مفارقات انتخابية

لأن موضوع الانتخابات العراقية بات المحرك الأهم للقصص الإخبارية العراقية، أصبح هنالك هامش مهم لمفارقات محركها الأساس الصراع الانتخابي، وربما كانت قصة النائب عن كتلة دولة القانون عباس البياتي هي الخبر الاهم الذي غطى على اخبار هذا الاسبوع.
فقد صرح هذا النائب الإشكالي قبل ايام واصفا الكتل الشيعية الخمس الكبيرة بأنها تشبه «اهل الكساء»، واهل الكساء بحسب المرويات الاسلامية، والشيعية منها بشكل خاص، لهم مكانة مقدسة لا يمكن المساس بها، فقد روي الإمام مسلم في صحيحه في باب فضائل أهل بيت النبي (صلى الله عليه وسلم) حديث الكساء مرويا عن السيدة عائشة (رض) بقوله «خرج النبي غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» وهو من الأحاديث الصحيحة. وما أن ذكر النائب البياتي ذلك في لقاء تلفزيوني حتى قامت عليه الدنيا ولم تقعد.
المعروف أن عباس البياتي صاحب تصريحات إشكالية عديدة، فقد عرف بنائب الاستنساخ، حيث طالب مرة بتملق واضح اجراء عملية استنساخ لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، ليكون موجودا دائما، لانه الوحيد القادر على قيادة العراق. وهو من اطلق على زعيم حزبه «نوري المالكي» لقب مختار العصر في صفة تحمل نواح مقدسة نتيجة تشبيهه بالمختار الثقفي، الذي انتقم من قتلة الإمام الحسين. لكن الأزمة هذه المرة ربما كانت الأعنف، وقد رد على البياتي ساسة ورجال دين كثر، وربما تجلت هزالة المشهد العراقي بأوضح صورها في تصريح الأمين العام لكتائب حزب الله العراقي، السيد واثق البطاط، الذي طالب البياتي عبر تسجيل فيديوي بالاعتذار إذ قال «انت تُشبّه أقذر ما في الوجود بهذه الذوات المقدسة وهذا استهتار»، وأنا اقول، إن أمامك أن تتوب وتعتذر، وإلا فإني سافتح المجال للمجاهدين أن يقتصوا منك وتفهم ما معنى أن يقتصوا منك». واضاف «اعتبر هذا الكلام تهديدا، ولكني اضع في عنق كل المجاهدين كل الشيعة والشرفاء امانة كرامة الخمسة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين». وأشار إلى أن «كل من يدافع عن البياتي محكوم عليه بالموت، وعلى البياتي إما أن يعتذر ويتوب ويذهب إلى علي بن ابي طالب حافيا ذليلا حقيرا يعتذر في حضرة قدسه أو فان للمجاهدين معه كلام اخر». ففي العراق حيث تغيب القوانين ويعطل القضاء يمكن لقائد ميليشيا أن يهدد نائبا في البرلمان الاتحادي بالتصفية الجسدية وبشكل علني، بدون خوف أو وجل من قانون أو قضاء. تهديد بالقتل ردا على كلمة وتشبيه ساذجين اطلقهما نائب اهوج في لحظة مرح، ربما اعتبرها قفشة أو «خفة دم» الحقها بتعداد مسجوع للكتل السياسية الشيعية الخمس في لقاء تلفزيوني.
ومن مصائب الانتخابات العراقية الاعلان عن احتمالية تزوير الانتخابات قبل أن تبدأ أي اجراءات، اذ تتنافس الكتل والاحزاب على شحن الشارع بنظرية مؤامرة، مفادها أن هناك جهات تحاول أن تزوّر الانتخابات، وهذا امر تعود عليه الناخب العراقي، لكن هذه المرة وصل حدا غير مسبوق حين أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي ومصادر مقربه منه تخوفه من تزوير الانتخابات، علما أن كتلة النصر التي يقودها العبادي وبما تمتلكه من إمكانات الدولة تمثل أوسع واقوى تجمع في السباق الانتخابي، وكان العبادي قد حذر مفوضية الانتخابات من «التعامل غير القانوني مع الأحزاب»، ورغم أن رئيس الوزراء لم يورد المزيد من التفاصيل، إلا أن مراقبين أكدوا أنه يعرض بالتبعيات السياسية لأعضاء مجلس المفوضين. ويقول هؤلاء إن «العبادي يستبق الاستعدادات الرسمية للانتخابات، بقطع الطريق على الأحزاب، كي لا تفكر في استخدام نفوذها داخل المفوضية لتغيير النتائج». وهنا يتساءل المواطن المسكين، اذا كان العبادي يتخوف من التزوير، فماذا يقول التيار المدني الذي يصارع على الحصول على مقعد أو مقعدين في البرلمان؟
وضمن سياق الانتخابات وصراعاتها والفساد غير المسبوق الذي يلف كل تفصيلة من تفاصيل السياسة العراقية، أعلن عن تخوف المفوضية العليا للانتخابات من فشل العملية الانتخابية، في حال انهيار النظام الإلكتروني الذي أعدته المفوضية، نتيجة التآمر من بعض الجهات! ولتلافي هذا الامر قامت المفوضية بتعيين نحو ألف موظف جديد لتنفيذ إجراء العد والفرز يدويا برواتب تصل إلى حوالي مليون دولار شهريا في بلد تعاني ميزانيته من العجز المالي، وتستجدي حكومته المانحين في مؤتمرات دولية مخجلة.
أما مفارقات الانتخابات في المحافظات السنية التي مازالت تعاني آثار احتلالها من قبل تنظيم «داعش»، فنراه فيما صرحت به النائبة عن محافظة الانبار لقاء وردي التي قالت، «إن تحديث سجل الناخبين بعد تاريخ 9-11-2017 لا قيمة له، لأن الذي يحدّث سجله بعد هذا التاريخ لا تُعطى له بطاقة ناخب، وبالتالي لا يمكنه التصويت إلكترونيا، حيث يتم الإدلاء بصوته على البطاقة القديمة، التي هي أصلا غير موجودة لدى الكثير من المواطنين في محافظة الأنبار، بسبب فقدانها أثناء فترة النزوح، وهذا يعني أن أقل من 25% فقط من الناخبين في محافظة الأنبار يمكنهم التصويت إلكترونيا، وهؤلاء هم الذين تم تحديث سجلاتهم قبل هذا التاريخ».
ومن المضحكات المبكيات في السباق الانتخابي أن تخرج نائبة برلمانية من كتلتها لتنظم إلى كتلة اخرى، ثم لا تلبث أن تعود إلى كتلتها الاصلية، وهذا ما حصل مع النائبة الكردية سروة عبد الواحد، رئيسة كتلة حركة التغيير البرلمانية، التي تركت كتلتها وترشحت على قوائم كتلة النصر التي يقودها رئيس الوزراء، وأكدت كتلة التغيير في بيان لها يوم 20 فبراير 2018 أن «انسحاب سروة عبدالواحد من تحالف النصر، كان بطلب من الكتلة في البرلمان وبموافقة لجنة الانتخابات وبالتنسيق مع غرفة الحكومة والبرلمان في التغيير». واضاف بيان الكتلة «أن كتلة التغيير هي من اقترحت أن تدخل عبدالواحد أحد التحالفات العراقية، لكسر التقليد الفاشل المتبع منذ سنين على الساحة السياسية، الذي تسبب بالضرر للمواطنين والحياة السياسية والاقتصادية والمالية والانسانية والاجتماعية والامنية. ربما الفكرة لم تكتمل بشكل جيد، لان رد الفعل ضدها كان كبيرا، وخلق الكثير من الاعداء لها، لذا ارتأينا ككلتة أن تنسحب النائبة من تحالف النصر» لتعود النائبة الهمامة لكتلتها سالمة غانمة بعد هذه المناورة.
وربما حقق تصريح القيادي في «كتلة النصر» التي يقودها العبادي النائب علي العلاق اعلى مستويات المهازل الانتخابية، فقد قال في تصريح تلفزيوني، إن «حزب الدعوة قرر دخول جميع قياداته في تحالف واحد بعد الانتخابات، من أجل تشكيل الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً». وأشار إلى أن تحالفي «النصر» و»ائتلاف دولة القانون» سيلتحمان في كتلة برلمانية واحدة كبيرة، وأن هذا الاتفاق تم بموافقة الحزب، ووقع العبادي والمالكي عليه». وأضاف أن «الاتفاق تم بتوقيع شخصي من العبادي والمالكي على ورقة»، موضحاً أن قيادات «الدعوة» التي كانت حاضرة وقعت أيضاً على الاتفاق». ورغم نفي كتلة المالكي هذا الامر، إلا أن نفيها على لسان الناطق الرسمي للكتلة عباس الموسوي جاء باهتا مواربا غير قاطع، وبذلك يجب أن تعلم ايها الناخب المسكين، انك عندما تذهب لتدلي بصوتك لكتلة قد تعتقد انها ستحارب الفساد، ستفاجأ بأنك انتخبت كتلة الفاسدين نفسها التي اردت محاربتها، فهل رأيت دوامة أكثر مما يشهده المشهد الانتخابي في العراق؟
كاتب عراقي

