهم السلام وايم الله لو علم المتقدمون ماذا فعل المتاخرون بتراثهم وكيف استعملته الدول التوسعية الاقايمية هقميص فتنة وانا هنا اعني الطرفين السنة والشيعة لشطبوا اسماءهم من سجل التاريخ حقنا للدم الحرام والفتنة الملتهبة التي ابتلعت العقول والاجساد واذهلت الحلماء حلماء العقول حتى اصبح الحليم حيرانا ولله في خلقه شؤون على راي استاذنا بولنوار ولاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم غلى راي التخ داوود شكرا لقلمك وشكرا للقدس التي تعطينا الفسحة والامل ومساحةةالنقاش والنشر
شكراً د. مدى على اضاءتك لقصور الفهم الصحيح و عدم قبولنا للآخر المخالف لنا فكرياً و علمياً و مفاهيمياً في تاريخنا العربي والاسلامي، وهنا استحضر محرقة كتب إبن رشد و تكفير إبن عربي وغيره دونما استقصاء وبحث أفكارهم و مدوناتهم وحوارهم معرفياً…. في تقديري المتواضع هي واحدة من مسببات سكوننا الثقافي و الالمعرفي لحالنا الاسلامي و العربي.
سكري ثانيةً د. مدى لتلك القراءة الماجدة للإمام الطبري.
تقديري