مفارقات انتخابية

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول جمال كردستاني:

    عن اية انتخابات يتحدثون. بلد مثل العراق
    وفي عهد تسيطر فيه العماىم السود
    والبيض والخضر على مقاليد الامور وميليشيات طاىفيه تنتشر في الشوارع
    تفعل ما تشاء دون رادع لايمكن اجراء
    انتخابات وان جرت تكون صوريه. العراق
    اصبح ساحة تلعب فيها ايران واتخذت
    منه خطاً للدفاع عن الثوره الخمينيه.
    لا تتوقعوا ان يستقر على الامد القريب.
    اللعبه في منطقتنا لاتزال في بدايتها
    والعراق من بيادق هذه اللعبه.اما تصريحات
    البياتي وتهديدات البطاط وعودة الخاتونة
    سروه الى كتلتها وتصريحات الاء الناكرة
    لكرديتها ماهي الا مواقف فارغة لاقيمة.
    ساسة العراق مجموعة لصوص وخفافيش
    تمص دماء الشعب العراقي وعلى هذا الشعب العصيان ومقاطعة الانتخابات
    التي لا جدوى منها لانها لا تغير من الحاله
    وربما تكون من نتاىجها دخول العراق في
    عنق الزجاجه ولا استبعد حرباً داخليا بين
    التيارات والكتل المختلفه ورفض النتاىج
    ولا سيما ان معظم الكتل اصحاب ميليشيات مسلحه لاتعترف بسلطة القانون
    التي لم يبقى منها الا النزر اليسير. باختصار
    على العراقيين الاستعداد لمرحلة يتجدد
    فيها العنف وتصفية الحسابات بين هذا
    وذاك وربما تبدا بوادر هذا العنف كلما
    اقتربنا من موعد الانتخابات.

اشترك في قائمتنا البريدية